الصدقة على القرابة أفضل منها على غير القرابة لأنها صدقة وصلة
باب الريان
11 أغسطس 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر: محمد صبره
فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيما ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينا ذَا مَتْرَبَةٍ}
فسَّر ربنا عز وجل العقبة، التي يجب على الناس اقتحامها، وهي أمور كلها تتعلق بإلخلاص من أسر المال للإنسان، وإنفاقه حيث يحب الله سبحانه. وهو لا يحب إنفاق المال إلا في الجهات التي فيها حرية الإنسان وخيره وقضاء حاجاته.
أول هذه الإنفاقات: {فَكُّ رَقَبَةٍ} والمراد رقبة الإنسان الواقع في الرق، أو في الأسر، والمطلوب تخليصه وفك رقبته المغلولة، بكونه رقيقا إن عبدا أو أمة لسيده، إن كان واحدا، أو لعدد من السادة إن كانوا شركاء فيه. والإعانة في فك رقبة الإنسان من الرق والعبودية من أعظم ما يقرب الإنسان إلى ربه. ولذا يعتبر (الإعتاق) من أعلى الخيرات، وأفضل القربات إلى الله في نظر الإسلام.
ويقرب من ذلك إذا كان أسيرا، يطلب إخراجه من أسره، وتسليمه محررًا إلى قومه.
بدأ القرآن بفك الرقبة، لأنه تحرير للإنسان وذريته من جرثومة العبودية، التي تجعله مملوكا لآخر أو آخرين، كما يملك البهيمة، ثم بدأ في لون آخَر من التحرر، ولكنه ليس الآخِر، حين ينقذ بالإطعام - إعطاء الطعام أو شرائه- لمن لا يجده، في أيام الجوع والمسغبة، أي: انتشار المجاعة.
والإطعام في أيام الجوع والمسغبة، له فضل عظيم عند الله وعند الناس، ولهذا ذكره القرآن: {فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ}.
ثم إن الإطعام أصاب {يَتِيما ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينا ذَا مَتْرَبَةٍ}0 فالذين أنفق عليهم كانوا أحق بالإطعام والإنفاق: فهو يطعم يتيما له قرابة منه، يجب عليه أن يواسيه ويكرمه ويعطيه، و توجب له حقا آخر وهو الصلة. وكذلك المسكين ذو المتربة، فمسكنته لها حقها، وكونها مسكنة شديدة جعلت صاحبها (يده والتراب) كما يقول الناس. ليس بينه وبين التراب حائل.
وقوله: {فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} يدل على قلة الطعام وعزته في ذلك اليوم، ولا يقصد باليوم هنا: أربع وعشرون ساعة. بل مدة السغب والجوع.
والإطعام محمود، ولكنه مع السغب أفضل وأحمد. وتركه مع السغب وشدته أذم وأنكى.
وأنشد أبو عبيدة:
فلو كنت جارا يا ابن قيس بن عاصم لما بت شبعانا وجارك ساغبا
وإطعام اليتيم ذي المقربة –وهي القرابة- هنا يعلمك أن الصدقة على القرابة أفضل منها على غير القرابة، لما لصلة الأرحام من فضل، فهي صدقة وصلة، كما في الحديث. كما أن الصدقة على اليتيم الذي لا كافل له أفضل من الصدقة على اليتيم الذي يجد من يكفله.
والمسكين ذو المتربة، يعني: الذي لا شيء له، حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر، ليس له مأوى إلا التراب. قال ابن عباس: هو المطروح على الطريق، الذي لا بيت له.
وليس معقولا أن يوجب الله الإطعام لإنسان ذي مقربة، أو مسكين ذي متربة، ثم يتركه عريانا لا يكسوه ما يستحق أو يحتاج إليه من اللباس، أو يدعه في العراء، لا يهيئ له ما يسكنه من الحجرات والمباني اللازمة بإيوائه وستره، وقد قال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنا} [النحل:80].
{ثُمَّ كَانَ مِنَ الذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}
ثم إنه مع إطعامه وإنفاقه واهتمامه بالضعفاء وأهل العوذ والحاجة من المسلمين: مشدود إلى أصل الإيمان، مرتبط بالجماعة الإسلامية. والأمة الإسلامية، فإن انفصاله عن الأمة، يجعل نفقاته -وإن كثرت- غير مقبولة عند الله، كما قال تعالى في شأن المنافقين: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إلا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إلا وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة:54]. وقالت عائشة: يا رسول الله، إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم الطعام، ويفك العاني، ويعتق الرقاب، ويحمل على إبله لله، فهل ينفعه ذلك شيئا؟ قال: «لا، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين».
والحديث يدل على أن هذه الصدقات والأعمال الطيبة، لا تؤمن له دخول الجنة، لعدم وجود الإيمان، ولا يدخلها إلا مؤمن، ولكنها تخفف من عذابه في النار، فليسوا متساوين فيها، والظالمون والفساق أشد عذابا من الآخرين من ذوي الرحمة، وأهل القلوب الطيبة.
لهذا توقع هؤلاء أنهم يأوون إلى أمة مؤمنة آمنت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، فنجت به من عذاب النار، واستحقت به دخول الجنة. لهذا قال : {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} انضمامهم إلى هذه الأمة المرحومة، أدخلهم في الرحمة، ومكن لهم في الجنة، بما آمنوا بالله ورسالاته ولقائه وحسابه وجنته وناره، وبما أكد هذا الإيمان: أنهم أوصوا بعضهم بعضا بأمرين مهمين في غاية الأهمية، وهما: الصبر والمرحمة، تواصى بعضهم مع بعض بالصبر، ظاهرا وباطنا، سرا وعلنا.
الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصيته، والصبر على قضائه، والصبر على دعوته ومشاقها، وتواصوا مرة أخرى بالمرحمة، أي: أن يرحم بعضهم بعضا، فلا ينسى القوي الضعيف، ولا يهمل الغني الفقير، ولا يترك الناس العناية بالضعفاء، مثل: النساء والمساكين واليتامى وأبناء السبيل والرقيق، وخصوصا إذا كانوا من الأهل والقرابة، فيكون حقهم حقين.
{أُولَئِكَ أَصْحَابُ المَيْمَنَةِ}
أولئك أهل اليمين، الذين يأخذون كتابهم يوم القيامة بأيمانهم، وهم من الناجين ومن أهل الجنة، وهم أيضا ميامين على أنفسهم، فإذا أخذتهم من جهة اليمين، أو من ناحية اليُمن كانوا على خير.
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ المَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ}
الذين كفروا بآيات الله المبثوثة في كتابه وقرآنه العظيم، أو الآيات التي بينها في كونه الكبير، وهو مصحف منثور، والآخر مصحف مسطور. الذين كفروا بآيات الله جميعا، هم أصحاب المشأمة. أي: يأخذون كتبهم بشمائلهم، شأن الكفار جميعا، فالمشأمة هنا: أي: الشمال. أو لأنهم مشائيم على أنفسهم، من الشآمة والشؤم.
وبجمع هذه الأقوال يمكن أن يقال: إن أصحاب الميمنة أصحاب الجنة، وأصحاب المشأمة أصحاب النار. قال تعالى: {وَأَصْحَابُ اليَمِينِ مَا أَصْحَابُ اليَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} [الواقعة:27-29]، وقال: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ} [الواقعة:41-42] وما كان مثله.
وقوله: {عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ} أي: مغلقة. كما قال الشاعر:
تحن إلى جبال مكة ناقتي
ومن دونها أبواب صنعاء مؤصدة
ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن، وهو في الدر المنثور للسيوطي.
*سورة الشمس
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15) }
السورة مكية باتفاق.وبعضهم كما في المصاحف اليوم يقولون سورة (الشمس) وفي صحيح البخاري: سورة:(والشمس وضحاها) وموضوع السورة القسم من الله تعالى ببعض الظواهر الكونية من الشمس والقمر والليل والنهار وغيرها، على أمر مهم وكبير{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} وذلك بطاعة الله ورسوله، وأكد ذلك بأن الذين خالفوا الله ورسله قد أنزل الله بهم عذابه وأهلكهم، ولم يبق لهم من باقية، كما حدث لثمود مع نبي الله صالح عليه السلام، {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا}.
{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا* وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا}:
بدأ الله تعالى السورة بواو القسم ليحلف لخلقه (بالشمس)، التي خلقها بارتفاعها وضيائها وحرارتها وتأثيرها على الحياة والأحياء، (وضحاها): أي ضوئها الذي يظهر في أوائل النهار، وشباب النهار.
ثم يثني القسم بـ(القمر) الكوكب المعروف في السماء، الذي يستمد ضوءه من الشمس؛ لذا قال القرآن في سورة يونس:{هُوَ الذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} [يونس:5]، إنما جعل الشمس ضياء؛ لأن حرارتها من نفسها ومن أشعتها ذاتها، بخلاف القمر، فإن نوره من الشمس.
وتلو القمر للشمس يعني: أنه يتبعها دائما في كل وقت؛ لأنه يستضيء منها، فهو يتلوها لذلك.
{وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا}
النهار هو الزمن الذي يبدأ من طلوع الشمس، بخلاف اليوم، فهو يبدأ من طلوع الفجر، ولا خلاف أن نهايتهما مغيب الشمس.
والضمير في (جلاها) يعود على الشمس ، كالذي قبله والذي بعده. فالنهار هو الذي يجلي الشمس ويظهرها بقوة ووضوح.
{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا}
والليل هو الزمن يبدأ بعد انتهاء النهار ومغيب الشمس، ولذا قال: إِذَا يَغْشَاهَا أي: يغشى الشمس ويغطيها بظلمته وفق سنن الله تعالى في كونه. والضمير للشمس على تجوز في المعنى.
{وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا* وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا}:
كلها داخل في القَسَم الذي بدأت به السورة، وهي تبدأ بكل اثنين بينهما علاقة، كالشمس والقمر، والنهار والليل، وهنا: السماء والأرض.
أقسم الله هنا بالسماء: هذا المخلوق الذي جعله الله سقفا مرفوعا لنا يظلنا، {وَمَا بَنَاهَا}: (ما) هنا مصدرية، أي: والسماء وبنيانها، ولا ضرورة لأن نجعلها موصولة بمعنى (مَن)، ليكون المعنى: والسماء وبانيها وهو الله رب العالمين؛ فلو أراد الله أن يقسم بذاته لأقسم به واضحا فصيحا بينا بلا مواراة.
ثم أقسم عز وجل بالأرض في مقابل السماء، وكلاهما من مخلوقات الله تعالى الدالة عليه وعلى علمه وقدرته وأحكامه، كما قال تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ المَاهِدُونَ} [الذاريات:47-48].
({بِأَيْدٍ} أي: بقوة).
{وَمَا طَحَاهَا}: أي: وما بسطها، قال ابن كثير: هذا أشهر الأقوال، وعليه أكثر المفسرين، وهو المعروف عند أهل اللغة، قال الجوهري: طحوته مثل: دحوته، أي: بسطته. وقد قال تعالى على لسان نوح: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا} [نوح:19-20].
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}:
هذا هو القسَم السابع مما أقسم الله تعالى به في هذه السورة، ، فترك القسَم بالكَوْنيات والطبيعيات ليدخل على أنفسنا التي بين جنوبنا، وهي عالم وحدها لا يقل عن هذه العوالم الكبيرة، كما قال الشاعر قديما:
دَوَاؤكَ فيكَ وما تَشْعُرُ
وداؤك منكَ وما تبصرُ
وتحْسِبُ أنَّك جِرْمٌ صَغيرٌ
وفِيكَ انْطَوَى العَالَمُ الأكبَرُ
ولهذا قال القرآن:{وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات:20-21]. وقال تعالى:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ} [فصلت:53].
{وَمَا سَوَّاهَا}: ما مصدرية، أي وتسويتها. والتسوية من كمال الخلق، كما أن الهداية من كمال التقدير، ولذا قال تعالى:{الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى:2-3]. وتسوية النفس إكمالها، وإتمام خلقها، حتى تؤدي ما خلقت له، كما قال تعالى : {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50]. فمعنى{ سَوَّاهَا}: خلقها سوية مستقيمة، على النظرة القويمة، كما قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ التِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم:30].
وفي الحديث الصحيح: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ».
وفي صحيح مسلم من رواية عياض بن حمار المجاشعي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم».
ثم بين سبحانه وتعالى أثر هذه التسوية في الآية التالية فقال:
{فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} أي: غرس في أنفسهم القابلية للفجور والتقوى، أي بين ذلك لها، وهداها إلى ما قدر لها، قال ابن عباس وغيره: أي بيّن لها الخير والشر.
{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}:
هاتان الجملتان هما الأمر المقسم عليه، وهو أمر جد كبير، وجد مهم.
- بمَ يكون الفلاح؟
- وبمَ تكون التدسية؟
الفلاح، وهو نيل الإنسان ما يجب، وسلامته مما يكره، مربوط بتزكية النفس.
والتزكية كلمة تعني أمرين في لغة العرب: الطهارة والنماء. ومعنى هذا: أن الذي يجتهد في تزكية نفسه، بتطهيرها من الكفر والنفاق ورذائل السوء، ومنها الغش والظلم والإيذاء، خصوصا للمستضعفين من أهل الحق، فبالإيمان والإخلاص ومكارم الأخلاق، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر والمرحمة، يُنال الفلاح في الدنيا، وينال الفلاح في الآخرة، كما قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى:14]. وقال سحرة فرعون بعد إيمانهم في جزاء من آمن وعمل صالحا:{وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} [طه:76].
وقد كان من أساسيات مهمة محمد صلى الله عليه وسلم في أمته: أن يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم.
{وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}:
هذه هي التكملة المهمة لعلاج النفس الإنسانية: أن من زكاها أفلح وفاز، ومن دساها خاب وأخفق ولم يفلح، كما قال تعالى:{وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} [طه:61].
ومعنى (التدسية): أن يدسس نفسه ويخفيها، كأنما يضعها في الوحل، قال ابن كثير:(دساها) أي: أخملها ووضع منها بخذلانه إياها عن الهدى، حتى ركب المعاصي، وترك طاعة الله.
وروى الإمامان أحمد ومسلم عن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والهرم، والجبن والبخل وعذاب القبر، اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع، ومن دعوة لا يستجاب لها» قال زيد: كان رسول الله يعلمناهن، ونحن نعلمكموهن.
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا}:
ثمود قبيلة قديمة من العرب البائدة، كقبيلة عاد، ضربها الله مثلا للأمم والقبائل والبلاد، التي يهلكها الطغيان إذا انتشر فيها، والتي تدسي نفسها فتصيبها الخيبة وإلخسارة، {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}، فهذه تدسية جماعية؛ لذا قال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا}، أي: كذبت ثمود بنبيها، أو الأنبياء جميعا، كما قالت سورة الشعراء: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ} [الشعراء:141]. لأن من كذب رسولا واحدا، فكأنما كذب كل المرسلين من أمثاله، وهؤلاء كذبوا بصالح، وهم في الحقيقة مكذبون لمن هو مثله، وسبب هذا التكذيب إنما هو (الطغوى) أي: الطغيان، أي تجاوز الإنسان حده، وبغيه على غيره.
وقد جاءت قصة ثمود في سور عدة من القرآن، بتفصيل وإجمال، وفي هذا الجزء الأخير من القرآن ذكرت في بعض السور مثل البروج والفجر.
{إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا}:
إذِ اندفع هذا الرجل الشقي، بل الأشقى من ثمود إلى عقْر الناقة بنشاط وحرص، وقد سماه المفسرون، ولا دليل على تسميته، ولا حاجة لمعرفة اسمه، وهو أحد التسعة الرهط المفسدين.
{فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا}: رسول الله هنا هو صالح عليه السلام نبي القوم، الذي دعاهم إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام، واستعمار الأرض، واستغفار الله والتوبة إليه .
وقد طلبوا منه آية من ربه، فأخبره أن آيته هذه الناقة، فعليهم أن يدعوها تأكل في أرض الله، ولا يمسوها بسوء فيأخذهم عذاب اليم، وأنبأهم أن الماء قسمة بينهم، لهم يوم، وللناقة يوم.
وقال من قال من المفسرين: إن الناقة خلقت من الصخر خلق غير عادي، ولم يبين لنا القرآن هذا الأمر، وإن كان أمرها وحاجتها إلى الماء أمرا غير عادي.
{فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا}:
رسول الله هنا هو صالح، الرسول المبعوث إلى ثمود، كما قال القرآن في أكثر من سورة {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [الأعراف:،73، هود:61].
قال لهم: {نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا}، فنصب بفعل مضمر، تقديره: احفظوا، أو ذروا، أو احذروا، على معنى احذروا الإخلال بحق ذلك، والمراد التحذير من أن يسقوا إبلهم من الماء الذي في يوم شرب الناقة .
{فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا}: نسب إلى القوم كلهم التكذيب والعقر، مع قوله في أول القصة:{إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا}، وقال في سورة القمر:{فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ} [القمر:29].
فنسب العقر أي: النحر إليه وحده، ولكنهم هم الذين نادوه، وهم الذين شجعوه، ورضوا بعمله، فكانوا شركاءه في الفعل والإثم، فلا عجب أن ينسب إليه م جميعا العقر، {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا}: فقد ذبحوها جميعا، وباؤوا بوزرها.
يتبع غداً إن شاء الله...