الصفحات المتخصصة
16 يونيو 2016 , 01:07ص
مختار محمد مختار احمد
ليلة صافية إثر غزوة سريعة، والمهمة حراسة العسكر، والوقت موات لركعتين في جوف الليل البهيم، تشترى بهما جنات النعيم، بدأ القراءة.. وواصل، وأكمل القراءة من آية لأخرى، ومن علم لآخر، تحت كل كلمة ما لا يحتويه الوصف جمالا وجلالا، هذه عادة قديمة، يقف، يصف قدميه، يصلي ما قسم له، يستمتع بجمال الآيات، ويتأنق صوته، ويتنوع.
انطلق صوته عذبا يتخلل نسمات الهواء، أو ربما كانت هي تفسح لصوته الطريق، فيأتيه من سجف الغيب بريق، ويتأمله، ويستشف ما فيه، ويقترب أكثر فأكثر من روح النص وحقائقه، كان لا يشعر بنفسه في أرض أو في سماء.
ما هذا؟ وخزة.. اختلس نظرة، فإذا هو سهم.
مد يده، ونزعه، ثم عاد لما كان فيه، يحس بالألم، لكن لا بأس، ليس شيئا مبرحا، دمه يسيل متقطعا، فبقيت في جسده قوة، وما هو فيه ممتع، بدأ يغيب مجددا عن هذا الألم وأسبابه، داخلا في مجالات الغيب الأرحب.
وخزة من جديد، ما هذا؟ اختلس نظرة فإذا هو سهم آخر، مد يده، وانتزعه، وواصل ما كان فيه، بدأ يغيب مجددا، ويعلو، يقتحم عبر الآيات أسرارا، ويستشرف ما فيها من حكم، كيف يمكن تطبيقها؟ وكيف ينبغي تأويلها؟
لكن وخزة ثالثة أتته، لا بد أن هناك شيئا ما أكبر من مجرد السهام، لا بد أنها غارة من نوع ما، ثم إن بدنه لم يعد يقوى على المواصلة، المهمة الأصلية في خطر، كان يعي أولوياته جيدا، متعته بالتلاوة أمر يخصه، لكن المهمة التي كان فيها طاعة للنبي صلى الله عليه وسلم، وأمر عام للجماعة كلها.
مد يده ونزعه، وجلس، وبدأ يزحف، وصل إلى حيث يرقد رفيق ليلته، فأيقظه رفيق ليلته تلك، الذي اتفق معه مسبقا على أن يرتاح هو، بينما يخلو هو بنفسه في هذه الليلة.
فزع صاحبه مما رأى من الدماء:
-علام لم توقظني؟
-كنت في سورة فكرهت أن أقطعها، ولولا أنه ثغر أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه خفت أن أضيعه لما قطعتها.
ونبهوا العسكر، واتضح في النهاية أنه رجل واحد لم يرد تفويت ثأره.
في ليلة أخرى، سمع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في حجرة عائشة رضي الله عنها، صوتا رائقا، يتلو القرآن، فسأل عائشة رضي الله عنها: هذا صوت عباد بن بشر؟ فقالت: نعم، فقال: اللهم اغفر له.
لاحقا سهر مطولا في مناسبة أخرى، يحرس قبته صلى الله عليه وسلم في الخندق، حين اجتمعت جيوش العرب لالتقام المدينة النبوية، حتى انجلت تلك الهجمة الشرسة، وانفض الجمع.
كان أنيس الليل، حليفه، قليل الحديث، يؤدي الدور المناط به، وهو هادئ بعيد عن الظهور، معروف بالتقوى والصلاح، بدون مزايدات أو تكلف، وما أبعد الصحابة رضي الله عنهم عن التكلف كما قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عنهم.
وعندما تفقأت بثور الجاهلية الكامنة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وبرزت قرونها مجددا، ووجب استئصالها، واحتدم الصراع مع أنفاسها في اليمامة، حيث أخطر تلك البثور، وأكثرها قدرة على خلب الأفئدة، كانت فتنة خطرة، ومركبة، اجتمع فيها دهاء المتنبئ وعصبية القبيلة والجاهلية والقدرة على تحريك الأطماع.
اشتدت المعركة، حيث اضطرب المسلمون، وأصابهم الألم والإرهاق، أصابهم إجهاد كبير، ليس لتعب من الحرب، لكنه الإجهاد النفسي، لم تخرج أحزانهم على وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد، وقف هو، تذكر ما مضى، تذكر أيامه الخاليات، تحرك قيام الليل داخله، قام فيهم جميعا، هتف في الجموع:
حطموا جفون السيوف.
كانت أعماقه تهتف ليس هكذا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كسروا الأغماد، وهاجموا، وواصل طريقه، تجاوز ضربات السيوف، وعلا فوقها، وحملته السماء لجوفها.
كما رأى في ليلة سابقة قريبة، أن السماء انفتحت له، وأدخلته.