مدرجاتنا الخاوية.. ما زالت تحلم بالجمهور
رياضة
27 مايو 2017 , 12:30ص
عيد فؤاد
تعد ظاهرة الغياب الجماهيري عن المنافسات الرياضية القطرية لا سيما كرة القدم أهم ما يلفت النظر منذ أعوام خلت، وهي إشكالية تبدو في غاية التعقيد، خاصة إذا ما اعتبرنا أن الجماهير هي أحد العناصر التي لا غنى عنها في المنظومة الرياضية كلها، لما لها من تأثير سلباً وإيجاباً. وهناك جهود خارقة مبذولة من كافة الجهات المعنية بالأمر لجذب المشجعين والمناصرين لفرقهم إلى المدرجات من جديد، سعياً لاستكمال منظومة التطور الذي تشهده الرياضة القطرية في كافة الألعاب وعلى رأسها كرة القدم.
يبدو أن تلك المحاولات والجهود سواءً من جانب المسؤولين داخل اتحاد الكرة، أو مؤسسة دوري نجوم قطر، أو روابط مشجعي الأندية لم تحقق النتيجة المرجوة في معظم الأندية، وحتى على مستوى أندية معروفة بحجم شعبيتها الجارفة، كالريان والعربي ليظل الوضع كما هو عليه، واستمر العزوف الجماهيري عن غالبية مباريات الدوري.
من المؤكد أن ظاهرة (العزوف الجماهيري) واحدة من أبرز السلبيات في ملاعب الكرة القطرية التي تحتاج إلى حلول ليست تقليدية، خاصة أن الدوحة باتت واحدة من أهم عواصم العالم الرياضية، ويجب أن تكون مستعدة من الآن لتحقيق نجاح جماهيري عندما تستضيف الحدث الأكبرعلى مستوى كرة القدم في العالم (مونديال 2022).
بالطبع هناك عدة أسباب وراء تزايد حجم تلك الظاهرة سنتعرف عليها من خلال آراء بعض أصحاب الشأن في هذا المجال، لا سيما في مجال التسويق الرياضي وروابط الجماهير بعدد من الأندية، لكن قبل ذلك لا بد من طرح إحدى التجارب الملهمة في عالم الترويج الجماهيري، ونقصد هنا الدوري الإنجليزي الممتاز.
وقد أكدت دراسة مطولة -قامت بها مجموعة من بيوت الخبرة في أوروبا- أن هناك أسباباً عدة وراء وصول عدد مشجعي مباريات البطولة الإنجليزية إلى أكثر من 13 مليون متفرج في الموسم، وهو رقم كبير بكل المقاييس -لا يمكن مقارنته بالطبع مع دورينا- حيث أثبتت الدراسة أن نسبة حضور عشاق الساحرة المستديرة وصلت إلى 92 % بعد أن كانت 69 % في السابق.
المستوى الفني
أكدت الدراسة أن المستوى الفني المرتفع جاء على رأس عوامل الجذب، خاصة أن ارتفاع المنافسة بين أكثر من نادٍ على لقب البطولة، كان أكثر الأمور تحفيزاً على الحضور، فضلاً عن ارتفاع الفنيات العامة التي أظهرت فنون كرة القدم، بشكل تماشى مع سرعة العصر الحديث، وتميز الدوري الإنجليزي بالسرعة الرهيبة في الأداء العام للمباريات، الأمر الذي تطلب نوعية خاصة من اللاعبين للوجود في هذا المعترك الكروي صاحب الخصوصية البالغة.
أما السبب الرئيسي الثاني في الطفرة التي تحققت، فقد تمثل في التنوع الرهيب في اللاعبين الموجودين ضمن صفوف الأندية التي تتنافس في البطولة، خاصة النجوم أصحاب الأسماء الكبيرة الذين كانوا أحد أهم أسباب الجذب الجماهيري أيضاً.
لم يقتصر هذا التنوع في اللاعبين على الشأن الفني فقط، بل على صعيد الجنسية أيضاً، عدد الجنسيات التي توجد في الأندية، الشيء الذي أسهم في حضور أبناء الجاليات المختلفة الذين يعيشون في إنجلترا خلف مواطنيهم من النجوم الذين يلعبون في البطولة.
غياب الخدمات المتميزة
أما السبب الثالث فيتجسد في الخدمات المتميزة التي يتم تقديمها في الملاعب لتحفيز الجماهير، على رأسها مطاعم وأماكن ترفيه على أعلى مستوى، وتعد الخدمات التي يتم تقديمها أحد أهم الأمور الحاسمة في جذب جماهير العائلات والتجمعات الشبابية، الذين مثلوا نسبة كبيرة من الحضور في المدرجات.
أكدت الأرقام والإحصائيات التي تضمنتها الدراسة أن إجمالي الحضور الجماهيري في الدوري الإنجليزي قبل انطلاقته بصورته الحالية «البريميرليج» لم يتجاوز 9 ملايين مشاهد طوال الموسم «في التسعينيات من القرن الماضي»، وكانت نسبة إشغال المدرجات 69 %، لكن شهدت السنوات العشر الأخيرة تطوراً هائلاً، فقد وصل إجمالي الحضور إلى 13.5 مليون مشجع، ووصلت نسبة الإشغال في المدرجات إلى 92 %.
ربيعة الكواري: الفعاليات الترفيهية «سحبت» الجماهير من الكرة
يرى حسن ربيعة الكواري مدير الفعاليات بمؤسسة دوري نجوم قطر أن التطور الذي حدث في قطر، والفعاليات الترفيهية الكثيرة بها قد تكون من أسباب «مشكلة» عزوف الجماهير عن ملاعب الكرة. وأضاف: «بالطبع هناك عدة عوامل أدت بالفعل إلى عزوف الجماهير عن مباريات الأندية، في مقدمتها التطور الهائل الذي تشهده قطر في كافة المناحي، والذي حولها إلى دولة سياحية واقتصادية ورياضية أسهمت في جذب الجماهير إلى مناطق أخرى مثل المجمعات العملاقة (المولات) وغيرها، أضف إلى ذلك إقامة الفعاليات الرياضية العالمية الكبرى التي جذبت العديد من الجماهير، ويكفي أن هناك أكثر من 80 فعالية دولية نظمتها قطر في الموسم الماضي، كانت من أسباب تقليل عدد المتابعين للمباريات».
ويعتقد الكواري أن تطور تقنيات النقل التلفزيوني قد لعبت دوراً في «المشكلة»، وأوضح: «لا ننسى أيضاً أن مستويات النقل التلفزيوني الحديث جعلت المشجع يفضل البقاء في منزله لمتابعة المباريات بشكل أوضح، ومن خلال العديد من الكاميرات التي تنقل له كل كبيرة وصغيرة في ملعب المباراة، التي لا يستطيع متابعتها بعينه المجردة، هذا بالإضافة إلى أن هناك فرقاً وأندية لا تساعد نفسها في جذب الجماهير من خلال تواضع نتائجها».
المحمود: الثقة مفقودة بين الجماهير والاتحاد
ذهب طارق المحمود -مدير التسويق الجماهيري بنادي قطر- إلى أن قلة اللاعبين القطريين في المباريات مع كثرة المستثنين ساهم في قلة الإقبال الجماهيري على حضور المباريات.
ويمضي: «إضافة إلى أن تصنيف الأندية ما بين أندية سوبر، وأخرى في الوسط، وثالثة تنافس من أجل البقاء ساهم في إحداث شرخ بين الاتحاد والجماهير».
وأكد المحمود أن إعادة اتحاد الكرة بناء الثقة مع الأندية سوف يعيد الجماهير إلى المدرجات مجدداً، خاصة أنها تساهم في إضفاء الإثارة والمتعة على المباريات وتحفيز اللاعبين.
صحن الشمري: المشجع القطري «مزاجي»
أكد صحن الشمري -مدير التسويق بالريان- أن «الرهيب» يعد الفريق الوحيد الذي تحضر جماهيره إلى المدرجات، «كما تحرص جماهير السد والغرافة على الحضور في مباريات فرقها مع الريان، بينما تختفي جماهير باقي الأندية»، مشيراً إلى أن ذلك ربما يرجع لوجود مشاكل داخلية ببعض هذه الأندية، والابتعاد عن البطولات مثل العربي -على حد قوله-.
ويرى الشمري أن ظهور المحترفين بمستوى غير جيد أدى أيضاً إلى عزوف الجماهير عن الحضور للمدرجات.
وأوضح مدير التسويق بنادي الريان أن تخلي «QSL « عن دعم إدارات التسويق بالأندية للمرة الأولى، ووجود ديون على الأندية هو ما دفع بعض روابط الأندية إلى عدم الحضور في الملاعب ومساندة فرقها، «بينما تساند إدارة نادي الريان إدارة التسويق بها، وهو ما يحسب لها في ظل هذا الوضع».
وأرجع صحن الشمري عدم حضور الجماهير للملاعب إلى انعدام الفعاليات الخاصة بالمدارس، التي كانت تقام على هامش المباريات، خاصة الكبرى منها.
وأشار مدير التسويق بالريان إلى أن الحل يتمثل في تقديم دعم قوي لإدارات التسويق بالأندية، وإعداد برامج لجذب الجماهير، «مع توعية المشجع القطري للحضور للمباريات، خاصة أنه مزاجي، ففي المباريات المهمة تحضر الجماهير، بينما في المباريات الأخرى لا يحضر إلا قرابة 100 مشجع».
جاسم القرشي: «قطر 2022» ستعيد الجماهير للملاعب
أوضح جاسم القرشي مدير التسويق بنادي الغرافة، أن نتائج الفرق -خاصة الجماهيرية منها- تلعب دوراً مهماً في الحضور إلى المدرجات، وقال إن تراجع الفرق الكبيرة إلى مؤخرة جدول الترتيب يؤثر على حضور جماهيرها للملاعب.
وقال القرشي: «الدوري المسمى بدوري النجوم دوري عادي جداً، وأندية مثل العربي، قطر، الأهلي وأم صلال هي أندية شعبية وجماهيرية، ولكن هبوط مستواها أدى إلى إحجام الجماهير عن حضور مبارياتها باستثناء القليل منها، حتى إن الجماهير لم تكن راضية عن نتائج فرقها بنسبة 20%، في حين أحدث ظهور ناديي لخويا والجيش ثورة في الدوري، بل أحدث فارقاً كبيراً لدى الجماهير».
وأضاف مدير التسويق بالغرافة: «الجمهور القطري معروف وذواق في الملعب، والدليل على ذلك أن البطولات التي حققتها الأندية في حقبة التسعينيات ترجع إلى الجمهور، كما ساهم الجمهور في صنع انتصارات المنتخب وكأس العرب خير شاهد، وهو ما يؤكد أن الجمهور ملح الدوري في أي مباراة، وهو الداعم الرئيسي للكرة القطرية».
ويأمل القرشي أن تتراجع ظاهرة عزوف الجماهير عن الملاعب في الفترة المقبلة، ويقول: «عندي إحساس أن الجمهور سيأتي للملاعب مع قرب إقامة كأس العالم 2022 بقطر، كما أن عودة الفرق الكبيرة لمستواها وارتفاع مستوى المنتخب سيعجل بعودة المشجعين للمدرجات».
الدوسري: اختفاء المواهب المحلية أحد الأسباب
قال عبد القادر الدوسري رئيس رابطة جماهير العربي إن أسباب خلو المدرجات في مباريات الدوري كثيرة، ويدخل فيها الجانب الاجتماعي، وأوضح: «ظاهرة الإحجام والعزوف الجماهيري في معظم مباريات الدوري لها أسباب عديدة، منها أسباب اجتماعية، فظروف المجتمع تغيّرت الآن في ظل التطور الحضاري، ووجود مناطق جذب أخرى مثل المولات وأماكن التسوق الكبرى والأماكن الترفيهية.
لكن الدوسري يرى أن هناك سبباً أهم يتمثل في اختفاء اللاعبين القطريين عن الملاعب، ولا يغفل رئيس رابطة جماهير العربي تأثير النتائج على الحضور الجماهيري، وأوضح قائلاً: «النتائج أيضاً تلعب دورها في الإحجام الجماهيري، وأنا أتحدث هنا عن العربي الذي يعتبر نادي الشعب، وصاحب أكبر قاعدة جماهيرية في قطر، فقد تابعنا على مدار المواسم الأخيرة العزوف الجماهيري عن متابعة المباريات بسبب تراجع نتائج الفريق والأزمات التي يعيشها باستمرار فالجمهور -في المقام الأول- يريد إنجازاً».
أبو متعب: اتحاد الكرة و«المؤسسة»
يتحملان المسؤولية
لا يعتبر العزوف الجماهيري عن حضور المباريات من المدرجات أمراً جديداً في قطر. هذا ما قاله أبومتعب أحد أشهر مشجعي الريان، الذي أضاف أن الظاهرة تعود إلى حقبة زمنية قديمة، مشيراً إلى أن هذا الأمر قديم منذ الأزل، ويرى أبومتعب أن فريقه يعتبر عاملاً مهماً في الحد من الظاهرة، وقال: «الدليل على ذلك أنه عند هبوط الريان إلى دوري قطر غاز ليغ اختفت الحياة من دوري نجوم قطر، وبعد عودة الرهيب من جديد إلى دوري نجوم قطر دبت الحياة في مدرجات الملاعب، وكذلك في وسائل الإعلام».
ويمضي المشجع الرياني الكبير: «المباريات التي يكون الريان طرفاً تحرص الجماهير على حضورها، بينما على النقيض تماما فإن المباريات الأخرى تبدو فيها المدرجات فارغة، وعزوف الجماهير عن الحضور إلى المدرجات يؤثر على الأداء الفني للفرق».
ونوه أبومتعب بأن هناك بعض الأسباب التي أدت إلى الإحجام الجماهيري عن حضور المباريات منها «الغضب على مجالس بعض إدارات الأندية لسوء نتائج فرقها في الدوري، إضافة إلى أن الجماهير تأخذ على مجالس إدارات تلك الأندية عدم الاستعانة بمن يمثلها عند إصدار مجالس الإدارات قرارات مصيرية تتعلق بالأندية»، وقال أبومتعب إن على إدارات الأندية الاستئناس برأي الجماهير، وأضاف: «الإدارات تعرف ممثلي الجماهير ويفترض أن تجلس مع عدد منهم لمعرفة آراء الجماهير في مختلف القضايا التي تمس النادي. وعلى الرغم من التوافق بين بعض الأندية وجماهيرها، إلا أنه إذا لم يتم التواصل معهم بصفة مستمرة سوف تطول فترة ابتعادهم عن المدرجات».
وعاد أبومتعب ليؤكد أن توقيت إقامة المباريات غير الثابت قد يكون من ضمن الأسباب التي أبعدت الجماهير عن الملاعب، وأوضح: «هناك مباريات تقام في درجة حرارة منخفضة خلال فصل الشتاء ما بين السابعة والثامنة مساء على الرغم أنه كان بالإمكان أن تقام مبكراً طالما الأجواء ممطرة، وليس تأخيرها لمنتصف الليل، في حين تقام مباريات أخرى في أجواء حارة في فصل الصيف رغم أنه من الطبيعي أن يتم تأخيرها حتى (يبرد الجو)».
وأكد المشجع الرياني أن اتحاد الكرة مسؤول وجميع اللجان التي تعمل تحت مظلته عن الإحجام الجماهيري، وأوضح: «الاتحاد أو مؤسسة دوري نجوم قطر يعملون «بالمقلوب» وبدلاً من إراحة الجماهير نجده يرهقها بالمواعيد غير مناسبة لإقامة المباريات صيفاً وشتاء، اختيار توقيت إقامة المباريات يحتاج إلى دراسة ووعي وتخطيط سليم وليس تخطيطا عشوائيا».
خلاصة الأمر
نخلص من هذا الطرح كله إلى أن هناك حلول رئيسية لجذب الجماهير إلى مدرجات ملاعب الكرة القطرية، وتتلخص في: رفع المستوى الفني، وجلب النجوم العالميين أصحاب المستوى العالي، والاهتمام بالجاليات، وتوفير الخدمات في الملاعب، وتعزيز الجانب الاجتماعي، اكتشاف لاعبين مواطنين، والاهتمام بهم ليلتحقوا بالأندية، ويلعبوا لفرق الكرة فيها، والاهتمام بروابط المشجعين، وأخيراً اختيار التوقيتات المناسبة للمباريات.