الرضا بالمعصية كفر

alarab
الصفحات المتخصصة 14 نوفمبر 2014 , 08:03ص
جعفر الطلحاوي
قال ابن عطاء الله السكندري: «إذا أردت أن تعرف مقامك عند الله فانظر أين أقامك». وجاء في الصحيح «مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ».
وقال الله عز وجل: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ).
سجل القرآن الكريم نموذجين من الخلق جمع بينهما كراهة معصية الله، وأشد ما يكرهون من المعاصي الإفساد في الأرض والاعتداء على الدماء والأعراض.
الأول، الملائكة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)، لم يقولوا ذلك اعتراضا، فالْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ سَامِعُونَ مُطِيعُونَ لَا يَفْتُرُونَ مُشْتَغِلُونَ بِعِبَادَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. رِطَابُ الْأَلْسُنِ بِذِكْرِهِ وَتَعْظِيمِهِ يَتَسَابَقُونَ فِي ذَلِكَ مُذْ خَلَقَهُمْ، لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَلَا يَسْأَمُونَ، لَا يُحْصِي أَجْنَاسَهُمْ وَلَا مُدَّةَ أَعْمَارِهِمْ وَلَا كَيْفِيَّةَ عِبَادَتِهِمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، مِنْهُمْ سُجُودٌ لَا يَرْكَعُونَ، وَرُكُوعٌ لَا يَنْتَصِبُونَ وَصَافُّونَ لَا يَتَزَايَلُونَ وَمُسَبِّحُونَ لَا يَسْأَمُونَ لَا يَغْشَاهُمْ نَوْمُ الْعُيُونِ وَلَا سَهْوُ الْعُقُولِ وَلَا فَتْرَةُ الْأَبْدَانِ وَلَا غَفْلَةُ النِّسْيَانِ. ودونك بعض ما قال الحق تبارك وتعالى في أوصافهم: (وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِه)، (بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ. لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)، فَهَذَا صَرِيحٌ فِي بَرَاءَتِهِمْ عَنِ الْمَعَاصِي وَكَوْنِهِمْ مُتَوَقِّفِينَ فِي كُلِّ الأُمورِ إِلَّا بِمُقْتَضَى الأَمرِ وَالْوَحْيِ: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لَا يَفْتُرُونَ)، (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)، (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ. وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ)، (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ)، هذه كلها أوصاف للملائكة، فهل مع هذه الأوصاف يقول قائل إنهم قالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)، اعْتِرَاضًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وهذا مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ، وذلك بعيد تماما، فلم يبق إلا أنهم قالوا ذلك كراهة لمعصية الله الْعَبْدَ الْمُخْلِصَ لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِمَوْلَاهُ يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عبدٌ يَعْصِيهِ.
النموذج الثاني: مريم عليها السلام: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا)، مريم عليها السلام، جاءها روح الله، متمثلا في صورة بشرية، فاستعاذت بالله منه لتقواه، فالمتقي هو الذي يُجير من استجار بالرحمن منه، لخشيته منه، فأخبرها بأنه رسول ربها إليها؛ لِيهَب لها غلاما زكيا، تقيا لا شقيا، فكان تعجبها من ذلك الخبر ولم يمسسها بشر: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا. فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا. قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا. قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا. قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا. قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا)، وهي العفيفة الشريفة المضروب بها المثل في العفة والطهارة: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ)، فأخبرها بأن هذا أمر الله الذي قضي وقدر، وكان أمرا مقضيا، وهي التي نادتها الملائكة (يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ)، (يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)، فهل كان تمنيها الموت قبل ساعة تنفيذ هذا الوعد وتأثيل هذه الهبة كراهة لقضاء الله المقضي، وعدم رضا، كلا ثم كلا، هِيَ رَاضِيَةٌ بِمَا بُشِّرَتْ بِهِ راضية بقضاء الله، ولكنها قَالَتْ ذَلِكَ لِكَيْ لَا تَقَعَ الْمَعْصِيَةُ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِيهَا، كراهة منها لمعصية الخلق لله فيها، والأصل في شعبة إِنْكَار المنكر بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ كَرَاهَةُ الْمَعْصِيَةِ ولو بِالْقَلْبِ وذلك فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَلَا يَسْقُطُ أَصْلًا. ويقوى إلى أن يكون باليد أو باللسان، وأدناه القلب، وينكره بقلبه بأن يكره ذلك ويعزم أن لو قدر عليه بقول أو فعل أزاله لأنه يجب كراهة المعصية، فالراضي بها شريك لفاعلها، والرضا بالمعصية من أقبح المحرمات، وهذا القدر واجب على كل أحد. ومما يدل على وجوب كره المعصية وعدم الرضا بها حتى لا يكون شريكا لفاعلها ما ورد في الحديث «إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ شَهِدَهَا وأَنْكَرَهَا فَهُو كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا ورَضِيَهَا كَمَنْ شَهِدَهَا»، وعدم كراهية المعصية والرضا بها يُخل بالإيمان كما في الصحيح «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثم إنهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ». ومنه يستفاد أن الإْنْكَارُ بِالْقَلْبِ لاَ بُدَّ مِنْهُ فَمَنْ لَمْ يُنْكِرْ قَلْبُهُ الْمُنْكَرَ دَل عَلَى ذَهَابِ الإْيمَانِ مِنْ قَلْبِهِ، بل إن تَرْكَ الْإِنْكَارِ بِالْقَلْبِ كُفْرٌ للصحيح: «وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ»، وعليه فالمسلم بعد مواسم الطاعات يداوم على الطاعات المطلقة وغير المقيدة بزمن دون آخر، حبا للطاعات وسائر ما يحبه الله، وبغضا للمعصية لبغض الله تعالى لها، سواء كانت الطاعة منه أو من غيره، وسواء كانت المعصية منه أو من غيره، فيكون متجردا لله تعالى، وله في ذلك قدوة بالملائكة، وبالصالحين من السلف الصالح.