«القرنقعوه».. تقليد رمضاني يثير بهجة أطفال قطر
باب الريان
23 يوليو 2013 , 12:00ص
الدوحة - العرب
يحتفل سكان قطر ومنطقة الخليج العربي منذ القدم بليلة القرنقعوه، وهي ليلة النصف من رمضان، وتبدأ بعد انقضاء فترة الفطور مباشرة حيث يتجمع الأطفال ويخرجون في جماعات يجوبون الأحياء، ويطرقون أبواب الجيران، مرددين أغنية خاصة بهذه المناسبة، وحاملين في أيديهم أكياساً فارغة من القماش ويعودون إلى منازلهم محملين بكافة أنواع المكسرات والحلوى. والقرنقعوه هي عادة متعارف عليها في جميع دول الخليج، وإن اختلفت التسمية من منطقة إلى أخرى، ففي قطر والبحرين تُعرف بليلة «القرنقعوه»، وفي دولة الإمارات يطلق عليها «حق الليلة» أو «حق الله»، وفي سلطنة عمان يطلق عليها القرنقشوه أو «الطَّلْبة»، وهي ليلة «الكركعان» في السعودية والكويت.
ويرتدي الأطفال في هذه الليلة الملابس التقليدية الزاهية، فالفتيات يرتدين «الثوب الزري» وهو عبارة عن ثوب زاهي اللون مطرز بخيوط ذهبية، ترتديه الفتيات فوق الملابس، ويضعن «البخنق» وهو أيضاً قطعة من القماش تغطي رؤوسهن وتزينها خيوط ذهبية على الأطراف، وعادة يكون لونه أسود، بالإضافة إلى التقلد بالحلي التقليدية، أما الأولاد فيرتدون عادة الأثواب الجديدة ويضعون على رؤوسهم «القحفية» وهي عبارة عن طاقية مطرزة يلبسها الأولاد في الخليج، وقد يرتدون كذلك «السديري» المطرز.
وللنشيد الذي يردده الأطفال معان جميلة، ففيه يدعون لأهل البيت بأن يزيدهم الله في هذا الشهر المبارك من رزقه ويطيل عمر أبنائه، فيقولون: قرنقعوه.. كركاعوه عطونا الله يعطيكم.. بيت مكة يوديكم.. يا مكة يا المعمورة.. يا أم السلاسل والذهب يا نورة.. عطونا من مال الله.. يسلم لكم عبدا لله.. عطونا دحبة ميزان.. يسلم لكم عزيزان.. يا بنية يا الحبابة.. أبوج مشرع بابه.. باب الكرم ما صكه.. ولا حط له بوابة.
وفي ليلة «القرنقعوه» يجتمع الأهالي في المنازل، يترقبون حضور أفواج الأطفال ليملؤوا أكياسهم بأصناف المكسرات والحلوى، فقد اعتاد الأهالي في هذه الليلة أن يتزاوروا ويتبادلوا التهاني والأكلات الشعبية، إذ إن لهذه الليلة مكانة خاصة لدى الأطفال والكبار على حد سواء، وهي تمتد من بعد صلاة المغرب حتى ساعات متأخرة من الليل تعيشها البلد كلها في بهجة خاصة.
ولاحتفال القرنقعوه العديد من الدلالات الاجتماعية والترفيهية والروح الجماعية والأسرية العامة، التي تميز نمط العلاقات الاجتماعية التي كانت سائدة في المجتمع القطري ويظهر احتفال «القرنقعوه» تلك الدلالات من خلال اهتمام الأهالي باحتفال الأطفال ومشاركتهم المشاعر الطفولية بالفرحة بتلك المناسبة وإشاعة روح المودة والألفة بين الناس.
ويقول محمد المسلماني الباحث القطري في التراث الشعبي عن أصل معنى «القرنقعوه»: إن لها جذورا تمتد إلى العصر العباسي، وهي تحريف لعادة كانت تُمارس في ذلك العصر وهي الطلب في منتصف الشهر. وقيل بشأن «القرنقعوه» إنه صوت المكسرات والحلويات عندما تختلط بعضها ببعض، فصوت المكسرات مختلطة بالحلويات يشبه «القرقعة»، وقد يكون ذلك هو سبب التسمية.
ولا يقتصر الاحتفال على الأطفال في الأحياء، بل تساهم في إحياء هذه المناسبة بعض أندية الدوحة عبر إقامة احتفالات خاصة، حيث تُوزع أكياس «القرنقعوه» وهي مليئة بالحلوى والمكسرات على الأطفال، بالإضافة إلى ممارسة الألعاب الشعبية والمسابقات، وتقديم الأكلات الشعبية، بهدف الحفاظ على هذا التراث الشعبي، كما تحتفل بعض المدارس بهذه المناسبة.
ويأتي الاحتفاء بهذه الليلة في إطار حرص أهل قطر على إحياء تراثهم الشعبي والمحافظة عليه، سواء كان ذلك بممارسته أم بالإشارة إليه في وسائلهم الإعلامية، «فالقرنقعوه» هي واحدة من العديد من العادات الشعبية التي يحييها أهل الخليج ويحتفلون بها سنوياً، وهناك مثلاً «الحِيَّه بِيَّه» التي يحتفل بها الأطفال كذلك عند اقتراب حلول عيد الأضحى، حيث يقومون بزرع نبتة صغيرة في وعاء، ويرعونها ويسقونها حتى تكبر، ثم يلقون بها في البحر مرددين بعض الأهازيج والأدعية.
وهكذا يحافظ القطريون وشعوب المنطقة على تراثهم في تواصل بين الماضي والحاضر، وهم بذلك لا يريدون لثقافتهم أن تندثر ولا يريدون أن تنسيهم تكنولوجيا العصر تراث الأجداد.