القرآن الكريم هو ذروة البلاغة العربية
موضوعات العدد الورقي
12 يونيو 2018 , 05:43ص
يوسف القرضاوي
يتناول فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي -رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين- في كتابه: «محمد رحمة الله للعالمين» -والذي تنفرد «العرب» بنشره عبر صفحاتها- حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن سِيرته، ودَعْوته، ومواقفه، وأخلاقه، ورسالته الْفَذّة التي حَمَلَها محمد إلى العالَم الكبير، ليُخْرِجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربِّهم إلى صراط العزيز الحميد. وقد جاء في كتاب فضيلته:
«كان الرسول الكريم بحكم أنه داعية، وداعية أوحى الله إليه كتاباً من عنده، هو ذروة البلاغة العربية، هذا الكتاب هو القرآن العظيم، الذي إن تلقَّه أمام الناس، يغب عن وعيه، ثم ينقله إليهم كلاماً غير كلام العادي، له رونقه الخاص، ومعانيه الخاصة، وأسلوبه الخاص، بحيث يشهد من يعرف العربية وأساليبها في الكلام من الشعر والنثر، والمرتجل والمنمَّق، بأن هذا القرآن أعلى وأسمى وأرفع من هذا كله.
حتى إن بعض الغربيين في عصرنا يسمع خطباً مطنبة لبعض خطبائنا الحاذقين، فتمر فيها استشهادات بآيات من القرآن الكريم، فإذا بهؤلاء الأجانب يشهدون بفطرتهم أن هذا الكلام له روح غير روح هذا الكلام.
ومع هذا، فإن هذا الرسول، وإن كان موقناً أن هذا الكلام من غير هذا الكلام، وله طريقته في التلقي، وهو قسري، يؤخذ جرماً كما تُلُقي، ويحفظ كما أنزل، ولكنه تسومح في قراءاته، فضلاً من الله تعالى، وكرماً ورحمة بعباده، وتيسيراً عليهم.
ونحن باعتبارنا عرباً مشغولين بالقرآن العربي، وبالبيان العربي، وبالأدب العربي، وبالشعر العربي، وبالنثر العربي، وبكل ما قاله العرب من الرسائل والقصص والمقامات والمخاطبات والأمثال... إلخ، نحن نعرف أن هناك فرقاً بين كلامنا وبين القرآن الكريم، فليس هناك مجال لأي خلط بين هذا الكلام الإلهي وبين الكلام البشري الذي يجيء به سيد البشر وسيد متكلميهم محمد بن عبدالله.
ومن قرأ الأحاديث الصحيحة والحسنة، التي قبلها العلماء، وضموها إلى مدونة «الحديث النبوي» التي قبلها العلماء الذين لا يختلف اثنان في أنهم ممن يعول عليهم، ويؤخذ عنهم، ولا حرج عليهم في حسن فهم، أو حسن خلق، أو حسن تأدب، فهم ليسوا من أهل الخرق، الذين ينزعون من أجل أي شيء غريب، يشذ عن بيئة معينة، وكان هذا القرآن المعجز الذي شغل الدنيا كلها بما جاء به، مما حير الحليم، وأعجز الحكيم، وأفحم الحليم أن هذا الكتاب هو المعجزة الكبرى لهذا الرسول الأخير للعالم من عند الله، وهو أكبر من كل ما جاء به المرسلون على اختلاف العصور، بل كشف لهم أنه جاء بما لم تجئ به المعجزات الهائلة.
ماذا عن أمة تقول في هذه السور والآيات التي جاء بها هذا القرآن، وواجه بها هذا المجتمع الجاهلي المتحجر، الذي واجه هذا القرآن، وهذا الرسول، وهذه المجموعة الصغيرة الفقيرة المؤمنة من حوله، إنهم كانوا يتواصون بالبعد عن هذا القرآن، وعن الاستماع إلى هذا الكتاب الذي يتلوه محمد، يزلزل القلوب التي تسمعه، ويهز العقول التي تنصت له، {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف:179].
وكان محمد الذي ينزل عليه هذا الكتاب من ربه، متأثراً به، فكلامه كأنه تنزيل من التنزيل، أو قبس من نور الذكر الحكيم، ومن يتتبع كلامه هذا يجده غير القرآن من غير ش،. ولكنه يجد له به صلة، وله نور منه، وله روح يسري في كيانه، فتجد فيه كليات تجعله فريد دهره.
جوامع الكلم:
ومما امتازت به بلاغته صلى الله عليه وسلم واعتبر من الخصائص النبوية، التي ذكرها علماء السيرة عنه عليه الصلاة والسلام في جملة ما منّ الله به عليه، واختصه به: جوامع الكلم.
والمراد به: الكلمات القليلة الحروف، المتضمنة لمعانٍ كبيرة، وهي كثيرة مبثوثة في كلامه الشريف، مثل:
«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» ( ).
«ليس الخبر كالمعاينة» ( ).
«إذا لم تستح فاصنع ما شئت» ( ).
«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» ( ).
«أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً» ( ).
«الحياء لا يأتي إلا بخير» ( ).
«إن الله لا يمل حتى تملوا» ( ).
«إن الله لا ينظر إلى أجسامكم وصوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» ( ).
«بئس مطية الرجل: زعموا» ( ).
«خير النكاح أيسره» ( ).
«خير الصداق أيسره» ( ).
«خير دينكم أيسره» ( ).
«أفضل الصدقة ما أبقت غنى» ( ).
«اليد العليا خير من اليد السفلى» ( ).
«الناس معادن» ( ).
«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ( ).
«إن لصاحب الحق مقالاً» ( ).
«الدين النصيحة» ( ).
«إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» ( ).
«يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» ( ).
«رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر» ( ).
«السفر قطعة من العذاب» ( ).