احذروا الخطر بمحلات العطارة وأمام المساجد.. أعشاب مجهولة المصدر

alarab
تحقيقات 14 أكتوبر 2015 , 01:46ص
ولي الدين حسن
حذر عدد من المواطنين والأطباء من فوضى انتشار وتداول الأعشاب الخاصة بعلاج الروماتيزم والأمراض الجلدية، فضلا عن داء السكري والضعف الجنسي والعقم في الأسواق، مشيرين أنها أصبحت تباع في معظم محلات بيع التوابل والأعشاب وعلى أرصفة الشوارع ولا تخضع لأية رقابة من الجهات المعنية، مع ما لها من أضرار بالغة على الصحة العامة، مطالبين في هذا الصدد السلطات الصحية بفرض رقابتها على تلك المحلات.
وأكدوا لـ «العرب» أن بعض الباعة الجائلين ومحلات العطارة يقومون ببيع وترويج بضائع مجهولة المصدر في قلب الدوحة تتضمن مقويات وأعشابا طبية وأدوية وغيرها من المنتجات المقلدة والتي لا تخضع إلى رقابة، وقد تكون منتهية الصلاحية أو غير مسموح باستخدامها، ما يشكل تهديدا للصحة العامة ويفتح الباب واسعا أمام الأسواق العشوائية والمنتجات غير المطابقة للمواصفات، مشيرين إلى انتشار ظاهرة الباعة الجائلين الذين يبيعون منتجات مهربة وغير خاضعة للإشراف في الشوارع القريبة من الأسواق ومواقف السيارات والحدائق العامة ومناطق تجمع المواطنين والمقيمين حتى وصلت إلى أبواب المساجد، ما يتطلب تحركاً لمواجهتها.
ورأوا أن حل هذه المشكلة يتطلب التوعية وفرض مزيد من الرقابة ولن يكون بالحلول الأمنية وملاحقة الباعة بالشوارع والميادين، مشيرين أن أسعار الخلطات الخاصة التي يقدمها البعض على أنها علاج للضعف الجنسي أو لبعض الأمراض الجلدية والقولون وصلت إلى أسعار مرتفعة جدا مقارنة بما تباع في الصيدليات رغم أنه لم تثبت بعد فعالية تلك الأعشاب، بل إن الكثير من الأبحاث الطبية تؤكد خطورتها على الصحة العامة، وتعتبر بمثابة سموم جاهزة، مطالبين الجهات المعنية بعدم السماح بدخول أي خلطات أو أدوية عشبية إلى البلاد إلا بعد فحصها والتأكد من أنها لا تمثل أضرارا على الصحة العامة، وكذلك فرض عقوبات رادعة على التجار الذين يقومون بإدخال تلك المواد إلى البلاد، والقيام بحملة توعوية في وسائل الإعلام والمدارس بمخاطر شراء منتجات غير خاضعة للإشراف الصحي والطبي.

الاستشارة الطبية ضرورية
في البداية يقول الدكتور د.محمد علي الحجاج، رئيس قسم الصحة المهنية: إن كثيرا من الأعشاب المقوية لها مخاطر عديدة فمثلا عشبة «الجنسينغ» التي تسمى بالعشبة السحرية تؤدي إلى مخاطر صحية لمرضى السكري والقلب وتسبب السرطان وأمراض العقم لبعض الفئات العمرية، وتحتوي على مواد سامة وخطرة، كما أنها لم تحظَ بالدراسات العلمية الكافية لمعرفة مدى تأثيرها على الأشخاص وهو ما يتطلب فحص المرضى قبل استخدامهم لبعض الأعشاب.
وأشار د.الحجاج إلى أن الأدوية تفقد مكوناتها ويقل تأثيرها بعد عدة سنوات نظرا للتطور العلمي، لكن في الأعشاب الطبية نجد العكس؛ حيث يتم تقديم العشبة الواحدة لآلاف المرضى دون علم أو دراية بمكونات العشبة ومدى فعاليتها، ونوعية التربة التي نبتت فيها الأعشاب السلبية.
كما أشار د.الحجاج إلى أنه فضلا عن ذلك فإن بعض الأعشاب لها آثار جانبية، مثل مشروب عرق السوس الذي لا ينصح مرضى ارتفاع ضغط الدم بتناوله لأنه يرفع الضغط، محذرا من تداول بعض الوصفات التي يقال إنها تعالج بعض الأمراض المزمنة وتقوي القدرات والذاكرة، فيما ثبتت خطورتها على صحة المريض؛ حيث تتسبب في الإصابة بالأزمات القلبية والهبوط الحاد في الدورة الدموية.

أرباحها كبيرة
ومن جهته أوضح حسن المهندي: أن تجارة الأعشاب بشكل عام تدر أرباحا كبيرة وسريعة على ممارسيها، خصوصا تلك الأعشاب التي يعتقد البعض أنها تعالج أمراض القولون «الالتهابي، النقرس، والعصبي» وكذلك أمراض الربو والروماتيزم والأمراض الجلدية «الصدفية والإكزيما»، فضلا عن داء السكري والضعف والعقم.
وأضاف المهندي أن تلك الأعشاب تمثل تهديدا كبيرا للصحة العامة وتحمل مخاطر كبيرة، حيث إن من يشترونها يتناولونها بعيدا عن الرقابة؛ مطالبا بقوانين صارمة للحد من انتشار تلك الأعشاب وأي أدوية أخرى سواء كانت طبيعية أو اصطناعية ما لم تثبت جدواها؛ وذلك للمحافظة على الصحة العامة للمجتمع.
وأكد المهندي أن حل هذه المشكلة لن يكون بالحلول الأمنية وملاحقة الباعة الجائلين في الشوارع والميادين، وإنما الحل يجب أن يكون شاملاً وكاملاً لإيجاد حل حقيقي لهذه الظاهرة، لأن ظاهرة الباعة الجائلين مرتبطة بظاهرة العمالة السائبة وهم لجؤوا للبيع على الرصيف لعدم وجود فرص عمل مناسبة لهم.

خلطات مجهولة
ويرى فهد المري: أن بعض العطارين يصرفون الخلطات والأعشاب عن طريق التجارب أو التوقعات أو سماعها من أشخاص آخرين، وهم يجهلون تركيبتها الكيميائية وهل تحتوي على مواد محظورة أم لا، إلى جانب جهلهم بالأماكن التي يتم إعداد تلك المنتجات فيها.
وأضاف المري أن غالبية تلك المنتجات التي يبيعونها تختلف عن المنتجات الأخرى التي تباع بباقي الصيدليات والمراكز المتخصصة؛ حيث تكون رديئة وأقل جودة، ويقوم البائعون ببيعها بأسعار أقل، مشيراً إلى أن عدد البائعين يزداد كل فترة والحل يجب أن يكون على كافة المستويات ومن خلال التعامل معهم وترخيص أماكن للكشف عن المنتجات التي يروجون لها للحد من تلك الظاهرة كي لا تؤثر على المواطن.
وأوضح المري أن السلع التي تروج معرضة لأشعة الشمس المباشرة وعوادم السيارات هذا بخلاف طرق التخزين السيئة، ما يجعلها معرضة للتلوث وبالتالي نشر الأمراض الخطيرة لانعدام الشروط الصحية اللازمة لعرض تلك المنتجات تحت درجة حرارة منخفضة، مشددا على ضرورة مواجهة الظاهرة بشكل جذري، من خلال تكثيف الحملات التفتيشية في أماكن وجود الباعة الجائلين، واتخاذ الإجراءات القانونية ضد المخالفين لتحقيق الردع المطلوب، وحماية الصحة العامة للمستهلكين.

500 ريال للوصفة
وبدوره، قال محمد غلام: خلطات الأعشاب المقوية للأعضاء أو لأمراض أخرى تجهز حسب رغبة الزبون، وتختلف الخلطة باختلاف الجنس والعمر، وخلطة السيدات تختلف عن خلطات الرجال، لكن الأسعار متقاربة بشكل عام، وتتراوح بين 500 و600 ريال قطري حسب نوع الخلطة.
ويضيف غلام بعض زبائننا من السيدات المقيمات اللواتي يبحثن عن تلك الخلطات لأنه لا يجدنها في دولهن، فالأمر لا يقتصر على الرجال فقط ولكن تقبل بعض السيدات على شراء تلك الأعشاب لتقديمها لزوجها كنوع من العلاج الطبيعي ومشاركة منها في الوصول إلى طرق أنسب للعلاج من دون خجل، مشيراً إلى أن %70 من مستخدمي تلك الخلطات هم من الرجال والنساء حديثي الزواج.
وأشار غلام أن التجارة الإلكترونية أسهمت في انتشار ورواج الأعشاب، خصوصا تلك التي يعتقد أنها تعالج الضعف والتخسيس وكل ما يتعلق بالمظهر العام؛ إذ يتجاوب معها كثير من الناس، كما يذهب ضحيتها العديد من الشباب الذين يستخدمون خلطات معينة ويتبعون برامج توصي بها الشركات الوهمية الموجودة على مواقع التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت.
وأوضح غلام أن بعض باعة الأعشاب المقوية، اﺳﺗﻐﻠوا ارﺗﻔﺎع اﻷﺳﻌﺎر ﻓﻲ اﻟﺻﯾدﻟﯾﺎت ﺑﺎﻟﻧﺳﺑﺔ ﻟﻸدوﯾﺔ اﻟﺗﻲ ﺗﻌﺎﻟﺞ اﻟﺿﻌف وغيرها من الأدوية الأخرى، ﻛﻣﺎ أن رﻏﺑﺔ البعض في عدم ﻣراﺟﻌﺔ اﻷطﺑﺎء ﻟﻠﺑﺣث ﻋن ﻋﻼج ﻷﻣراﺿﮭم تدفعهم إﻟﻰ اﻟﻠﺟوء إﻟﻰ وﺳﺎﺋل أﺧرى ﺗﺣﻔظ لهم أسرارهم وﻻ تشعرهم بالحرج، فيكون الخيار اﻷﻋﺷﺎب والدهون والخلطات اﻟﺗﻲ ﺗﺑﺎع ﻓﻲ ﻣﺣﺎل اﻟﻌطﺎرة وﺑﻌض اﻟﺷوارع اﻟﺧﻠﻔﯾﺔ.

مخاطر صحية
من جانبه قال محمد اليامي: إن كثيراً من البضائع غير مطابقة للمواصفات الصحية، وبعضها فاسدة ومجهولة المصدر، خاصة معلبات الأعشاب الطبية، موضحا أن الظاهرة تتمركز في المناطق التي يسكن ويعمل بها المقيمون، ويجب على السلطات المختصة تشديد الرقابة على هذه المناطق خاصة قلب الدوحة وبجوار الأماكن السياحية.. مشيراً إلى استغلال التجار لهذه الفئة من المواطنين لحاجتهم لبضائع رخيصة الثمن نظراً لظروفهم الاجتماعية والاقتصادية وارتباط هذه الظاهرة بالعمالة السائبة وثيق جداً؛ إذ إن جميع البائعين من العمالة التي لا تجد لها عملا أو المخالفين لشروط الإقامة والربح السريع هو هدفهم الأساسي.
واقترح اليامي تخصيص أماكن مخصصة لهم لعرض منتجاتهم بطرق قانونية وإصدار تصاريح لهم تحت إشراف الجهات المختصة؛ حرصاً على المواطنين ووضع حلول لهذه الظاهرة حتى لا تشكل خطراً على الأمن العام. وحذر من تطور الظاهرة خاصة مع انتشار السويكة وبيع سلع مجهولة المصدر، مشددا على أهمية زيادة الحملات التفتيشية من قِبَل وزارة البلدية على المناطق التي يوجد فيها الباعة الجائلون، خاصة المناطق خارج الدوحة واتخاذ الإجراءات اللازمة لردع المخالفين للحد من انتشار الظاهرة في المجتمع.

الأعشاب ضرورية
من جانبه قال محمد حسن أحد أشهر العطارين بسوق واقف: إن انهيار القدرة الشرائية لدى البعض مقابلة ارتفاع أسعار الدواء يعتبران السبب الرئيسي وراء لجوء بعض المرضى إلينا، خاصة بعد التأكد من مدى فاعلية هذه المستحضرات الطبيعة في علاج الكثير من الأمراض، وتخفيف آلام ومضاعفات أمراض أخرى.
ويضيف حسن «أن الفترة الأخيرة شهدت نصيحة معظم الأطباء باستخدام الأعشاب الطبيعية، ما جعل الكثيرين يقبلون على العلاج بالأعشاب الطبيعية بصورة أكبر من الدواء».
ويؤكد حسن أن دوره يقتصر على إعطاء الأعشاب المناسبة للمرضى بناء على تشخيص الطبيب، مضيفا أن في بعض الحالات مثل مرضى الروماتيزم والعقم أطلب منهم إجراء تحاليل وعرضها على الطبيب قبل إعطائهم الأعشاب لتحديد الجرعات المناسبة، مشيراً إلى أن بعض الأمراض لا يمكن علاجها بالأعشاب الطبيعية مثل «السرطان» و «القلب»، وفي هذه الأحوال تكون الأعشاب مكملة للأدوية الكيماوية أو مخففة لمضاعفاتها.
ويتابع حسن حديثة موضحا أن زيت الزيتون يستخدم لدى العديد من الشعوب كمادة علاجية طاردة للعصارة الصفراوية (في حالات احتقان المرارة والقنوات الصفراوية) وملين خفيف في حالات الإمساك. كما استعمل زيت الزيتون في الطب الشعبي الروسي مع الحليب لإحداث القيء في حالات التسمم الشديدة. كما يستخدم زيت الزيتون في عمل مساج خفيف في حالات آلام الظهر (عرق النسا) وبخاصة في مناطق انتشار الألم.
وقال حسن: رغم التطور الهائل في علم الأدوية وظهور أعداد هائلة من الأدوية في شتى مجالات العلاج خاصة خلال القرن الماضي، فإن السنوات القليلة الماضية شهدت عودة إلى استخدام الأعشاب الطبية في علاج الأمراض كواحدة من أهم أفرع الطب البديل، ولا يقتصر الاهتمام بالتداوي بالأعشاب على الدول المتقدمة، بل تعداها إلى الكثير من بلدان العالم النامي.
وأوضح حسن أن البعض يرون في الأعشاب الطبيعية الأمان الكامل، ولا شك أن عامة الناس يميلون إلى الاستشفاء من صيدلية الطبيعة التي حبانا بها الله، والتي طالما جادت علينا بشتى أصناف العلاج والدواء والشفاء في كثير من المجالات الصحية والبيئية. ومقولة الصيدلية القديمة صارت حديثة تُعد صحيحة تماما؛ حيث إن معظم العقاقير الحديثة مصنوعة من الأعشاب، إلا أن العطارين باقون بأعشابهم وروائحهم ومنتجاتهم العتيقة رافعي شعار: دع عقاقيرك في قواريرك.. وعالج نفسك بالغذاء لا بالدواء. ولا شك أن هناك فئة من تجار الأعشاب استغلوا تطلع المرضى للشفاء فوقع هؤلاء المرضى تحت طائلة التعرض للخداع والاستغلال من المحتالين الذين يدفعهم الجشع والرغبة في تحقيق الربح لابتزاز المرضى عن طريق بيع الوهم، أو الأمل في الشفاء بأثمان باهظة.

عودة للأعشاب
ويوضح د.عبدالرحمن جبر، أستاذ الميكروبيولوجي، أن الأعراض الجانبية للعلاج الكيميائي وراء العودة للأعشاب، لافتا إلى أن الطب البديل له شعبية كبيرة بين المصابين لأسباب اقتصادية واجتماعية. والقضية الآن هل تعتبر الأعشاب الطبية غذاء أم دواء أم مكملات غذائية؟ وهل تخضع لضوابط سلامة الغذاء أو الدواء؟
الواقع يقول: إن كيفية تحضير الأدوية العشبية وتداولها وطريق توزيعها وكذلك أسباب وكميات تناولها تختلف تماما عن تعامل المريض مع الدواء. وفي كثير من الأحيان تتعرض الأعشاب أثناء عملية انتقالها من الأرض للعطار ثم للمستهلك لعوامل التلوث خاصة عندما يتعلق الأمر بصغار المنتجين الذين يزرعون بعض هذه الأعشاب مثل الكمون ثم يتركونها تجف على سطح حظيرة المواشي فينتشر بها الميكروبات سواء في مراحل الإعداد أو التخزين أو التوزيع، الأمر يحتاج لأسلوب علمي لتصل هذه الأعشاب الطبية بشكل سليم للمستهلك. إما بتجميع هذه الأعشاب ومعالجتها صناعياً أو تطهير المواد الخام أو المنتج النهائي سواء بمعالجتها إشعاعيا أو بالغازات. ولكن هذا الحل الصناعي سيرفع بالطبع من ثمن هذه الأعشاب ويقلل من ثبات العناصر الحيوية بها ويخفض من فترة الصلاحية أو يؤثر على النكهة الخاصة بها.
ويضرب د.عبدالرحمن مثالا على خطورة التهاون في معالجة الأعشاب بتعرضها لسموم «أفلاتوكسين» وهي مواد سامة تفرز أثناء نمو بعض الفطريات وهي سامة للكبد وتعد أيضاً مسببة للسرطان. وخطورة هذه السموم تكمن في تواجدها في أعلاف الحيوان وانتقالها للإنسان عبر حلقة الغذاء فتسبب له مشاكل صحية.