تعريف القرائن ومشروعيتها وحكمها
باب الريان
20 يوليو 2012 , 12:00ص
الشيخ د. ثقيل بن ساير الشمري
القرائن من وسائل الإثبات المقررة شرعاً وقانوناً من حيث الجملة وبما أن هذه القرائن وسائل متجددة ومتطورة فقد وجد في هذا العصر أنواع كثيرة من القرائن لم تكن معروفة قديماً وقد أثبتت الدراسات والبحوث العلمية دقتها وصواب نتائجها في الغالب الأعم.
بما أن حجية القرائن المستحدثة أو المعاصرة تدخل في باب القرائن، فهي إذاً مبنية على مسألة فرعية وهي مدى الاعتداد بالقرائن في الإثبات عند فقهاء الشريعة، لذا يحسن بنا قبل أن نلج في الموضوع أن نبين معنى القرينة ومدى مشروعيتها وحجيتها في الإثبات عند الفقهاء، ونورد أدلة المانعين عن العمل بها وأدلة المجيزين لها مع بيان الراجح من أقوالهم.
المطلب الأول: تعريف القرائن لغة واصطلاحاً:
القرائن لغة: جمع قرينة، وهي من الفعل قَرَن بمعنى جمع، تقول: قرنتُ بين الحج والعمرة: أي جمعت بينهما بإحرام واحد، وكل ما يُقرن به بين شيئين فهو القِران، لذا يقال لعقد الزواج عقد القِران، وكذلك فإن الفعل قرن يدل على المصاحبة، فيقال للزوجة أنها قرينة فلان؛ لمصاحبتها إياه على الدوام.
القرينة في الاصطلاح:
عرف الفقهاء القدامى القرينة بمعنى الأمارة، وهي ما يلزم من العلم به الظن بوجود المدلول، كالغيم بالنسبة إلى المطر، فإنه يلزم من العلم به الظن بوجود المطر، وهذا تعريف بالمرادف، ولم يعرفوها تعريفاً كاملاً. وقد يكون السبب في ذلك هو وضوح معناها بالنسبة لهم، ومع ذلك فإن بعض الفقهاء المتأخرين قد عرّفها بأنها «أمر يشير إلى المطلوب».
أما عند الفقهاء المحدثين فكان لها تعريفات مختلفة نختار منها:
1 - جاء في مجلة الأحكام العدلية (المادة 1741) تعريفها بأن: القرينة القاطعة هي الأمارة البالغة حدّ اليقين.
2 - تعريف الشيخ مصطفى الزرقا وهو: «القرينة هي كل أمارة ظاهرة تقارن شيئاً خفياً فتدل عليه».
3 - تعريف الشيخ أحمد إبراهيم الذي نقله عن الأستاذ أحمد نشأت حيث قال: إن القرينة هي: «استنباط الشارع أو القاضي أمراً مجهولاً من أمرٍ معلوم».
وهذه التعريفات في الإجمال تدل على أن القرينة علامة ظاهرة يستدل من خلالها على ما خفي من أمور وهي تُوجِد عند الإنسان علماً بشيء يكاد أن يكون مماثلاً للعلم الحاصل من المشاهدة والعيان، وقد يكون مصدر القرينة نصا شرعيا، وقد يكون المصدر الاجتهاد والعقل. ويمكن تعريفها بأنها: كل أمارة ظاهرة نص عليها الشارع، أو استنبطها أئمة الشريعة باجتهادهم، أو استنتجها القاضي من الحادثة وظروفها وما يكتنفها من أحوال، دالة على أمر خفي، وتتراوح دلالتها بين القوة والضعف، بحسب قوة العلاقة بينها وبين ما تدل عليه من أمر خفي، فقد ترتقي إلى درجة القطع أو تهبط إلى درجة الاحتمال البعيد.
المطلب الثاني: مشروعية القرائن وحجيتها
يعتمد القاضي على البَيِّنات لإصدار حكمه، والبيِّنة: هي كل ما يبين الحق ويظهره، وقد نسب ابن تيمية القول بأن البينة هي ما يبين الحق ويظهره للجمهور من العلماء؛ حيث قال في مجموع الفتاوى: والأصل عند جمهورهم أن اليمين مشروعة في أقوال الجانبين والبينة عندهم اسم لما يبين الحق، وبينهم نزاع في تفاريع ذلك، فتارة تكون لوثاً مع أيمان القسامة وتارة تكون شاهداً ويميناً، وتارة تكون دلائل غير الشهود كالصفة للقطة.
قال صلى الله عليه وسلم فقال: «لو يُعطى الناسُ بدعواهم لادعى رجالٌ دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه «وفي رواية البيهقي: «ولكن البيِّنة على المدعي، واليمين على من أنكر».
وانقسم فقهاء الشريعة في الأخذ بالقرائن واعتبارها من طرق الإثبات المعول عليها وقد نتج عن ذلك الانقسام قولان:
القول الأول: جواز القضاء بالقرائن، وصرح به بعض العلماء من الحنابلة والمالكية والشافعية والحنفية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وقال به دلالة أغلب الفقهاء واستخرجوا قرائن كثيرة واستنبطوا علامات جمة على الوقائع والأحداث وذكروها في كتبهم.
واستدل أصحاب هذا القول بأدلة من الكتاب والسنة ومن المعقول، فمن الكتاب استدلوا بآيات منها قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام: (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) يوسف آية 18، فقول يعقوب عليه السلام: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا) دليل على عدم قناعته بأن الذئب قد أكل يوسف، بقرينة أن قميصه لم يتمزق، فاستدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأمارات في الفقه والقضاء، قال القرطبي: استدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأمارات في كثير من مسائل الفقه وأقاموها مقام البينة.
ومن السنة المطهرة: استدلوا بأحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» فالفراش قرينة على المخالطة المشروعة، وإنزال ماء الرجل في رحم الزوجة وتكوين الجنين له، فيكون الولد للزوج ويثبت نسبه منه، لأن الغالب أن الفراش لا يكون إلا بالزواج الصحيح والمخالطة المشروعة، فأُقيمت القرينة على الغالب من الأحوال، فالفراش قرينة، وحكم الرسول صلى الله عليه وسلم بثبوت النسب به فيكون العمل بالقرينة مشروعاً وجائزاً في ثبوت الأحكام.
ومن المعقول:
أن إهدار الأمارات والعلامات بالكلية يعطل كثيرا من الأحكام، ويضيع كثيرا من الحقوق، مع تطور الأساليب في ارتكاب الجرائم، فكان الاعتماد على القرائن ضرورياً في الحياة وفي القضاء وإلا عجز الناس عن إثبات الحقوق والكشف عن الحقائق، والتعرف على مرتكبي الجرائم، فيُشل القضاء وتضيع الحقوق، وهذا مخالف لمقاصد الشريعة التي تأمر بالعدل والإنصاف، وتحرص على حفظ الحقوق وحماية الأعراض والدماء والأموال.
قال ابن القيم: «فالشارع لم يلغ القرائن والأمارات ودلائل الأحوال بل من استقرأ الشرع في مصادره وموارده وجد شاهداً لها بالاعتبار مرتباً عليها الأحكام. ثم قال: ولم يزل حذاق الحكام والولاة يستخرجون الحقوق بالفراسة والأمارات. وقال أيضاً: والحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات ودلائل الحال ومعرفة شواهده والقرائن الحالية والمقالية أضاع حقوقاً كثيرة على أصحابها وحكم بما يعلم الناس بطلانه. وقال أيضا: فمن أهدر الأمارات والعلامات في الشرع بالكلية فقد عطل كثيرا من الأحكام وضيع كثيراً من الحقوق.
القول الثاني: منع القضاء بالقرائن، وصرح به بعض الفقهاء، وهو قول بعض متأخري الحنفية كالجصاص، والقرافي من المالكية. واستدلوا بحديث «لو كنت راجماً أحداً بغير بيّنة لرجمت فلانة فقد ظهر منها الريبة في منطقها وهيأتها ومن يدخل عليها»، ففي هذا الحديث بيّن النبي صلى الله عليه وسلم عدم مشروعية الاعتماد على القرائن -وإن كانت قوية- في إقامة الحد، إذ لو كان لها مشروعية لأقام عليه الصلاة والسلام حد الرجم على هذه المرأة بعد ظهور قرائن الفاحشة من جانبها. ويرد على هذا الاستدلال بالقول: إن الاستدلال المستنبط من الحديث ليس بحجة في عدم الأخذ بالقرائن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بأنه لا يرجم بغير بيّنة، وهذا يدل على أن ما توافر لديه صلى الله عليه وسلم من قرائن ذكرت في الحديث من الخضوع بالقول والابتذال في الهيئة، وترك الحشمة لم يكن كافيا في إقامة الحد عليها، فتلك القرائن لا ترتقي إلى رتبة البينة، حيث ضعف دلالتها جعلها لا تخرج من حيز الشبهة، والحدود كما هو معروف تدرأ بالشبهات، ولذلك لم يقم الرسول عليه الصلاة والسلام الحد عليها لا لأن القرائن غير مشروعة في إثبات جريمة الزنا.
الترجيح:
تبدو أدلة القائلين بمشروعية القضاء بالقرائن ووضوحها في دلالتها على جواز الحكم بها، وأن النصوص من القرآن الكريم والسنة الصحيحة أثبتت العمل بالقرائن والأمارات الظاهرة، وهي داخلة في مفهوم البيّنة الذي استخدمه القرآن بمعناه المطلق ليعني الدليل والحجة والبرهان، والبيّنات إنما هي وسائل لإثبات الحق واستكشافه، والمقصود منها حصول العلم أو الظن الراجح للحاكم فيحكم بموجبه، وهي تخضع لقواعد القياس لذا لحقت بها القرائن ذات الدلالة القوية. والعمل بالقرائن القوية لا يكاد يخلو منه مذهب من المذاهب الإسلامية، وأوسع المذاهب عملاً بها مذهبا المالكية والحنابلة، ثم الشافعية والحنفية، حتى أولئك الذين قالوا بمنع الحكم بالقرائن اضطروا إلى الاعتماد عليها في التطبيقات العملية، فقد أشار ابن القيم في إعلام الموقعين إلى أن الإمام الشافعي المانع من الحكم بالقرائن اعتمد عليها في أكثر من مائة موضع.. والعمل بالقرائن فيه تقوية لأركان العدل ورعاية مصالح الخلق خاصة في هذا العصر الذي كثرت فيه الاكتشافات العلمية التي أثرت وسائل الإثبات بشكل غير مسبوق، ما يجعل عدم الإفادة منها يعود بالضرر على أرواح الناس وأعراضهم، وتغري المجرمين بارتكاب ما بدا لهم من جرائم باستخدام الأساليب المتطورة وهم في أمان من أن العدالة لن تطالهم، وفي هذا كله مخالفة لمقاصد الشريعة في حفظ الأنفس والأعراض والأموال ومن هنا تظهر قوة أدلة القائلين بمشروعية الأخذ بالقرائن ورجحان هذا الرأي من حيث الجملة، أما إثبات الحدود بالقرائن فإنه أرجح منعه لأن الحدود تدرأ بالشبهات ووسائل إثباتها لها خصوصية تختلف في كثير منها عن غيرها.