المسافة بين الشمس والكواكب الدائرة في فلكها تزيد على 58 مليون كيلومتر
باب الريان
28 يوليو 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر : محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين.
التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر.
وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط.
ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب.
سورة التكوير
بسم الله الرحمن الرحيم
{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14) فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)}
مقاصد السورة:
السورة مكية بالإجماع، وهي تتحدث عن القيامة ومقدماتها وتوابعها، ثم يقسم الله فيها بالنجوم والليل والصبح وبعض ما خلق الله، على أن عظمة هذا القرآن، وقوة من جاء به إلى رسول الله، وهو جبريل عليه السلام، وما له من مكانة وطاقة، وما يتصف به من قوة وأمانة. ويوكل في النهاية الأمر إلى الله رب العالمين.
روى الإمام أحمد والترمذي عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة، كأنه رأي عين فليقرأ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}، وَ{وإذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ}، و{إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ }
الشمس هي هذا الكوكب العظيم، الذي ينسب الفلكيون ورجال العلم مجموعتنا الكبيرة إليه، فيسمونها: المجموعة الشمسية، وهي المجموعة الفلكية والأرضية، التي ترتبط بهذه الشمس، وتتحرك وتسبح وتدور، بحسب حركتها وتوجهها. وهذه المجموعة منها: أرضنا التي نعيش عليها، والتي بسطت لنا ومُدَّت وجعلت ذلولا. ومنها القمر، ومنها سائر النجوم المعروفة، وهي: زحل والمشتري والمريخ والشمس وعطارد وغيرها، مع القمر والأرض.
والشمس كغيرها سابحة في الكون، كما يقول القرآن الذي اختار لها لفظ السباحة، فقال: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء:33].
وردت الشمس في القرآن ثلاثا وثلاثين (33) مرّة، باسمها الصريح، وذكرت مرتين بوصفها: أنها سراج، أو سراج وهاج. وقد بين الله في سورة نوح أنه جعل الشمس سراجا، حين قال نوح لقومه: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} [نوح:15-16].
وقال تعالى في سورة النبأ {وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا} [النبأ:13]. وفي سورة الفرقان: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} [الفرقان:61].
والسراج يحمل عنصرين: النور والحرارة، ولهذا خص الله الشمس بأنها ذات الضوء الذي معه الحرارة، بخلاف القمر فليس فيه إلا النور، أما الشمس فهي جسم ملتهب شديد الحرارة.
وحرارة الشمس شيء هائل حتى إن بعض العلماء الذين حاولوا التفسير العلمي للقرآن، اعتبرها (الجحيم) في قوله تعالى: {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} [التكاثر:6]، ولكن هذا التفسير خاطئ؛ لأن الفعل المضارع المؤكد بالنون يكون للمستقبل، فنحن سنرى الجحيم في الدار الآخرة، {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم:71].
بيد أن المتفق عليه بين الجميع هو القوة الشديدة الفظيعة التي أمد الله بها الشمس.
لماذا الشمس؟
ويتحدث العالم الكوني الكبير الدكتور زغلول النجار عن طاقة الشمس في كتابه (موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم: السماء) فيقول: (تطلق الشمس من الطاقة ما يقدر بنحو خمسمائة ألف مليون مليون مليون حصان في كل ثانية, ويصل إلى الأرض منها واحد في الألف فقط تقريباًً, ويمثل ذلك مصدر كلٍ من الحرارة والضوء وغيرهما، من مختلف صور الطاقة على الأرض ـ باستثناء الطاقة النووية ـ وتعتمد كل الأنشطة الطبيعية على سطح الأرضعلى الطاقة الشمسية, فقد أعطى الله ـتبارك وتعالى ـللشجر الأخضر القدرة على اختزان جزء كبير من طاقة الشمس، على هيئة روابط كيميائية فيما تنتجه من سكريات ونشويات وزيوت وغيرها من المنتجات النباتية, وذلك بتفاعل أشعة الشمس مع كلٍ من العصارة الغذائية للنبات - المكونة من معادن الأرض والماء- وثاني أكسيد الكربون مُطلِقًا الأوكسجين؛ كما أعطى ربنا تبارك وتعالى ـكلًّا من الإنسان والحيوان القدرة على الاستفادة بتلك الطاقة الشمسية المخزونة في المنتجات النباتية في جميع أنشطتها الحيوية, وذلك بإحراقها في أثناء عملية التمثيل الغذائي، فتتحول هذه المواد مرة أخرى إلى ماء وثاني أكسيد الكربون.
ثم من فضلات كلٍّ من النبات والحيوان والإنسان، تتكون مصادر أخرى للطاقة مثل الخشب، والقش، وروث الحيوان، وفضلات الإنسان التي تتكون منها أغلب مصادر الطاقة الطبيعية مثل الفحم النباتي, الفحم الحجري, النفط, الغاز الطبيعي, وغيرها) .
ولهذا أقسم الله سبحانه بالشمس وضحاها، وهو الغني عن القسم لعباده، لينبهنا على الأهمية القصوى للشمس، التي بدونها ما قامت الحياة على الأرض، ولا عاش إنسان ولا حيوان ولا نبات.
ثم تحدث الدكتور النجار عن الشمس ومجموعتها الشمسية، والمسافات الشاسعة بين بعضها وبعض، فيقول: (تتراوح المسافة بين الشمس والكواكب السيارة المرتبطة بها والدائرة في فلكها بين 58 مليون كيلومتر وأكثر من60 مليون كيلومتر.
وتختلف الظروف الطبيعية على الكواكب في مجموعتنا الشمسية تبعاً لقربها من الشمس أو بعدها عنها, وتبعاً لحجم كلٍّ منها, وبالتالي حجم الغلاف الغازي المحيط بها.
والكواكب – في مجموعها- تدور حول الشمس في أفلاك شبه دائرية في الاتجاه نفسه, وهي في مساراتها تلك تختلف المسافة بين كلٍ منها والشمس, كما تختلف سرعة جري الكوكب الواحد باختلاف بعده عن الشمس, فتصل سرعة الكوكب أقصاها وهو أقرب ما يكون من الشمس, وتقل بالتدريج بابتعاده عنها حتى تصل سرعته أدناها وهو أبعد ما يكون عن الشمس.
وحركات الكواكب حول الشمس يحكمها توازن دقيق بين قوتين متضادتين، هما قوة جذب الشمس للكوكب, والقوة الطاردة المركزية الناشئة عن دوران الكوكب حول الشمس, والتعادل الدقيق بين هاتين القوتين هو الذي حدد للكواكب أفلاكها الثابتة, وحدد جريها فيها وحفظها من الانطلاق إلى فسحة الكون أو السقوط في سعير الشمس، وذلك كله بتقدير من الخالق الحكيم الخبير سبحانه وتعالى.
والكواكب في الوقت نفسه تتجاذب فيما بينها تجاذبًا أقل من جذب الشمس لكلٍّ منها، مما يعين على احتفاظها بأبعادها الثابتة فيما بينها.
والنهار والليل يتعاقبان على كل كوكب في مجموعتنا الشمسية, ويتم ذلك في مدد متفاوتة تفاوتاً كبيراً؛ لاعتماده على حجم وكتلة الكوكب وسرعة دورانه حول محوره، وكذلك تتفاوت سنة كل كوكب بتفاوت بُعده عن الشمس, وبتفاوت سرعة جريه في مداره حولها حتى يتم دورة كاملة .
وبدوران الأرض حول محورها تتم الحركة الظاهرية لكلٍّ من الشمس والقمر والنجوم والكواكب التي تتراءى لنا عبر السماء. وتتتابع الفصول على أرضنا بسبب ميل محور الأرض في دورانها حول الشمس) .
هذه الشمس المخلوقة المُسخَّرة العظيمة، لن تظل كما هي أبد الدهر، بل لا بد لها أن تدخل في النظام الكوني، الذي قدر الله أن يصيبه التفكك والانهيار والتبدل والتغيير، وفق إرادة إلهية، تحسب لكل شيء حسابه، وتعد له عدته.
أخبرنا الله في كتابه العزيز المحفوظ القرآن الكريم بهذا التغيير، حينما قال: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم:48].
وفي هذا التبدل الكوني نزلت هذه السور الكريمة، من هذا الجزء الأخير من القرآن الكريم، سورة {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}، و{إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ}، و{إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} ليعلمنا ما لا بد أن نتعلمه، وينبهنا إلى ما يجب أن لا نغفل عنه، من أحداث ضخام في هذا الكون ستتغير رأسا على عقب، يحدثها من خلقه من عدم، ومن رعاه بقدر، ومن حفظه من الفناء الكلي أو الجزئي، إلى وقت معين مقدر له في علمه وحكمته.
{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} ذكرت السورة هنا اثني عشر شيئا من الأشياء المهمة والخطيرة تحدث بعضها قبل قيام الساعة، وبعضها بعد قيام الساعة.
وأول ما يحدث من التغييرات في النظام الكوني: تكوير الشمس، الذي عبر الله عنه بهذا الأسلوب، فالأصل في شرط إذا أن يكون الفعل بعدها، مثل: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} [المنافقون:1]، و{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر:1]، {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ} [الأعراف:34]..إلخ. ولكن في هذه السورة جاء الاسم بعد إذا.
وقد اختلف مفسرو السلف في معنى التكوير، ذكر ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} يعني: أظلمت. وقال العوفي، عنه: ذهبت، وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت. وكذا قال الضحاك. وقال قتادة: ذهب ضوؤها. وقال سعيد بن جبير: {كُوِّرَتْ} غورت. وقال الربيع بن خثيم: {كُوِّرَتْ} يعني: رمي بها. وقال أبو صالح: {كُوِّرَتْ} ألقيت. وعنه أيضا: نكست. وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض.
وقال أبو السعود: {إِذَا الشمس كُوّرَتْ} أي لُفَّتْ، من كَوَّرتَ العمامةَ إذا لففتَها، على أَنَّ المرادَ بذلكَ إمَّا رفعُها وإزالتُها منْ مقرِّها، فإنَّ الثوبَ إذا أُريدَ رفعُهُ يُلفُّ لفًّا ويُطْوى، ونحوه قولُه تعَالَى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} [الأنبياء:104]. وإما لف ضوئها المنبسطِ في الآفاقِ، المُنتشرِ في الأقطارِ على أنَّه عبارةٌ عنْ إزالتها والذهابِ بها، بحكمِ استلزامِ زوالِ اللازم لزوال الملزومِ، أو ألقيتْ عن فلكها كَما وُصفتِ النجومُ بالانكدارِ من: طعنَهُ فكوَّرَهُ، إذا ألقاهُ عَلى الأرضِ.
والمهم من هذا كله: أن تكوير الشمس معناه: أن هذا النجم ذا الطاقة الهائلة، قد شاخ وهرم، وأصابه ما أصابه، كتلك المخلوقات التي تخضع طوعا وكرها، لما أراده خالقها الذي إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون.
{وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ}
هذا الأمر الثاني من الأمور الاثنتي عشرة، ومن الستة التي تحدث قبل قيام القيامة، ومعنى {انْكَدَرَتْ} أي: تناثرت وتساقطت، بعد أن كانت تزين السماء، ويهتدي الناس بها، في ظلمات البر والبحر، كما قال تعالى: {وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ} [الانفطار: 2]، والأصل في الانكدار الانصباب، قال الخليل: يقال انكدر عليهم القوم، إذا جاؤوا أرسالا فانصبوا عليهم.
قال القرطبي: ويحتمل أن يكون انكدارها طمس آثارها، وسميت النجوم نجوماً لظهورها في السماء بضوئها.
وعن ابن عباس أيضا: {انْكَدَرَتْ} تغيرت فلم يبق لها ضوء لزوالها عن أماكنها. والمعنى متقارب.
{وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ}
هذا هو الأمر الثالث: تسيير الجبال، هذه الأجرام العظيمة على الأرض، فلقت منها ونسفت، وسيرت في الهواء، كما قال تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً} [الكهف: 47]، وقيل: تسييرها: تحويلها عن منزلة الحجارة، فتكون كثيبا مهيلا. أي: رملا سائلا، وتكون كالعهن، وتكون هباء منثورا، وتكون سرابا، مثل السراب الذي ليس بشيء. وعادت الأرض قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. وهو ما توضحه آيات القرآن في سور شتى.
{وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ}
هذا هو الأمر الرابع. والعشار: جمع عُشَراء، وهي الناقة التي عليها في الحمل عشرة أشهر، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع، وبعدما تضع أيضا، وهذه النوق من أعز الأموال عند العرب، وخصوصا الحوامل، التي في بطونها أولادها، ومن عادة العرب الاهتمام بها، والاشتغال بأمرها، ولكن في هذا الزمان الذي كورت فيه الشمس، وانكدرت النجوم، وسيرت الجبال، لم يعد أحد يُعنى بعشراء أو بإبل أو بقر أو غنم، والغرض: ذهاب الأموال، وبطلان الأملاك، واشتغال الناس بأنفسهم، لا بأنعامهم ولا إبلهم، كما قال تعالى: في يوم القيامة: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88-89]. وقال عز وجل: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} [الأنعام: 94].
{وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ}
وهذا الخامس. الوحوش: جمع وحش، وهو كل حيوان من دواب البر لا يستأنس، وهو أنواع وألوان بالمئات والألوف من الفصائل، التي تمتلئ بها البراري والوديان وأقطار الدنيا المختلفة.
ومعنى حشرها: أي جمعها من كل ناحية، قال الإمام محمد عبده في تعيين المراد من جمعها: أما جمعها فلاستيلاء الرعب عليها، وخروجها من أجحارها وأوكارها، ، ونسيانها ما كانت تخافه فتنفر منه، فتُحشر هائمة، لا يخشى بعضها بعضا، ولا يخشى جميعها سطوة الإنسان، وقيل: حشر الوحوش: موتها وهلاكها، يقال إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم: حشرتهم السنة، أي: أهلكتهم، وهلاكهم من هول ذلك الحادث العظيم.
وقد قيل في حشر الوحوش: إنه جمعها يوم القيامة للحساب، وهو ضعيف بعيد، لأن الكلام الآن في حوادث التخريب قبل البعث بالفعل، وأول الكلام في البعث قوله تعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ}.
{وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ}
الأمر السادس: تسجير البحار، من المعلوم أن حوالي ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، بحار ومحيطات عظيمة، تزخر بالمياه، وبينها حواجز ذكرها القرآن، تحجز بين البحار المالحة، والأنهار العذبة، كما في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان: 53].
كما رأينا بين النيل والبحر الأبيض المتوسط، وهناك حواجز بين البحار بعضها وبعض، بحيث لا يختلط ماؤها بماء تلك، ولا أسماك هذه وأحياؤها بأسماك تلك وأحيائها، كما شاهدنا ذلك في جنوب أفريقيا، بين المحيط الأطلسي، والمحيط الهندي، ووقفنا هناك بين المحيطين، ورأينا بأعيننا احتفاظ كل منهما بخصائصه وأحيائه وأسماكه وكثافته ولونه... إلخ.
ولكن عندما يتغير النظام الكوني الذي عرفه الناس، وعرفه أباؤهم وأجدادهم طوال القرون، فتكور الشمس، وتنكدر النجوم، وتسير الجبال، وتحشر الوحوش، نجد هذا التغيير يحدث أثره في البحار الكبرى في العالم، فسجرت البحار، ومعنى التسجير، مأخوذ من قولهم: سجرت التنور إذا أوقدته، والشيء إذا أوقدت فيه نشف ما فيه من الرطوبة، فحينئذ لا يبقي البخار شيئا من المياه ألبتة.
ثم إن الجبال قد سيرت، على ما جاء في هذه السورة وفي غيرها، وحينئذ تصير الجبال والأرض شيئا واحدا في غاية الحرارة والإحراق، ويحتمل –كما قال الإمام الرازي- أن تكون الأرض لما نشفت مياه البحار ربت (أي: زادت وانتفخت)، فارتفعت فاستوت برؤوس الجبال.
قال: ويحتمل أن الجبال لما اندكت، وتفرقت أجزاؤها، وصارت كالتراب، وقع ذلك التراب في أسفل الجبال، فصار وجه الأرض مستويا مع البحار، ويصير الكل بحرا مسجورا.
وقالوا: يجوز أن تكون (سجرت) بمعنى: (فجرت)، بمعنى: أن الله رفع الحواجز، والبرازخ، التي كانت بين البحار بعضها وبعض، ففاض بعضها في بعض، وأصبح بحرا كبيرا واحدا.
هذه العلامات الست التي تقع قبل القيامة، وأما الست الباقية الأخرى، مما ذكرته السورة تختص بالوقوع في يوم القيامة.
{وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ}
أول هذه الست التي تختص بالوقوع في يوم القيامة: أن تزوّج النفوس، وكيف تزوج النفوس؟ لمفسري السلف في ذلك أقوال متعددة. منهم: من فسر {النُّفُوسُ} بالأرواح، ومعنى ذلك: أن تقترن بالأجسام. وقال بعضهم: يضم إلى كل صنف من كان في طبقته من الرجال والنساء، فيضم المبرز في الطاعات إلى مثله والمتوسط إلى مثله، وأهل المعصية إلى مثلهم، فالتزويج هنا: أن يقرن الشيء بمثله، والمعنى: أن يضم كل واحد إلى طبقته في الخير والشر، وهو ما عبر عنه بعضهم بقوله: يجمع كل شكل إلى نظيره، وعن ابن عباس قال: الأمثال من الناس جمع بينهم.
وقال الحسن: يصيرون فيها ثلاثة أزواج، كما قال الله: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 7-11].
وقيل: يضم كل رجل إلى من كان يلزمه من ملك أو سلطان، كما قال تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات: 22].
وقيل: قرن كل امرئ بشيعته، اليهودي باليهودي، والنصراني بالنصراني، والمجوسي بالمجوسي. وقيل: قرنت النفوس بأعمالها المناسبة لها.
قال الرازي بعد أن ذكر سبعة من هذه الأقاويل: واعلم أنك إن تأملت في الأقوال التي ذكرناها، أمكنك أن تزيد عليها ما شئت.
ومما رواه ابن أبي حاتم من طرق عن النعمان بن بشير قرأ: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} فقال: تَزَوّجها: أن تؤلف كل شيعة إلى شيعتهم.
وفي رواية: هما الرجلان يعملان العمل فيدخلان به الجنة أو النار.
وفي رواية: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار، فذلك تزويج الأنفس. وفي رواية: هو الرجل يزوج نظيره من أهل الجنة، والرجل يزوج نظيره من أهل النار.
وكلها متقاربة، بعضهم من بعض.
يتبع غداً إن شاء الله...