القرة داغي: معظم حالات الفساد تقع للأبناء في فترة الصيف
قطر اليوم
22 يونيو 2013 , 12:00ص
الدوحة - العرب
دعا فضيلة الشيخ د.علي محيي الدين القرة داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، إلى عدم نسيان المشردين في سوريا وفي غير سوريا وهم يقتلون ويذبحون، ولا يجدون الملجأ والطعام، ويتعرضون لمخاطر الموت من جميع أنواع الأسلحة الفتاكة.
واعتبر فضيلته تذكر هؤلاء واجبا أساسيا، وقال في خطبة الجمعة أمس بجامع السيدة عائشة رضي الله عنها: يجب ألا ننسى أننا جسد واحد، ولا بد أن نذكر إخواننا دائما بالدعاء والتضرع والدعم المتواصل، ولكل من هو محتاج سواء داخل سوريا أو خارجها.
بين ميانمار والشام
كما تذكر فضيلته إخواننا في ميانمار الذين يتعرضون للإبادة الجماعية، وإخواننا في فلسطين الذين يتعرضون للظلم وكل وسائل التشريد والإبعاد في هذا المكان الطاهر والبلد العزيز، الذي هو الشام، والشام يشمل فلسطين وسوريا ولبنان والأردن، والذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم «إذا فسد الشام فلا خير فيكم»، لذلك واجبنا كبير أمام إخواننا بكل ما نملك، لأنهم ضحوا بكل ما يملكون، فعلينا أن نضحي بأرواحنا وأموالنا إن كنا صادقين في أخوّتنا.
أهل الحق وأهل الفساد
وقال فضيلته: لكن أهل الفساد متحدون وأهل الحق مختلفون ومترددون، والمسلمون القادرون مسؤولون أمام الله سبحانه وتعالى، وكذلك الأمة الإنسانية هي أيضاً مسؤولة أمام هذا العمل الإنساني، وقد اكتشفت الازدواجية لهذه الأمم، ولكن علينا ألا نطمع من هؤلاء أبدا، وإنما نلتجئ إلى الله أولا، ثم نلتجئ إلى شعوبنا الإسلامية وأمتنا الإسلامية، التي يجب عليها شرعا وإنسانية أن تقوم بإنقاذ شعب مما يحدث له من هذا الإجرام، ولا بد أن تقوم الأمة بإثبات نفسها أمام الأجانب الذين لهم أجندات خطيرة في المنطقة من حزب الله وغيره، فأصحاب هذا المشروع الخطير لا يريدون لأمتنا الخير، وقد اكتشفت حالتهم ونياتهم المبيتة، وهي ليست لصالح المسلمين وإنما لصالح مشروعاتهم الخطيرة.
الصيف والفساد
وكان فضيلته قد بدأ خطبته قائلا: كلما جاءت فترة الصيف انشغل الآباء والأمهات بأمرين خطيرين مهمين، الأمر الأول: فراغ الأبناء ذكورا وإناثا وعدم انشغالهم بالمدرسة والدراسات، بحيث تكون هناك أوقات كثيرة يكون الأولاد فيها أمام وسائل الإعلام والإلكترونيات، وفي ظل هذه المعطيات يملأ الأبناء بالجوانب السلبية وليس بالجوانب الإيجابية.
والدراسات تقول إن معظم حالات الفساد والأحداث التي تقع للأبناء تقع في فترة الصيف، حيث يكون هناك فراغ، وكان يستغل هذا الفراغ أصدقاء السوء فقط سابقا، أما اليوم فيستغل بأصدقاء السوء وكذلك الوسائل الخطيرة والأفلام، وحتى بعض الألعاب التي في ظاهرها لعب ولكنها في حقيقتها تدمير للأخلاق والقيم.
وأشار إلى مسؤولية الوالدين قائلا: هنا تصبح مسؤولية الوالدين والإخوة الكبار مسؤولية أكثر خطورة وأكثر مما كانت عليه هذه المسؤولية في الأيام السابقة أو في العقود السابقة، وبما أننا قلنا: لا يمكن التشبيك، أي لا نستطيع أن نمنع منعا باتا هذه الوسائل، إذاً ليس أمامنا إلا التحصين، أي أن نحاول بكل الوسائل أن نضع أولادنا ذكورا وإناثا داخل حصن منيع ذاتي، لتكون لديهم القدرة على هذه الوقاية بعد الاعتماد على الله سبحانه وتعالى، وهذا الحصن هو الذي عبر عنه القرآن الكريم بالوقاية، حيث أمرنا الله سبحانه وتعالى بذلك: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة)، وهنا جاء العطف بالواو الذي يدل على الجمع المطلق دون أي تراخ أو ترتيب، مما يدل على أن مسؤوليتنا ليست منحصرة في أنفسنا، بل إن هذه المسؤولية بنفس المستوى وبنفس القوة والمقدار أولادنا وأهلنا وكل من نحن مسؤولون عنهم.
الحصن المطلوب
وقال إنه إذا كان المطلوب هو الحصن أو الوقاية أو التقوى حسب التعبير القرآني، فكيف نحقق هذا الحصن لأولادنا؟ وكيف نحقق هذه الوقاية والتقوى لأولادنا وأهلنا وكذلك لأنفسنا؟ وأجاب: هنا تختلف الفلسفات في العالم في تحقيق الحصن والتربية، في العالم الغربي يعتمد ذلك على الفلسفة النفعية التي تبحث عن المنافع والمصالح، وحينما تقع الأزمات والمشاكل الأخلاقية يتحدث الفلاسفة عما يسمونه بتربية الضمير، أي أن يربى الضمير على الأعمال والقيم الصالحة وعلى السلوكيات الطيبة وغير ذلك.. ولكن التجارب والحقائق دلّت على أن الضمير وحده لن يستطيع أن يقف أمام المغريات المادية والجنسية وغير ذلك، فالأزمات التي تحدث في هذه العوالم ترتبط بالأزمات الأخلاقية.
المنهج القرآني
وتوقف عند المنهج فقال: أما المنهج القرآني فهو منهج متكامل لا يترك شاردة ولا واردة إلا واهتم بها، حتى الفلسفة النفعية أي المصالح والمفاسد تعتمد عليها التربية الإسلامية، ولكن في دائرة القيم الإسلامية وفي دائرة النصوص الشرعية من الكتاب والسنة.. فتأتي هذه التربية لتركز أساسا على غرس العقيدة والخوف من الله تعالى في داخل النفوس منذ الصغر، ثم تكرار ذلك والتأكيد عليه إذا فاتنا في الصغر، فيجب أن نركز على هذا الجانب لأن التجارب أثبتت أنه إذا ثبتت العقيدة الصحيحة ورسخت داخل القلوب والنفوس وارتبط الإنسان بالله سبحانه وتعالى حتى لو وقع في خطأ أو خطيئة فسرعان ما يعود إلى الحق ولن يستمر على الباطل، والوقوع في الخطأ أو الخطيئة أمر طبيعي بشرط أن يعود الإنسان إلى الله (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون).
دور العقيدة
واستطرد قائلا: هذه التجارب تدل على مر التاريخ كيف تحمي العقيدة الإنسان من كل المغريات، بدءاً من التجربة التي ذكرها القرآن الكريم، تجربة سيدنا يوسف، وكيف وقف هذا الشاب اليافع الصغير أمام كل هذه المغريات وهو بعيد عن رقابة الأهل والمجتمع سوى الله، ولكن الله حماه بهذا الحصن الحصين داخل قلبه وهو العقيدة. لذلك يجب أن نركز تماما على شيئين أساسيين: غرس الحب لله سبحانه وتعالى، بألا نرتكب الفواحش لأننا نحب الله ولا نريد أن نغضبه سبحانه وتعالى، والجانب الآخر الخوف بألا نرتكب الفواحش لأننا نخاف غضب الله وعذابه وعقابه في الدنيا والآخرة.
فوائد
وأكد أن هذه القضية أساسية ومهمة جدا في تربيتنا الأساسية، ثم بعد ذلك تأتي الفوائد المرجوة من الأخلاق والعقيدة الصحيحة، ومن هنا ندخل فيما يسمى بالفلسفة النفعية في هذه الدائرة، دائرة الشريعة الإسلامية التي هي أساساً مع تحقيق المصالح ودرء المفاسد، ونربط ذلك بأن كل ما نهى الله عنه فهو شر وهو خبث وهو ضرر ومفسدة. هنا استعمل القرآن الكريم التربية الداخلية الوجدانية، وركز بهذه التربية الوجدانية على الضمير الإنساني والفطرة السليمة داخل الإنسان، وقوّاها بهذه العقيدة، ولم يترك الضمير وحده أمام هذه المغريات التي لا يستطيع وحده أن يقف أمامها، ثم بعد ذلك ركز على التربية الاجتماعية التي تقوم بها الفلسفات ذات النزعة الاجتماعية، من حيث إنه لا بد أن تكون عضوا صالحا في المجتمع، واستعمله القرآن الكريم ذلك بدءاً من بر الوالدين وبقية المجتمع، وفرض على المجتمع مسؤولية أمام الآخرين لأنه لا يجوز لنا أن نترك المفسد أو العاصي دون أن نأخذ على يديه بكل الوسائل المتاحة.
العبادات الحقيقية
وأشار إلى أنه يجب التركيز على العبادات الحقيقية لأنها تمنع الإنسان من الفحشاء والمنكر، فالصلاة لا بد أن تمنعك من الفواحش، وكذلك الصيام يحقق لنا هذا الحصن والوقاية.
ولأهمية هذه التربية القرآنية العظيمة الشاملة لكل هذه الجوانب، ذكر الله سبحانه وتعالى لنا تجربة ناجحة وهي تجربة سيدنا لقمان الحكيم الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى الحكمة من الصغر، وهي تجربة ليست من نبي وإنما من حكيم مسلم عظيم، خلّد الله اسمه وتجربته.
تجربة لقمان
وأشار فضيلته إلى أن لقمان ركز في تجربته على هذا الجانب العقدي وربط الابن بالله (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم)، ثم بين كيف يربط قلب ولده بالله حبا وخوفا، فقال (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأتي بها الله)، فكل ما تفعله يراه الله ويأتي به فيحاسبك عليه، إن خيرا فخير وإن شرا فشر.. غرس لقمان هذه العقيدة في نفس ولده ثم بعد ذلك ركز على هذا الجانب الداخلي العقلي والقلبي والروحي لتصفيته وربطه بالله، وهذا يصل بالإنسان إلى مرتبة الإحسان التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك). ثم بدأ لقمان بعد ذلك بذكر العبادات (يا بني أقم الصلاة)، وقوله (أقم الصلاة) غير أدِّ الصلاة، فإقامة الصلاة أي أن يؤديها مع الناس مع الجماعة، أي ربط الأولاد بالمسجد، وحضور الصلوات الخمس بقدر الإمكان مع والدهم. وقد روى لي أحد الأشخاص عن سبب عودته ورجوعه إلى الله بعد فترة قضاها في الفجور والعصيان بسبب أصدقاء السوء، وقال: كلما أردت أن أشرب الخمر تذكرت ذهابي إلى المسجد مع والدي للصلوات، فكان هذا المنظر يمنعني من الاستمتاع بشرب الخمر، إلى أن غلبني هذا الشعور فتركت الخمر وأصدقاء السوء وعدت إلى الله تعالى. ثم وجه لقمان ابنه لأن يكون له الجرأة الأدبية، أي أن يفصح بالحق حتى على والديه، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فعلّمه الجرأة لأن هناك قاعدة تقول بأن الذي لا يُؤثّر يَتأثر.
ولم يكتف سيدنا لقمان في تجربته العظيمة بالتربية من خلال التلقين فقط، وإنما فصل له، وذكر له لكل خلق دليلين، دليل نصي وشرعي والدليل الثاني من خلال الإثباتات والتجارب الحية ليتعظ بها.