تفسير سورة الشرح

alarab
الصفحات المتخصصة 17 يونيو 2011 , 12:00ص
الشيخ فريد أمين الهنداوي
بسم الله الرحمن الرحيم «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. ووَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ. ورَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ. فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ. وإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ». بين يدي السورة سورة الشرح مكية، وعدد آياتها ثماني آياتٍ. نزلت بعد سورة الضحى وقبل سورة العصر. سميت بهذا الاسم لذكر «الشرح» في أولها، وتسمى في بعض التفاسير بسورة الانشراح، وفي البعض «ألم نشرح». السورة كلها محكمة، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ. معاني الكلمات أَلَمْ نَشْرَحْ: الشرح من معانيه: التوسعة. والعرب تطلق الشرح وتريد به البسط والمسرة وراحة النفس وانفساح الروح. وَوَضَعْنَا: رفعنا وحططنا عنك ما أثقل ظهرك من أعباء الرسالة. وِزْرَكَ: الحمل الثقيل، أو الذنب. أَنقَضَ: أثقل ظهرك، والظهر إذا أثقله الحمل سُمِعَ له صوت خفي. قال أهل اللغة: أنقضَ الحِمْلُ ظهر الناقة إذا سمعت له صريرا من شدة الحمل، وسمعتُ نقيض المِرْجَل أي صريره. الْعُسْر: الفقر والضعف، وجهالة الصديق وقوة العدو، وإنكار الجميل. فَانصَبْ: النَصَبُ له معنيان: التعب والإعياء، والجدّ والاجتهاد. فَارْغَبْ: رغب فيه وإليه حرص عليه، يقال: رَغِبَ فلان رغبا ورغبة حَرَص على الشيء وطمع فيه، ورغب إليه: ابتهل وضرع وطلب، ورغب إليه في كذا وكذا، سأله إياه. التفسير «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ»: شرح الصدر تنويره بالحكمة وتوسيعه لتلقي ما يوحى إليه، والمعنى: ألم نشرح ونوسع لك يا محمد صدرك وقلبك لحمل أعباء النبوة وحفظ الوحي المنزل عليك، فأذهبنا عن نفسك جميع الهموم حتى لا تقلق ولا تضجر، وجعلناك راضي النفس، مطمئن الخاطر، واثقا من تأييد الله ونصره، عالما كل العلم أن الذي أرسلك لا يخذلك ولا يعين عليك عدوا. وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ: أي وحططنا وأسقطنا عنك يا محمد حملك الثقيل من أعباء النبوة ويسرناها عليك. قال الحسن وقتادة والضحاك ومقاتل: المعنى: حططنا عنك الذي سلف منك في الجاهلية. وقال البعض: كناية عن عصمته من الذنوب وتطهيره من الأدناس، عبّر عن ذلك بالحط على سبيل المبالغة في انتفاء ذلك، فيكون كقول القائل: رفعنا عنك مشقة الزيارة لمن لم يصدر عنه زيارة قط، على سبيل المبالغة في انتفاء الزيارة منه له. الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ: أي حططنا عنك ما أثقل ظهرك من أعباء الرسالة حتى تبلغها، فجعلنا التبليغ عليك سهلا، ونفسك به مطمئنة راضية، ولو قوبلت بالإساءة ممن أرسلت إليهم. وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ: أي وجعلناك عالي الشأن، رفيع المنزلة، عظيم القدر، وجعلنا اسمك مقرونا باسمي. فليس خطيب ولا متشهد ولا مؤذن ولا صاحب صلاة إلا ينادي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأي ذكر أنبه من أن يكون لك في كل طرف من أطراف الكون أتباع يمتثلون أوامرك، ويجتنبون نواهيك، ويرون طاعتك مغنما، ومعصيتك مغرما. فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا: أي: فإن مع الضيق مخرجا، ومع الهم فرجا، ومع الحزن فرحا، ومع الشدة ظفرا ونصرا، والأيام دول لا تبقى على حال. وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتأنيس، لتطيب نفسه ويقوى رجاؤه ويتحمل تبعات الدعوة وأثقال الرسالة وآلام الطريق. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا: أي: سيأتي الفرج بعد الضيق، والنصر بعد الشدة، واليسر بعد العسر. قال ابن مسعود: لو أن العسر دخل في جحر لجاء اليسر حتى يدخل معه، ثم قال: قال الله تعالى: «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا». وروى مالك في الموطأ (961): كتب أبوعبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر بن الخطاب: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله بعده فرجا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ». فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ: أي: فإذا فرغت يا محمد من دعوة الخلق، فاجتهد في عبادة الخالق، وإذا انتهيت من أمور الدنيا، فأتعب نفسك في طلب الآخرة. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إني لأكره أن أرى أحدكم فارغا سَبَهْللا، لا في عمل دنياه، ولا في عمل آخرته. وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ: أي: إذا فرغت من أمور الدنيا فاجتهد في عبادة ربك، واجعل سؤالك ورغبتك لله وحده، فتضرع إليه راغبا فيما عنده، طالبا منه المعونة على أمر دينك ودنياك، فلا تطلب الحاجات إلا منه، ولا تعول في جميع أمورك إلا عليه، وأخلص لربك النية والرغبة. فوائد 1 - قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ»: أي نورناه وجعلناه فسيحا رحيبا واسعا، وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحا سمحا سهلا لا حرج فيه ولا إصر ولا ضيق. 2 - روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في البحر المحيط (8/487) في تفسير قوله تعالى: «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ»، أنه شق جبريل لصدر النبي صلى الله عليه وسلم في صغره. وهذه الحادثة صحيحة رواها الإمام مسلم في صحيحه (162). وعن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب فاستخرج منه عَلَقَة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمَه (أي خاطه) ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه (ظئره التي أرضعته) فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره. 3 - قال ابن القيم في بدائع الفوائد (2/155): «المعرف وإن تعدد ذكره واتحد لفظه فهو شيء واحد بخلاف المنكر، ومن فهم هذا فهم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يغلب عسر يسرين»، فإنه أشار إلى قوله تعالى: «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا». فالعسر وإن تكرر مرتين فتكرر بلفظ المعرفة فهو واحد، واليسر تكرر بلفظ النكرة فهو يسران، فالعسر محفوف بيسرين: يسر قبله، ويسر بعده، فلن يغلب عسر يسرين». وقد نظم الإمام السيوطي هذا المعنى بقوله كما في «عقود الجمان»: ثم من القواعد المشتهرة إذا أتت نكرة مكرَّرة تغايرت، وإن يعرَّف ثاني توافقا، كذا المعرفان فالعسر في الآية مكرر بلفظ التعريف فكان عسرا واحدا، واليسر مكرر بلفظ التنكير فكانا يسرين، فكأنه سبحانه قال: «فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا» آخر.