القرائن الآلية المستحدثة

alarab
باب الريان 22 يوليو 2012 , 12:00ص
الشيخ د. ثقيل بن ساير الشمري
آلة التصوير إن الشهادة تعتمد على العين التي تشاهد الواقعة، ثم ينقلها الشاهد إلى القاضي، وإن آلة التصوير -خاصة في العصور الأخيرة- أكثر دقة في التقاط الصور التي تبين الواقعة أو الشخص أو التصرف أو العملية التي تطرح أمام القاضي، فتعتبر قرينة في الإثبات، ولولا التدخل البشري في التصوير واحتمال التزوير والتلاعب لكانت الصورة قرينة قوية في إثبات ما ورد فيها، ولكنها تخضع للفحص والتدقيق من القاضي والمختصين للتأكد منها. ومن ذلك آلات التصوير الدقيقة المنتشرة الآن في المؤسسات والدوائر والجمعيات والأسواق والطرقات، وتعتبر وسيلة مهمة في مخالفات المرور. آلة التسجيل يعتمد الإنسان على الأذن لسماع ما يجري حوله، وإن آلة التسجيل أكثر دقة في التقاط الذبذبات والأصوات من الأذن البشرية، ولكن يد الإنسان تعبث بها وتتدخل في إفسادها، فإذا سجلت آلة التسجيل أصوات الأشخاص أو الأشياء وعرضت المادة المسجلة على القاضي أو الخبير، بحث واجتهد للتدقيق في نقائها وبعدها عن العبث، لتكون قرينة مؤثرة في قناعته في بيان الحق، وتحديد المطلوب من الصوت، وحديثا أمكن تمييز الأصوات ومعرفة صاحب الصوت باستخدام جهاز "أوروس" ولذا تعمد المصارف إلى ربط جهاز التسجيل على خطوط الاتصال للاستعانة بها عند الحاجة. كاميرا الفيديو وهي جهاز لاقط للصوت والصورة معا، مع رصد كافة التحركات في الواقع، وقد تطورت تطورا مذهلا، بحيث تكشف الحقائق بدقة متناهية، ولكنها تعمل تحت إشراف الإنسان الذي يستطيع التلاعب والتزوير فيها، في إعادة تركيب الصورة أو الحذف أو الإضافة (الدبلجة)، وهي تجمع بين آلة التصوير وآلة التسجيل معاً، فإن كانت مجردة من العبث فإنها تثبت الوقائع بصورة دقيقة، ولكن مع الاحتمالات السابقة، فإنها تبقى مجرد قرينة، وعلى القاضي والخبير أن يتأكدا من سلامتها في تصوير الواقع وتسجيله. والآلات السابقة تعتبر قرينة مقبولة، ولكن لا يعتمد عليها إلا إذا توفرت عناصر الحماية من التزوير والتقليد والتلاعب فيها. وهي وإن كانت ضعيفة أحياناً أو في نظر بعض العلماء، فإنها تفيد كثيرا في عرضها على أصحابها مما يدفعهم إلى الإقرار والاعتراف، أو يوقعهم في الحرج والارتباك والقلق والخوف، فيتعثرون في كلامهم ويضطربون، مما يثير قرائن أخرى عليهم في التهم الموجهة إليهم. الوسائل الإلكترونية تطورت تقنية المعلومات اليوم تطوراً مذهلاً، وجرى تطبيقها واستخدامها علميا، وتستخدم لإبرام العقود، والوفاء بالالتزامات، وآليات الدفع النقدي، والخدمات المصرفية والبطاقات الإلكترونية وتبادل البيانات التي تتصل بالذمة المالية، وإجراء مختلف التصرفات القانونية والشرعية، وتطورت إلى التجارة الإلكترونية الدولية، ونقل التكنولوجيا والتوريد والصيانة ورخص الاستخدام. ويثار البحث حول الاعتماد عليها في الإثبات إذا حصل نزاع بين الطرفين أو إنكار لحق أو تصرف أو التوقيع الرقمي أو التوقيع الإلكتروني أو التشفير. وتتوقف النتيجة بالقبول أو الرفض على صحة التأكد من العمليات الفنية والأجهزة المستخدمة ومفرزات تقنية المعلومات، ورأي الخبراء الفنيين المختصين في هذا المجال، ليعتمد القاضي على رأيهم، ويكوِّن قناعة كافية لحل الخلاف وإصدار الحكم. وحصل اتجاه دولي عريض نحو الاعتراف بحجية المراسلات الإلكترونية والاعتراف بحجية الملفات المخزنة في النظم وقبول الإقرار بصحة التوقيع الإلكتروني، ليكون معتمداً في الإثبات القضائي أمام المحاكم. أما فيما يتعلق برسائل –سندات- الفاكس فلها حجية الورقة العرفية من ناحية الإثبات، إذا كان الأصل المودع في مكان التصدير موقعاً عليه من مرسلها، وتعتبر الورقة المرسلة مطابقة للأصل حتى يثبت العكس، فهي -في قوة الإثبات- مثل الصورة المقدمة من الخصم للقاضي مباشرة وبإمكان القاضي الاطلاع على الأصل للمطابقة ثم الحكم بموجبها. وأما رسائل الهاتف الجوال فهي حجة على مرسلها إذا أقر بإرسالها، أما إذا أنكر فإنها تعد من القرائن المتوسطة التي تورث شبهة قوية تحتاج إلى ما يعززها من أجل العمل بها، فاحتمال كون المدعى عليه هو المرسل أمر وارد، واحتمال أنها قد أرسلت من جواله دون علمه أمر وارد أيضا، أما لو احتف بتلك الرسالة قرائن أخرى تدل على أن المدعى عليه هو من أرسلها، كما لو بدا عليه الاضطراب في أثناء التحقيق أو أنه لم يثبت فقده للجوال وقت الإرسال، أو بدا من ظاهر حاله أنه كاذب في إنكاره، إضافة إلى وجود خلاف ونزاع مع المدعي نحو ذلك، فللقاضي أن يحكم بمجموع هذه القرائن ومنها الرسالة، ويرتب عليه آثارها. المطلب الثاني: القرائن العلمية والمراد بها القرائن التي تخضع للبحث الطبي والتحليل المختبري. الفرع الأول: الطب الشرعي وتحليل الدم والبصمات: 1 - الطب الشرعي وهو فرع من العلوم الطبية ويختص بإبداء الرأي في النواحي الطبية التي تهم القاضي والمحقق في الدعاوى، مما يمكن إثباته بالفحوصات الطبية أو تشريح الجثة، وذلك أن الطب تقدم تقدما مذهلا، سواء في التشخيص أو في الجراحة، وفي معرفة تركيب الإنسان والأعراض التي تنتابه والأسباب التي تؤثر عليه والنتائج التي تترتب عليها والعوامل إلى تساعدها، وتطورت الآلات الدقيقة والحساسة في العمليات الجراحية، والأجهزة الطبية لقياس الحواس والغدد وسائر أعضاء الجسم، بحيث يستطيع الطبيب تحديد الأسباب والمسببات ليقدمها للقاضي الذي يرتب عليها الأحكام الشرعية أو القانونية، ولذلك سمي الطبيب المختص بذلك بالطبيب الشرعي، أي الذي يقدم معطيات ودراسات تترتب عليها أحكام شرعية ويدرس في كلية الطب مساق الطب الشرعي أو الطب العدلي. فمثلاً تحديد سبب الوفاة هل هي طبيعية (من دون مؤثر خارجي) أو غير طبيعية، وبيان السبب كالسم أو الضرب، أو الخنق أو الصدم، وهل كان انتحارا أو نتيجة اعتداء وحتى معرفة نوع السلاح الذي استخدم في القتل، ومصدره، والمسافة بين المعتدي والمجني عليه، وكثيراً ما يلجأ الطبيب لتشريح الجثة لمعرفة الحقيقة. ومثله تحديد وقت الوفاة قبل ساعة أو أكثر، ويوم أو أكثر ومثله تحديد مقدار الضرر الذي أصاب الجسم للتعويض، ومقدار نقص الحواس، أو فقدانها للحكم بالأرش أو الحكومة، وهل الإصابة ستسري لسائر أعضاء الجسم وهو ما يعرف فقهاً بالسراية، وهل تحتمل الإصابة المضاعفة أم لا، وهو ما يُعرف بالتقرير الطبي القطعي أو الرجعي، الذي يوجب مراجعة الطبيب لمعرفة السراية أو المضاعفة، وللتأكد من جسامة الضرر أو العطب وكذلك يعتمد على الطب الشرعي في معرفة أخطاء مهنة الطب والصيدلة وفي فحص المتهمين والمسجونين بما يتعارض مع محاكمتهم أو سجنهم وحالات الجنون والعته عند الجريمة، ومعرفة أصحاب الجثث المجهولة وفحص المتهم والمجني عليه في جرائم الزنا واللواط، إثبات العيوب الزوجية، ويقدم الطبيب تقريرا مفصلاً ليبين الأسباب وإبداء الرأي الذي تتم مناقشته أمام المحكمة لإصدار الحكم بناء على الحقائق العلمية المقدمة. 2 - تحليل الدم الدم سائل لزج أحمر اللون، يملأ القلب والأوعية المتعلقة به، ويقوم هذا السائل بإمداد جميع خلايا الجسم وأنسجته بالأكسجين والغذاء وهو من عجائب قدرة الله تعالى في خلق الإنسان والحيوان، ولم يستطع العلم الحديث -حتى الآن- على إنتاجه، ويحتوي على البلازما والكريات الحمراء والكريات البيضاء والصفيحات الدموية، وينقسم دم الإنسان إلى أربع فصائل رئيسة يشترك فيها جميع البشر، ويرمز لها بالأحرف: (A.B.AB.O)، وتم اكتشافها عام 1900م، وتم اكتشاف فصائل أخرى، أصلية وفرعية، ولا يزال العلم يقدم الاكتشافات. وتقوم المختبرات بتحليل الدم، وتكشف الفصيلة والتركيب والأعراض تنتابه والجراثيم المرضية التي ترافقه، وغير ذلك. وفي المجال القضائي يستعين القاضي وغيره بتحليل الدم في حوادث القتل والإجرام عامة، وفي حالة كارثة أو زلزال وحوادث المرور، وحوادث السرقة عند وجود أثر لدم السارق، أو تحديد سبب الوفاة باعتداءٍ أو غيره، وهو ما يُعرف فقهاً باللوث وكذلك تحليل الدم في إثبات شرب الخمر وسائر المسكرات والمخدرات. ويُعتمد اليوم على تحليل الدم في إثبات النسب عند الاختلاف في مولودين، أو عند ضياع مولود، أو موته، وادعاء الولد من شخصين وهو ما يقع بالمستشفيات، وفي حالة خطف الأولاد وعند النكبات، وذلك عن طريق معرفة فصيلة دم كلٍ من الأب والأم وفصيلة دم الوليد. كما يمكن معرفة الأب إذا وجدت فصيلة دم الأم وفصيلة دم الولد وكذا في نسب اللقيط، وعند ادعاء اثنين لولد. وإن فحص فصيلة الدم لا تفيد في الحصول على إثبات مؤكد للنسب، بل هو مجرد قرينة يعوزها البرهان، وتقبل إثبات العكس، ولكنها تفيد في التحقق من انتفاء النسب، أي في حالة النفي يقيناً، وفي حالة الإثبات ظناً، مما يحتاج إلى تفصيل أوسع. وفي المجال الجنائي يلحق بتحليل الدم سائر التحاليل المخبرية التي انتشرت في العصر الحاضر كتحليل البول وتحليل المني، وتحليل الأطعمة والمشروبات، والمواد الصلبة والسائلة، والآثار المادية المتروكة في مكان الجريمة وكل ما يتعلق بالتحاليل الطبية التي تتم على المتهم أو المشتبه به للتأكد من علاقته بالواقعة المنسوبة إليه أو نفي ذلك، للإسهام في كشف الجريمة، وتسهم في عناصر الاقتناع لدى القاضي فيما يتعلق بإسناد الواقعة للمتهم وبيان الهدف أو الباعث على ارتكاب الجريمة. ولذلك يسمح القانون لإخضاع الجاني أو المجني عليه للإجراءات المعملية للتعرف على نتائج تحاليل الدم والبول والمني وغيره، ولا يعتبر مساساً في حقوق الفرد الشخصية، لتغليب المصلحة العامة في تحقيق العدالة وكشف الجريمة، وحل المشكلات الاجتماعية. وهذا ينبغي أن يحمل على إذا كان الحق للغير، أما إذا كان الأمر متعلقاً بحد شرعي فأرى أن يمنع أخذ أي شيء من بدن الإنسان للاستدلال على جريمة حدية مجردة لأنه لا يجوز أن يجبر الشخص على تقديم دليل إدانته من خلال ما يؤخذ من بدنه. 3 - البصمات البصمة لغة: مشتقة من البُصْم وهو: فوت ما بين طرف الخنصر إلى طرف البنصر يقال ما فارقتك شبراً، ولا فتراً، ولا عتباً، ولا رتباً، ولا بصماً. ورجل ذو بصم أي غليظ البصم. وبصم بصماً: إذا ختم بطرف إصبعه والبصمة أثر الختم بالإصبع. بصمة الأصابع: هي خطوط ونتوءات بارزة دقيقة يتخللها فراغات على أطراف الأصابع من الداخل وتأخذ أشكالاً مختلفة، وتعاريج متعددة، وهي من عجائب قدرة الله في الخلق، وقد أشارت إليه الآية الكريمة من سورة القيامة (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) الآية 4، وتتكون الأصابع في الأجنة من الشهر السادس للحمل، ولا يطرأ عليها تغيير بعد الولادة وتبقى مدى الحياة وحتى بعد الوفاة إلى أن تتحلل الجثة، ولا تتغير بصمات الأصابع إلا بإتلافها بالحروق النارية العميقة، كما تترك الجروح عندما تلتئم خطوطا بيضاء تقاطع التعرجات()، واحتمال تطابق بصمتين من أصابع مختلفة أقل من واحد في أربعة وستين ألف مليون نسمة، وهي مميزة للشخص حتى في حالة التوائم المتماثلة وهو التوأم الذي ينتج من بويضة واحدة سواء أكانت اثنين أم ثلاثة أم أربعة.. ألخ، وهذا ما يجعل بصمات الأصابع وسيلة فريدة في الإثبات. وإذا وضع الإنسان يده أو أصبعه على جسم آخر بقيت آثار الخطوط بما عليها من إفرازات على سطح الجسم، ويقوم المعمل الجنائي برفع هذه البصمات. ويتم الإثبات في الأصابع عن طريق المضاهاة بين أثر البصمة في موقع الجريمة والأماكن المشبوهة وبين البصمة التي يحملها صاحبها، أو تطبع على بطاقته الشخصية، أو تحفظ في سجلات الدولة لبصمات الأصابع العشرة لليدين اليوم، وتعتمد المضاهاة على مبدأ التشابه التي أقرها جمهور الفقهاء في ثبوت النسب بالقافة للشبه بين شخصين وسأُشير إلى ذلك حين الكلام على أدلة ثبوت النسب لاحقاً. ويعتمد القضاء الجنائي بكثرة على الإثبات بالبصمات ولكن يحتاط بها في إثبات جرائم القصاص بالنظر إلى ما يعضدها من قرائن أخرى كما رجحنا ذلك في مبحث إثبات القصاص بالقرائن، ويمكن الوصول بنتائج البصمة في التحقيق مع المتهم للوصول إلى الاعتراف أو إلى الحقيقة. وتقبل البصمات في جرائم التعازير ويعتمد عليها القانون بدرجة عالية في مجال التحقيق من شخصية الفرد، وتتم عملية المضاهاة (المقابلة) بين أثر البصمات لبيان مطابقتها أو عدم مطابقتها مع بصمات المشتبه بهم لكشف حقيقة المجني عليه وكشف شخصية الجاني، وتقدير سنه وجنسه وحالته الصحية ويمكن التعرف عن طريق البصمات على جثث المجهولين. وأيدت محكمة النقض المصرية اعتماد بصمات الأصابع كطريق من طرق الإثبات الأصلية في الجنايات فقالت: الدليل المستمد من تطابق البصمات دليل له قيمته وقوته الاستدلالية على أساس علمي دقيق، لا يوهن منها ما يستنبطه الطاعن في طعنه من احتمال وجود تماثل غير تام بين بصمات شخص وآخر. وهي بذلك ترى جواز استقلال البصمة بإثبات الإدانة، ونص المشرع السوداني في المادة (50/1) من قانون الإثبات لسنة 1994م على أنه: (يعتبر من القرائن المادية وجود الأدلة المادية كالأثر والخط والبصمة ونحوها..)، فالقانون أعطى البصمات اعتبارها في الاستدلال، ولكنها تكون خاضعة لاقتناع القاضي فهو صاحب الحق في دراستها والتأكد منها والأخذ بها أو طرحها متى وجد لذلك مسوغاً. إضافة لبصمات الأصابع اكتشفت في العصر الحاضر أنواع أخرى من البصمات منها بصمة الصوت، وبصمة الأذن وبصمة الأسنان، وبصمة راحة اليد، وآثار الأقدام، وبصمة الشفتين، وبصمة العين والشبكية القزحية، وبصمة الدماغ، وبصمة فتحات مسام العرق، وبصمة الرائحة، ولكن التركيز حالياً يدور حول تطوير الوسائل الخاصة بتقنية البصمة الوراثية (D N A) والاعتماد على نتائجها في الإثبات عموماً.