بعد فوزه بجائزة الكتاب العربي.. د. خالد عبدالرؤوف الجبر لـ «العرب»: تراثنا مشروع معرفي أصيل لا يحتاج إلى وسيط غربي

alarab
المزيد 24 فبراير 2026 , 01:26ص
محمد عابد

 التلقي الذي قدمته يعتمد على التراث بعيدا عن الغرب.. ويغاير منهج ثلاثية عبدالعزيز حمودة

 كثير من الأكاديميات العربية تفتقر إلى تنمية العقل مطلوب دراسة الفكر الغربي بوعي ومعرفة لا انبهار

 نحتاج إلى مؤسسات تؤمن بالعقل والنقد.. وتقبل المشاريع التي تزعزع السائد

 إمكانية تفعيل نظرية عربية في التلقي.. ولسنا بحاجة إلى مناهج غربية

 

يُعد الدكتور خالد بن عبدالرؤوف الجبر واحدًا من أبرز الباحثين العرب في مجالي النقد والبلاغة، ومن الأصوات العلمية التي راهنت مبكرًا على قراءة التراث العربي قراءة معرفية عميقة، بعيدة عن الاستنساخ أو الارتهان للمناهج الوافدة
«العرب» حاورت الدكتور الجبر، بمناسبة فوزه بجائزة الكتاب العربي في فرع الدراسات الأدبية واللغوية (فئة الكتاب المفرد)، حيث اضاء ملامح مشروعه الفكري في كتابه «التلقي في التراث الفكري العربي»، ويطرح رؤية نقدية متماسكة لإمكانات التراث العربي في إنتاج نظرية معرفية أصيلة، قادرة على التفاعل مع أسئلة النقد المعاصر.
 وإلى نص الحوار:

دكتور خالد عبدالرؤوف الجبر تهانينا القلبية لفوزكم بجائزة الكتاب العربي في فرع الدراسات الأدبية واللغوية.. ونود التعرف بكم وبالعمل الفائز بجائزة الكتاب العربي؟
 أنا من فلسطين في الأصل، ومواطن أردني، وأقيم في الدوحة منذ نحو عشر سنوات، وأعمل في معجم الدوحة التاريخي للغة العربية.
فزتُ بالجائزة في فرع الدراسات اللغوية والأدبية فئة الكتاب المفرد عن كتاب بعنوان «التلقي في التراث الفكري العربي».

ما الفكرة المركزية التي انطلق منها هذا الكتاب؟
حاول الكتاب أن يخوض غمار الحفر العميق في التراث الفكري العربي بجميع تجلياته؛ من التفسير والفقه والحديث، إلى الأدب والنقد والبلاغة والفلسفة، بل والعلوم المختلفة، وذلك بهدف استخلاص ملامح نظرية عربية خالصة في التلقي، دون مقارنتها بنظرية التلقي الغربية، كما صاغتها مدرسة كونستانس أو غيرها.

 ما الذي يميز مقاربتكم للتراث في هذا الكتاب؟
الميزة الأساسية أنني تعاملتُ مع التراث الفكري العربي بوصفه كُلًّا واحدًا لا يتجزأ، لا يفصل بين الديني والأدبي، ولا يخضع لتقسيمات سياسية أو زمنية ضيقة.النظر هنا ثقافي وفكري شامل، يمتد من بدايات التاريخ العربي حتى نهاية القرن التاسع عشر تقريبًا، بحيث تشمل المقاربة الفلسفة والفنون والآداب، إلى جانب العلوم الشرعية واللغوية.
 
أمة حية واعية
وماذا تقول هذه المقاربة عن الأمة العربية؟
تقول إن هذه الأمة، ما دامت قادرة على إقرار الاختلاف والتنوع وقبول حتى النقيض داخل بنيتها الثقافية، فإنها تظل أمة حية، واعية، وقادرة على الإنتاج والعطاء.وهكذا كانت أمتنا في لحظة تاريخية مضيئة، وما نحتاجه اليوم هو استعادة هذا الوعي دون تمزيق تراثنا إلى فئويات أو هويات متصارعة.

 ما ملامح نظرية التلقي العربية التي خلصتم إليها؟
هي نظرية تنفتح على الأركان الثلاثة لعملية الإبداع:
 ​المبدع، النص الإبداعي، المتلقي، وذلك على عكس نظرية التلقي الغربية التي قامت- في كثير من أطروحاتها- على فكرة موت المؤلف، ثم إقصاء النص، ومنح القارئ سلطة مطلقة في إنتاج المعنى، بحيث يصبح النص غير مملوك لصاحبه.
 وكيف يختلف التصور العربي عن ذلك؟
نظرية التلقي في التراث العربي أبقت الاعتبار للمبدع، وللنص، وللمتلقي معًا، مع جعل النص محورًا للثقافة والفكر والإنتاج المعرفي؛ فالنص هنا ليس مادة سائبة، بل كيان معرفي حي، تتفاعل معه الذوات دون أن تفقده هويته أو سياقه.
هل يلتقي مشروعكم مع أطروحات الدكتور عبدالعزيز حمودة رحمه الله في ثلاثيته النقدية المزايا المقعرة والمرايا المحدبة والخروج من التيه سلطة النص، والذي أسس لمشروع نقدي يرفض تبعية المناهج الغربية؟ 
مشروع الدكتور عبدالعزيز حمودة- رحمه الله- مشروع مهم، لكنه مختلف في زاوية الاشتغال.
هو انشغل بنقد تلقي المناهج النقدية الغربية في عصرنا الحديث، وبيّن كيف أننا إما نُبَئِّر هذه المناهج فنصغرها، أو نضخمها فنعظم أثرها، كما في تشبيه المرايا المقعّرة والمحدّبة، بما لا يمنح صورة حقيقية للفكر الغربي ولا لمرجعياته الفلسفية.

وأين يختلف مساركم عنه تحديدًا؟
أنا لم أنظر إلى الفكر الغربي إطلاقًا في هذا الكتاب، ولم أقارنه بتراثنا، لأن المقارنة المبكرة تؤدي إلى مأزق معرفي:
إما أن نرى أن ما لدينا هو ذاته ما لدى الغرب، فنقع في سؤال السبق، أو نقرّ بالاختلاف فنصف أنفسنا بالتخلف، أو نقول إن هناك مشتركات وفروقات دون فائدة حقيقية.
الفائدة الحقيقية، في رأيي، هي أن نعود إلى تراثنا أولًا، ننخله نخلًا، ونستخرج نقاطه المضيئة، ثم نعيد بناءها نظريًا، وبعدها فقط ندرس الفكر الغربي بوعي، ونختار عن معرفة، لا عن انبهار.
 
نظرية التلقي العربية
هل يمكن تفعيل نظرية التلقي العربية التي تقترحونها في النقد الأدبي المعاصر؟ وكيف؟
نعم، يمكن تفعيل نظرية التلقي العربية في النقد الأدبي المعاصر، شريطة التعامل معها بوصفها إطارًا نظريًا أصيلًا لا مجرد استجابة لمناهج وافدة. فالنقد في جوهره نشاط فلسفي يرتكز على تصورات معرفية واجتماعية وثقافية، ويتطور بتطور هذه التصورات.
وتتميز نظرية التلقي العربية بأنها لا تلغي أيًّا من أركان العملية الإبداعية؛ فهي تحافظ على حضور المبدع، والنص، والمتلقي معًا، ولا تنطلق من فكرة «موت المؤلف» أو تفكيك النص إلى مادة سائبة، بل تجعل النص محورًا ثقافيًا حيًا يتفاعل مع السياق التاريخي والنفسي والاجتماعي.
ويمكن للناقد المعاصر، بعد قراءة الأسس النظرية لهذا التصور، أن يبتكر أدواته المنهجية الخاصة، وقد طبقت ذلك بالفعل في قراءات نصية اقترحت لها مفهوم «بلاغة البنية»، وهو اتجاه تطبيقي أعمل على توسيع إطاره النظري، تمهيدًا لنشره في كتاب مستقل.

ما أبرز التحديات التي تواجه الباحث العربي في الاشتغال على التراث بعيدًا عن المقارنة بالغرب؟
المقارنة بالغرب إشكالية معرفية كبرى، ولا يجوز الإقدام عليها قبل تكوين صورة واضحة ومتكاملة عن موضوع البحث في التراث العربي نفسه. فلا يمكن المقارنة بين تصور واضح المعالم وآخر غائم أو غير مكتمل.أما التحدي الأخطر، فيكمن في إخضاع التراث للأحكام المسبقة، سواء كانت عقدية أو فكرية أو مذهبية. فالتراث يجب أن يُقرأ بوصفه كُلًّا متكاملًا، لا كمادة انتقائية نأخذ منها ما يوافق أفكارنا ونقصي ما يخالفها.حين يدخل الباحث إلى التراث بأفكار جاهزة، يتحول بحثه إلى محاولة لإثبات ما يعتقده سلفًا، فيستدعي النصوص المؤيدة ويهمل النصوص المخالفة، وهو ما يؤدي إلى تشويه التراث وتحويله إلى شرائح مجتزأة. والتراث العربي، في حقيقته، زاخر بمناطق تنويرية مشرقة عبر العصور وفي مختلف العلوم، ولا يمكن فهم ذواتنا الثقافية دون فهمه فهمًا شاملًا ومنفتحًا.
 
هل تشجع المؤسسات الأكاديمية العربية هذا النوع من المشاريع النقدية الأصيلة؟
 للأسف، لا تشجع معظم المؤسسات الأكاديمية العربية هذا النوع من المشاريع بالقدر الكافي. فقد تحولت كثير من الجامعات إلى ما يشبه «ثانويات عليا»، تفتقر إلى تنمية العقل النقدي والانفتاح المعرفي الحقيقي.
كثير من رسائل الماجستير والدكتوراه أصبحت متشابهة، تقليدية، ومكررة، وغالبًا ما تُنجز وفق رغبات المشرف لا وفق سؤال علمي أصيل. أما المناقشات الأكاديمية، ففي حالات كثيرة، تكون شكلية أكثر منها نقدية جادة.
نحن بحاجة إلى مؤسسات تؤمن بالعقل والنقد، وتقبل المشاريع التي تزعزع السائد وتفتح أسئلة جديدة. فالمجتمع الذي يخشى النقد لا يمكن أن ينتج معرفة. وقد شهدنا في تاريخنا الحديث مشاريع نقدية كبرى، مثل مشروع طه حسين في الشعر الجاهلي، لكننا نعرف جميعًا كيف قوبلت هذه المشاريع بالرفض والتضييق.
ومع ذلك، لا تخلو الساحة من نماذج مضيئة، مثل بعض المراكز البحثية العربية التي تحافظ على مستوى رفيع من الجدية والانفتاح النقدي.
 
 نحو فهم عصري للقرآن 
هل تعملون حاليًا على مشاريع بحثية تُكمل هذا الكتاب أو تتوسع في محاوره؟
 نعم، هناك أكثر من مشروع، لكن متطلبات الحياة والعمل تفرض إيقاعها على البحث العلمي. من أبرز المشاريع التي عملتُ عليها سابقًا مشروع «نحو فهم عصري للقرآن الكريم»، حاولتُ فيه تقديم قراءات متعددة لنص قرآني واحد وفق مناهج نقدية مختلفة، انطلاقًا من التراث التفسيري العربي نفسه.
هذا المشروع واجه اعتراضات فكرية ومنهجية حالت دون اكتماله، رغم أن تراثنا الإسلامي عرف منذ وقت مبكر التعامل مع القرآن بوصفه نصًا مقدسًا ونصًا لغويًا قابلًا للفهم العقلي والتأويل في آن واحد.
كما أعمل على مشروع آخر يتصل بـ «بلاغة البنية في القصيدة العربية»، وهو تطبيق عملي للرؤية النظرية التي انتهيتُ إليها في كتاب التلقي في التراث الفكري العربي.
المشاريع كثيرة، لكن البحث الجاد يحتاج إلى وقت، وتفرغ، وبيئة حاضنة، لأن الكتابة البحثية ليست ترفًا، بل هي شكل من أشكال الحياة بالنسبة للباحث الجاد.