الجمعة 13 ربيع الأول / 30 أكتوبر 2020
 / 
03:51 ص بتوقيت الدوحة

قصة «د. وفاء» في بلاد لم تكن تغيب عنها الشمس!

علي العفيفي

الجمعة 16 أكتوبر 2020

أطمح إلى تحسين حالة البيئة في قطر .. واكتشاف طرق جديدة لتحلية المياه

علاقتي مع زملاء الدراسة لم تفقدني ارتباطي بالوطن.. وأشجع محمد صلاح

في إمبراطورية تسيّدت العالم لقرون، ولم تكن تغيب عنها الشمس، حطت رحال شابة قطرية، رفضت الاكتفاء بسنوات الدراسة الجامعية بالدوحة، وتقاطع تصميمها على استكمال دراستها العليا بالخارج، مع تشجيع أسرتها لها على هذا الاختيار ، لتكون النتيجة في النهاية مشرّفة بحصولها على درجة الدكتوراة من جامعة سوانزي العريقة؛ لتستعد للعودة إلى الوطن كادراً علمياً وأكاديمياً متحفزاً لخدمة المجتمع.
لم يكن مشوار  ضيفتنا الدكتورة وفاء علي «في الغربة» سهلاً؛ إذ  كان عليها الحفاظ على هويتها وسط عشرات المبتعثين من جنسيات وثقافات مختلفة.. «إن علاقتي مع زملاء الدراسة لم تفقدني ارتباطي بالوطن» هكذا تقول.

ترى د. وفاء -الحاصلة على شهادة الدكتوراة في الهندسة الكيميائية- أن «أبناء وبنات قطر هم العمود الفقري للتنمية»، وأن هذا هو الهدف الأسمى من رحلتها في الابتعاث بالخارج بعد حصولها على منحة دراسية من الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي التابع لمؤسسة قطر.
صعوبات وتحديات ولحظات لا تُنسى في مشوارها، ترويها لـ «العرب»، وقبل هذا وبعده تتحدث عن طموحاتها وأحلامها بالمساهمة في بناء وازدهار قطر، والمساعدة في تحسين حياة السكان من خلال تخصصها في تحلية المياه المالحة.
«لقد شعرت بالفخر   حين استلام الدكتوراة.. والفضل يرجع إلى عائلتي و مؤسسة قطر  في إقدامي  على الابتعاث بالخارج»، بين هذا وذاك ترى الشابة الطموحة أن الابتعاث يساهم في تحقيق النمو الاقتصادي في قطر، وبناء جيل واعٍ يتمتع بالمعرفة والتفكير النقدي والاستنتاج السليم. وتواصل: «تجربة الابتعاث لم تفقدني اعتزازي بهويتي العربية والإسلامية، وقد افتقدت أجواء الإفطار مع الأسرة في رمضان».
 ولكن.. كيف كانت البداية؟
تجيب: كان مجال دراستي في الهندسة الكيميائية في جامعة سوانزي بالمملكة المتحدة، ومشروع بحث الدكتوراة حول «تحسين عملية التناضح المباشر باستخدام محاليل الأسمدة لتحلية المياه قليلة الملوحة. وهدفي من وراء الابتعاث في إحدى أعرق الجامعات البريطانية تمثّل في تطوير المستوى التعليمي، ونقل الخبرات والمعارف من الجامعات العالمية والمتقدمة؛ إذ تساهم المِنَح الدراسية للخارج بشكل كبير في النمو الاقتصادي؛ لأن أبناء وبنات البلد هم جوهر التنمية وعمودها الفقري.
والهدف من الابتعاث -كما توضح- ليست الدراسة والحصول على شهادة فقط، بل ثمة أهداف أكثر تتمثل في توسيع مدارك الفكر والتعرّف على الطريقة التي يُفكر بها العالم المتطور، والارتقاء بالثقافة والعلوم، والتعرّف على ثقافات جديدة والتعايش معها؛ لأن المجتمع في بريطانيا يتكوّن من جنسيات مختلفة وثقافات متنوعة، تُمكّن الطالب من تعلّم طرق التحليل والاستنتاج الصحيحة، وزيادة الوعي في مجالات الحياة المختلفة، وبذلك يتم بناء جيل واعٍ يتمتع بالمعرفة والتفكير النقدي والاستنتاج السليم.

 

دور الأسرة
المؤكد أن خوض تجربة الابتعاث وما يتبعها من ترك الأسرة يحتاج إلى تشجيع، وتحكي د. وفاء تجربتها هذه مع الأسرة في هذه النقطة: أولاً بدأت بالتفكير في الفوائد الأكاديمية والأهداف المهنية التي أستطيع الحصول عليها من الدول الأجنبية، والتي تساعدني على تحقيق ما أطمح إليه في المستقبل، ومن ثمّ اتخذت قراراً بخصوص تخصص الدراسة والدولة التي سوف أدرس بها، وتناقشت مع عائلتي في كل التفاصيل، وقد شجعتني العائلة على مواصلة تعليمي في الخارج، وتحقيق طموحي، وكذلك وجدت الكثير من التشجيع والدعم من الموظفين والمديرين في مجال عملي بـ «مؤسسة قطر».
وعن التحديات التي واجهتها في بداية حياتها كمبتعثة، تقول: من أكثر ما تعرّضت له في هذا الجانب هو التعايش مع ثقافة جديدة، مثل بعض التصرفات المتداولة والمقبولة في المجتمع البريطاني، ولكنها تكون مرفوضة في مجتمعنا وبلدنا. وأيضاً هناك بعض الأمور والتصرفات تكون مقبولة في بلدنا، ولكن تكون منبوذة ولا يجب ذكرها في المجتمع البريطاني.
تضيف: كذلك هناك صعوبة الاندماج مع الطلاب الآخرين من جنسيات مختلفة؛ بسبب اختلاف الثقافات والخلفيات المعرفية والأعراق والأديان، وفي هذه الحالة يجب أن نتمتع بالمرونة في التعامل مع زملائنا من بلدان متنوعة، وأن نتفهّم الاختلاف ونستفيد من ثقافاتهم وعلمهم.

 وماذا أيضاً؟
- أخيراً الحنين إلى العائلة والأصدقاء والوطن شعور طبيعي يحس به كل المبتعثين، ولكن يزداد لدى الوقوع في مشاكل دراسية أو نفسية أو مالية بسبب الشعور بالحاجة إلى قربهم لنا ومساعدتنا في حل هذه المشاكل، وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهتها في الدول الغربية، فإنها  لا تساوي الفوائد المكتسبة من هذه التجربة المميز والفريدة.
وعن الاختلاف الذي حدث في حياتها  قبل وبعد الابتعاث، توضح: الدراسة  في بريطانيا أحدثت نقلة نوعية في نمط معيشتي وحياتي العلمية والعملية، تعلّمت وطوّرت لغتي الإنجليزية عن طريق الممارسة الحياتية؛ حيث أسهمت بشكل فعّال في الإجادة والتميّز والتحدث بطلاقة. واستفدت كثيراً من الدراسة بالخارج من خلال الاطلاع والتعرّف على مجتمعات مختلفة وطريقة تفكير الشعوب الأخرى والبحث، والاستقصاء عن المعرفة بكل السُّبل وأينما كانت، وكيفية حل المشكلات والأزمات الصعبة في الحياة بشكل عام.
وبفخر، تتذكر  د. وفاء  لحظة لا تُنسى في رحلة الابتعاث: «مؤكد أنني لن أنسى ما حييت لحظة استلامي شهادة الدكتوراة في الهندسة الكيميائية من جامعة سوانزي».

 ولكن.. كيف تأقلمتِ د. وفاء مع العادات والتقاليد المختلفة في المملكة المتحدة؟ 
سألتها، فأجابت: اطلعت على الاختلافات في العادات والتقاليد والتصرفات المقبولة واللائقة في المجتمع البريطاني، كذلك تعرّفت على صديقات في الجامعة من دول مختلفة، ومن خلال التعامل والدراسة معهم، وتمكّنت من التعرّف على عادات وتقاليد شعوب مختلفة. وهذه أمور   تُعتَبر خطوة مهمة في حياه الطالب الجامعي؛ لتجنّب ارتكاب الأخطاء أو الهفوات الكبيرة التي تؤثر على العلاقات الاجتماعية وعالم الأعمال.

 وما الذي أثار  إعجابكِ في المملكة المتحدة وترغبين في رؤيته بدولة قطر؟ 
- مجاراة التطور العلمي والنهضوي، وبناء كوادر وطنية مؤهلة ومحترفة في بيئة العمل. والتركيز على الجانب العملي والتطبيقي في المدارس والجامعات، وتنمية القدرة على ابتكار الحلول للمشكلات وليس تعميقها. وتنمية مهارات البحث العلمي والابتكار، وتطور طريقة التحليل والحوار والنقد البناء، والحرية والانفتاح على الخارج، والعلاقات الاجتماعية المتوازنة.
وعن أبرز الشخصيات العربية التي تتابعها في بريطانيا، تقول: لا شك أن محمد صلاح -نجم نادي ليفربول لكرة القدم- يُعَدّ أحد أهم هذه الشخصيات التي أثبتت تفوقها هنا.
وعن كيفية قضاء المناسبات الدينية الإسلامية في الغربة، تتحدث د. وفاء: نحن المسلمون في بلاد الابتعاث نعيش أجواء رمضانية مختلفة عن الدول العربية، فليس هناك الأجواء الجماعية التي تميّز الدول الإسلامية في الشهر الفضيل من خلال تحضير إفطارات جماعية للأسرة والأصدقاء، وجميع الناس يشربون ويأكلون أمامنا، وساعات الصيام طويلة تصل إلى 17 ساعة خلال الصيف، والأجواء حارة، وما يخفف عني هو تشجيع الأسرة والأصدقاء من المسلمين، وأحرص على دعوة الصديقات على الإفطار في منزلي أسبوعياً.
وتحلم ضيفة «في الغربة» بتحقيق طموحات عقب عودتها إلى الوطن من رحلة الابتعاث، وتوضح أهدافها: أقوم بإجراء أبحاث متطورة في مجال تصنيع الأغشية لمعالجة المياه المالحة ومياه الصرف الصحي، وتصنيع مواد نانوية لتحسين فاعلية الأغشية باستخدام أنظمة متقدمة. وتطوير برامج رياضية ونماذج محاكاة خاصة بعمليات التحلية والتحليل الكيميائي، وكذلك أهدافي المهنية: إحداث فرق حقيقي وتحسين حياة السكان والبيئة في قطر من خلال اكتشاف طرق جديدة لرفع كفاءة تقنيات تحلية المياه بالأغشية، وتحسين جودة مياه الشرب للاستخدامات الشخصية والمنزلية والزراعية، إضافة إلى إيجاد حلول مبتكرة لتزويد المنازل والمناطق الزراعية والمنشآت المختلفة في الدولة بمياه الشرب ذات الجودة العالية، والعمل مع العلماء والباحثين والأكاديميين من جامعات ومراكز أبحاث محلية وعالمية في مشاريع بحثية تتعلّق بتطوير محطات تحلية المياه في قطر.
عند هذه النقطة انتهى الحوار مع د. وفاء علي.. الشابة الطموحة، والمؤكد أن تحقيق أهدافها وأحلامها على أرض الواقع بعد عودتها قصة أخرى تستحق أن تُروَى مستقبلاً!
 

_
_
  • الفجر

    04:21 ص
...