

لا تكتفي عدسة المصور تحت الماء بالتقاط صورة جميلة، بل تتحول إلى أداة لاكتشاف الحياة البحرية وتوثيقها وحمايتها. وفي مياه قطر، حيث تمتد بيئة بحرية غنية ومتنوعة، يلتقي شغف المصور بالمعرفة العلمية، لتكشف الصور عالماً لا يزال الكثير منه بعيداً عن أعين البشر هذا جنبا إلى جنب مع الجهود الرسمية لوزارة البيئة والتغير المناخي.
«العرب» في الحلقة الثانية من ملف «التصوير في قطر بين الفن والتوثيق والهوية» ترصد إبداعات وتجارب المصورين تحت الماء الذي يكشفون بعدساتهم كنوز البحر وما تحمله المياه القطرية من كنوز وأسرار.

في البداية يوكد الدكتور محسن عبدالله اليافعي، المتخصص في البيئة البحرية وأستاذ علم البحار بجامعة قطر وأحد المصورين تحت الماء، أن التصوير تحت الماء تطور بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، وانتقل من وسيلة صعبة لتوثيق الحياة البحرية إلى أداة مهمة للبحث العلمي والتعريف بالبيئة البحرية وجمالياتها.
وأوضح أن بدايات التصوير تحت الماء ارتبطت بتطور التكنولوجيا واستخدامها في مجالات متعددة، مشيرا إلى أن المصورين واجهوا في السابق تحديات كبيرة، أبرزها فقدان الألوان تحت الماء، وصعوبة التحكم في جودة الصورة، إضافة إلى المشكلات المرتبطة بالأفلام والتحميض.
وقال إن دخول الكاميرات الرقمية أحدث نقلة كبيرة في هذا المجال، إذ أصبح التصوير أكثر سهولة، كما أسهم التطور التقني في تجاوز مشكلات التركيز وتحديد المسافات، التي كانت تؤدي في السابق إلى فقدان كثير من الصور.
وأكد الدكتور اليافعي على أهمية الصور البحرية في المجال العلمي، موضحا أن الصورة تمثل وسيلة إيضاح مهمة للباحث والأكاديمي، وتساعد في توثيق الكائنات والبيئات البحرية ودراسة خصائصها، مشددا على أن الكاميرات أصبحت أداة مهمة في الدراسات البيئية، إذ يمكن استخدامها لتوثيق سلوك الكائنات وحركتها وهجرتها، كما يمكن الاستفادة من الصور في التعرف على الأنواع وتصنيفها ودراسة العلاقات بينها.
وأوضح أن التصوير العلمي يختلف عن التصوير التجاري أو التوثيق العابر، إذ يحرص المصور المتخصص في البيئة على التعرف على الكائن الذي يصوره ودراسته من الناحية العلمية، ومعرفة ما إذا كان موجودا في قطر من قبل، وما إذا كان من الأنواع النادرة عالميا.
أرشيف بصري للحياة البحرية
وحول وجود أرشيف بصري للحياة البحرية في قطر، قال اليافعي إن هناك عددا من المصورين تحت الماء في قطر، إلا أن جانبا كبيرا من الصور المنشورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي يرتبط بالصيد أو الاستخدام الشخصي، ولا يمثل بالضرورة توثيقا علميا منظما لأنواع الكائنات البحرية.وأشار إلى عدد من المصورين الذين يوثقون الحياة البحرية، من بينهم محمد الجيدة، وعزام المناعي، ورضا محمد، وإبراهيم الجابر، وغيرهم لافتا إلى أن بعض هؤلاء المصورين أسهموا في توثيق أنواع مختلفة من الكائنات والبيئات البحرية.وأكد أن البيئة البحرية القطرية لا تزال تخفي الكثير من الأسرار، مشيرا إلى أن أكثر من نصف مكوناتها البحرية، بحسب تقديره، لم يكتشف بعد، نظرا لاتساع البيئة البحرية وصعوبة الوصول إلى مختلف مناطقها.وأضاف أن التصوير، وخاصة التصوير المجهري للكائنات الدقيقة، يفتح مجالا واسعا لاكتشاف أنواع جديدة، موضحا أنه تمكن خلال رحلاته من توثيق كائنات صغيرة وقشريات وأنواع من الكائنات الدقيقة لم تكن موثقة من قبل.
توثيق أنواع جديدة
وأشار الدكتور محسن اليافعي إلى أن مركز الدراسات البيئية في جامعة قطر، الذي تولى إدارته لمدة 12 عاما، كان مرجعا للجهات والمؤسسات التي تحتاج إلى دراسة العينات البحرية.
وكشف عن توثيق نوع من الروبيان على المستوى العالمي باعتباره نوعا جديدا، مؤكدا أن مثل هذه الاكتشافات تؤكد أهمية استمرار أعمال التوثيق والبحث في البيئة البحرية القطرية.
وأوضح أن بعض العينات التي جرى تصويرها لم تستكمل إجراءات توثيقها العلمي وإرسالها إلى الجهات والمراجع العالمية، وهو ما يبرز أهمية تطوير عمليات حفظ العينات وتوثيقها إلى جانب تصويرها.
وأكد أن اتساع مساحة البيئة البحرية القطرية يجعل اكتشاف الأنواع الجديدة عملية مستمرة، مشيرا إلى أن مساحة البحر في قطر تعادل نحو ثلاثة أضعاف مساحة اليابسة، وأن هناك مناطق لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث والاستكشاف.
وقال اليافعي إن زيادة عدد المصورين المحترفين والمهتمين بالتصوير تحت الماء يمكن أن تسهم في اكتشاف مزيد من الكائنات البحرية، إلى جانب إبراز جمال البيئة القطرية والتعريف بها لأن مياه قطر لا تزال تخفي الكثير من الكنوز البحرية، موضحا أنه تم في منطقة واحدة فقط توثيق أكثر من عشرة كائنات لم تكن مسجلة من قبل في قطر، مؤكدا أن هناك حاجة إلى مواصلة البحث والتصوير للحفاظ على هذه الثروة الطبيعية.
وأكد أن توثيق الحياة البحرية يمكن أن يكون بديلا إيجابيا عن الممارسات التي تضر بالبيئة، داعيا إلى الاستفادة من تجارب القنوات العلمية المتخصصة في تقديم الحياة البرية والبحرية بصورة تجمع بين المعرفة والجمال.

أول كاميرا تحت الماء
من جانبه قال المصور والفنان محمد الجيدة، المتخصص في التصوير تحت الماء، إنه بدأ تجربته في هذا المجال عام 1986، وكانت أول كاميرا استخدمها للتصوير تحت الماء من طراز NIKONOS 5، موضحا أن جميع عمليات التصوير في تلك الفترة كانت تتم بصورة يدوية، في ظل عدم وجود الكاميرات الرقمية.
وأضاف الجيدة أنه أسس قسم الأحياء المائية بالنادي العلمي القطري عام 1989، وتم خلال تلك الفترة شراء كاميرا فيديو من شركة «سوني». وفي عام 1990، شارك بالتعاون مع قسم البيئة بوزارة البلدية آنذاك في مسابقة إقليمية للتصوير تحت الماء، من خلال إنتاج فيلم وثائقي عن الأحياء المائية حول جزيرة حالول، بلغت مدته نحو نصف ساعة، ليشكل نجاح الفيلم وتحقيقه المركز الأول على مستوى الخليج نقطة انطلاق لمواصلة العمل في مجال التصوير تحت الماء.
وقال إن فريق النادي العلمي، الذي كان يترأسه، تولى بعد ذلك عمليات التصوير تحت الماء، سواء بالفيديو أو التصوير الفوتوغرافي، لصالح مركز الدراسات البيئية بجامعة قطر، إلى جانب توثيق أنشطة النادي ومشاريعه المختلفة، ومنها مشاريع الشعاب المرجانية الصناعية وحصر الأحياء المائية حولها من خلال التصوير.
وأشار الجيدة إلى أنه كان عضوا في جمعية التصوير الضوئي القطرية، التي قدمت تجارب مميزة في مجال التصوير البحري والبري.
وأوضح أن التصوير تحت الماء يحتاج إلى خبرة في التحكم بأدوات الكاميرا وإعداداتها، بما يشمل تحديد فتحة العدسة، والإضاءة المحيطة، وسرعة التصوير، واختيار الزاوية المناسبة، مشيرا إلى أن قلة الإضاءة بسبب كثافة مياه البحر تجعل استخدام الكشافات ضروريا للحصول على الألوان الطبيعية.
وأكد أن التصوير تحت الماء يحتاج كذلك إلى الصبر والهدوء والتحرك ببطء، حتى لا يتم إخافة الأحياء البحرية، مع ضرورة عدم لمس الشعاب المرجانية باعتبارها كائنات هشة.
وقال إن الغواص الهادئ والمتوازن يستطيع الاقتراب من الأحياء البحرية دون إخافتها، وبالتالي الحصول على لقطات أفضل، موضحا أن الاقتراب من الكائن يساعد أيضا على تقليل الشوائب الموجودة بين الكاميرا والكائن المراد تصويره.
أخلاقيات التصوير تحت الماء
وشدد الجيدة على أهمية الالتزام بأخلاقيات التصوير تحت الماء، وفي مقدمتها الحفاظ على التوازن أثناء الغوص لمنع تكسير الشعاب المرجانية، والتحرك ببطء وسلاسة لتجنب إخافة الأحياء البحرية أو لمسها، إلى جانب الالتزام بالقوانين والاشتراطات البيئية، خاصة داخل المحميات وحول الشعاب المرجانية.
وأشار إلى أن ما تم اكتشافه من الحياة البحرية حتى الآن لا يتجاوز، بحسب تقديره، 2%، مؤكدا أن كل غوصة يمكن أن تحمل للمصور فرصة لاكتشاف شيء جديد لم يوثق من قبل.
نصائح للراغبين
ووجه الجيدة عددا من النصائح للغواصين الراغبين في دخول مجال التصوير تحت الماء، داعيا أولا إلى الحصول على تدريب متخصص في التصوير تحت الماء، حتى لمن يمتلك خبرة في التصوير خارج الماء، نظرا لاختلاف الظروف والفنيات بين المجالين.
ونصح بعدم شراء الكاميرا قبل الحصول على الدورة التدريبية وتحديد مجال الاهتمام، سواء كان التصوير الفوتوغرافي أو تصوير الفيديو، مشيرا إلى أهمية اختيار المعدات الأفضل المتاحة في السوق للحصول على نتائج عالية الجودة.
وشدد في ختام حديثه على ضرورة الالتزام بالقوانين والاشتراطات البيئية، وعدم ممارسة أي سلوك من شأنه الإضرار بالحياة البحرية، مؤكدا أن الحفاظ على البيئة جزء أساسي من مسؤولية المصور تحت الماء.

بدوره أكد المصور فيصل جركس المتخصص في التصوير تحت الماء، أن الكاميرا المستخدمة تحت الماء هي ذاتها المستخدمة على اليابسة، لكنها توضع داخل غلاف واقٍ «هاوسينك» مخصص لنوع الكاميرا، يتيح التحكم في وظائفها ويحميها من تسرب المياه، مشيرا إلى وجود أنواع احترافية من أغلفة الحماية.
وبيّن أن اختيار العدسة يعتمد على طبيعة التصوير؛ فالعدسات الواسعة مناسبة للكائنات الكبيرة والشعاب المرجانية، بينما تستخدم عدسات الماكرو لتصوير الكائنات الدقيقة.
وأشار جركس إلى أن الألوان تبدأ في الاختفاء تدريجياً بعد عمق نحو خمسة أمتار نتيجة امتصاص الماء للضوء، وتختفي الألوان ذات الأطوال الموجية الأطول، مثل الأحمر والبرتقالي والأصفر، لتصبح الصور أكثر ميلاً إلى الأزرق أو الأخضر مع زيادة العمق. ولذلك يستخدم المصورون الفلاشات للصور والإضاءة المستمرة للفيديو.
ولفت إلى أن التصوير في المياه الضحلة قد يستفيد من ضوء الشمس، لكنه يواجه تحديات مثل الشوائب وحركة الأمواج، فيما تفرض الأعماق تحديات أخرى مرتبطة بوقت الغوص واستهلاك الهواء والضغط وتراكم النيتروجين في الجسم.وأكد أن إتقان الطفو من أهم مهارات مصور الحياة البحرية، ليس فقط للحفاظ على سلامته، وإنما لحماية الكائنات البحرية، ولا سيما الشعاب المرجانية، من التلف، إلى جانب التعامل مع التيارات والغبار وضعف الرؤية.
وقال جركس إن التصوير تحت الماء تحول بالنسبة إليه من هواية إلى وسيلة للتعبير عن حبه للبحر والحياة البحرية، وتسليط الضوء على التنوع الذي تزخر به مياه قطر، من الشعاب والأسماك والسلاحف إلى أسماك القرش الحوت، التي تشهد قطر أحد أكبر تجمعاتها في العالم، وبقرة البحر التي تزور المياه الشمالية الغربية من قطر شتاءً للتكاثر ورعاية صغارها.
وأضاف: «أجمل لقطة ليست بالضرورة الأغرب أو الأصعب، وإنما اللقطة التي تحكي قصة عن الحياة تحت الماء وتجعل من يشاهدها يشعر وكأنه كان معي في تلك الغوصة.