الإنسان مكرم من ربه.. تحرم إهانته

alarab
محليات 29 أبريل 2016 , 06:30م
الدوحة - العرب
شدد فضيلة الإمام والداعية الدكتور محمد بن حسن المريخي على أهمية احترام الإنسان وعدم إهانته، استجابة واتباعا لما أمر به الله تعالى ولما بينه في كتابه، من تكريم للإنسان الذي هو خليفة الله في الأرض التي عمرها، بأمر الله.

وقال في خطبة الجمعة اليوم بجامع عثمان بن عفان بمدينة الخور: "عباد الله، لقد خلق الله تعالى الإنسان مكرما محترما كما قال سبحانه: { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ }، وقال: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا }، فالإنسان بطبيعته وفطرته مخلوق محترم، فهو يحب أن يحترم ولا يرضى أن يهان بأي نوع من الإهانة، والإسلام دين يحترم الإنسان ويدعو إلى احترامه وتكريمه حتى في دعوته إلى الله تعالى، فإنه لا يكره أحدا على الدخول فيه.

وقد أكثر الله تعالى في القرآن من بيان ذلك الاحترام والحث عليه والترغيب فيه، والأمر به والتحلي بحليته والتزين بزينته، فجاء الاحترام في الإسلام في المخاطبة كقوله تعالى: { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا }، وفيما بين المؤمنين أنفسهم كقوله { وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }، أو في دعوة الناس إلى الإسلام حتى وهم كفار ملحدون أو مارقون، يقول تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }، وقال عز وجل: { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }، وقال تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى }، وفي الخصومة: { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ }، وما ذلك إلا لما للاحترام من النتائج الإيجابية والثمرات الطيبة، ولما للإهانة من النتائج السلبية المؤسفة، وإنه إذا أراد الله تعالى بعبد خيرا زينه بخلق الاحترام واحترام الناس، فتحلى به حتى اشتهر به ولبس ثوبه الجميل وتدثر بدثاره الأنيق.

وأضاف فضيلته أن المرء يسع الناس بأخلاقه ودينه، ولا يقدر على أن يسعهم بماله وأملاكه، واحترام الناس وتوقيرهم أدب رفيع يتحلى به الموفقون من عباد الله والمسددون من الناس، ويتصف به كبار الهمم وأعالي القمم الذين ارتفعوا بطاعة ربهم حتى زينهم بها، وهذبهم دينهم وأدبتهم صلاتهم وأثرت فيهم خشيتهم من الله تعالى، وصفت قلوبهم وطهرت سرائرهم فتواضعوا لله تعالى ولانوا لإخوانهم وحرصوا على هداية الناس، فباحترامهم للناس أدخلوا الناس في دين الله وأنقذوهم من النار بتوقير عباد الله وقرهم الله وأعلى مكانتهم بين عباده فكانوا مصابيح للعباد وسرجا للناس يبصرون بهم بعد الله تعالى طريق الهدى ودرب الرشاد، يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } ويقول له: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}.

لقد تزين باحترام الناس سيد الخلق محمد عليه الصلاة والسلام فكان مضرب الأمثال في احترامه للناس حتى أعجب به أعداؤه قبل أصحابه، يتبول أعرابي في المسجد، فيهُمُّ الصحابة بضربه والاعتداء عليه فيمنعهم عليه الصلاة والسلام ويأمرهم بتركه حتى يتم بوله، ثم يناديه ويعلمه مكانة المسجد ومقامه بأنه لا يصلح إلا للصلاة والذكر وقراءة القرآن ولا يصلح لمثل هذه القاذورات، فيعجب الأعرابي من خلق هذا النبي الكريم ويتوجه إلى الله داعيا أن يرحمه ومحمدا ولا يرحم معهما أحدا.

وساق فضيلة الإمام قصصا مؤثرة في هذا المعنى منها قصة أبي مسعود البدري مع غلامه، وما قاله له صلى الله عليه وسلم، يقول أبومسعود البدري: "كنت أضرب غلاما لي بالسوط فسمعت صوتا من خلفي: "اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام"، يقول أبومسعود: فسقط السوط من يدي من هيبته صلى الله عليه وسلم وقلت: "هو حر يا رسول الله"، فيقول رسول الله له: "أما لو لم تفعل للفحتك النار" رواه مسلم.

وتموت امرأة سوداء كانت تَقُمُّ المسجد وتنظفه، فيدفنها الصحابة بعد الصلاة عليها ولم يعلموه، فيعلم رسول الله بعد ذلك بموتها فيقول لهم: "أفلا كنتم آذنتموني" فكأنهم صغروا أمرها فقال: "دلوني على قبرها"، فدلوه فصلى عليها ثم قال: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم" رواه البخاري.

ويقول أنس رضي الله عنه: خدمت رسول الله عشر سنين، والله ما قال لي قط أف، ولا قال لشيء فعلته لم فعلت، ولا لشيء لم أفعله ألا فعلت كذا" رواه البخاري ومسلم.

أيها المسلمون، إن احترام الإنسان للناس وتوقيره لهم يرفع مقامه ويعلي شأنه عند الله تعالى وعند عباده، فالله يحب من يتواضع لعباده الذي يسعى في تيسير أمورهم وتسهيل حوائجهم، يقول صلى الله عليه وسلم: "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة" رواه البخاري ومسلم.

ويرتفع المرء عاليا في عيون الناس ويحبونه ويوقرونه لاحترامه لهم ويدعون الله له بالتوفيق والقبول، فباحترامه لهم قد يشتري قلوبهم كما اشترى مودتهم وحبهم ومودة الله تعالى قبل ذلك: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا }.


التجاوز عن الأخطاء 

وعن حذيفة رضي الله عنه قال: أتي الله تعالى بعبد من عباده آتاه الله مالا فقال له: "ماذا عملت في الدنيا؟" قال: { وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا }. قال: يا رب آتيتني مالك فكنت أبايع الناس وكان من خلقي الجواز -التجاوز عن العباد- فكنت أيسّر على الموسر وأنظر المعسر. فقال تعالى: "أنا أحق بذا منك، تجاوزوا عن عبدي" رواه مسلم.

أيها الإخوة إن احترام الناس وتوقيرهم يكون بلين الكلام والتواضع لهم والاهتمام بهم وقبول اعتذارهم وتقدير ظروفهم والتجاوز عن أخطائهم، وإن الناس في أزمنة متأخرة من عمر الدنيا أزمنة ضعفت فيها العزائم وخارت الهمم وتلاشت أكثر الأخلاق واغتر الناس بالدنيا مما أضعف التحلي بمثل هذه الأخلاق الكريمة فما أحوج المجتمعات لمثل هذا الخلق الكريم وقد ظهر في دنيا المسلمين ما يهدد مثل هذا الخلق وغيره، ولكن ليس بعزيز على الله تعالى أن يكرم عبيده وديار المسلمين ومجتمعاتهم بأخلاق الإسلام الخالدة إذا أحسنوا واتقوا وآمنوا، فما أحوجنا لهذا الخلق الكريم فكم جلب الاحترام من المودة والمحبة والتوادد والثمرات اليانعات، وكم وجد المرء من الرتب والمقامات الحسية والمعنوية بسبب احترامه وتوقيره للآخرين، إن الناس ليحبون من يحسن إليهم ولو بكلمة طيبة أو ابتسامة صادقة، ولا يحبون من يهينهم ويسيء إليهم ولو كان صاحب حق ومعروف.

أ.س/س.س