ديريك بيرد.. سائق التاكسي الهادئ الذي قتل 12 شخصاً من بينهم شقيقه التوأم ثم انتحر
الصفحات المتخصصة
11 يونيو 2014 , 12:00ص
ترجمة - العرب
في يونيو 2010، أطلق (ديريك بيرد) النار على عدة أشخاص من دون انتقاء أو تخطيط، وقتل 12 شخصاً وجرح 11 آخرين، أثارت هذه الحوادث صخباً عارماً في ريف بلدة (كمبريا) الهادئة والتي تقع في الشمال الغربي من المملكة المتحدة.
كان (ديريك بيرد) - 52 عاماً أصغر أشقاء ثلاثة، وولد مع شقيقه التوأم (ديفيد)، في 27 نوفمبر عام 1957، للزوجين (جوزيف وماري بيرد). عاش مع صديقة الدراسة (ليندا ميلز)، وأنجبا طفلين، لم يتزوجا أبداً، وبدأت العلاقة في الانهيار وانتهت فعلياً في مطلع التسعينيات. بعدها انتقل (بيرد) للعيش في قرية (روراة) عيشة هادئة ومحترمة كسائق سيارة أجرة.
ويصفه الأهالي الذين عاشوا بالقرب منه بالجار المثالي، هادئ الطباع والخلوق، وكان عند شراء نصف لتر من الحليب من المتجر المحلي، يدفع للبائع بقشيشاً دائما، وكان من النوع الذي يلقي التحية بكل أدب على كل من يمر به في الشارع.. وبين عشية وضحاها، تحول هذا الشخص الطيب والمسالم إلى سفاح، يقتل بدم بارد.
جرائمه
في الثاني من يونيو 2010م، بدأ (ديريك بيرد) رحلته القاتلة، والتي انتهت بجرائم مروعة، و30 مسرحاً مختلفاً للجريمة، ثم انتحر بعد ذلك. خرج من قريته الهادئة متوجهاً نحو بيت توأمه (ديفيد) في (لامبلوغ)، ووصل إليه في ساعة مبكرة، صعد الدرج إلى غرفة نوم أخيه وأطلق النار عليه (11) طلقة وهو نائم في فراشه.
في الساعة الخامسة والربع، شوهد (بيرد) من خلال كاميرات المراقبة، وهو في طريقه لمنزل محامي العائلة (كيفن كومان) في (فريزنقتون)، وفي الساعة العاشرة والنصف، خرج (كومان) -60 عاماً- من منزله ليجد أن سيارته قد سد طريقها بواسطة (بيرد). ودون سابق إنذار أطلق (بيرد) النار مرتين على المحامي، طلقة في الكتف وطلقتين في الرأس. وشهد أحد الجيران هذه الحادثة.
كان مسلحاً بمسدس وببندقية مزودة بمنظار مقرب، لكنه وجدها غير كافية لإكمال ما عقد العزم على تنفيذه، فعاد إلى قريته لأخذ بندقية أخرى كان يحتفظ بها عند أحد الأصدقاء. لحسن الحظ، لم تعثر زوجة الصديق على مفتاح الدولاب. كانت الزوجة لا تعرف ما يخطر ببال صديق زوجها، فدعته لتناول كوب شاي، لكنه رفض وغادر.
في الساعة العاشرة والنصف تقريباً، وصل إلى (وايت هيفن) وأطلق النار على سائق سيارة أجرة (دارين ريوكاستل) وأرداه قتيلاً، كما أطلق النار على ثلاثة سائقين آخرين، لكنهم نجوا بأعجوبة. أصيب أحدهما إصابة بليغة أدت إلى بتر يده اليمنى. في تلك اللحظة سمع ضابط شرطة كان قريباً من المكان صوت إطلاق النيران، وشاهد البندقية في سيارة السفاح، وقام على الفور بإبلاغ غرفة العمليات التي أدركت أن قاتلاً طليقاً يختال مزهوا بأسلحته ويجوب شوارع القرية الهادئة، فاستنفرت كل قواتها للقبض عليه حتى لا يقوم بارتكاب جريمة أخرى، لكن (بيرد) وبحكم عمله كسائق تاكسي كان على دراية بكل شوارع المنطقة.
قام ضابط الشرطة بمتابعته بسيارة خاصة، وشاهد
(بيرد) يطلق النار على زوجين، مرا بسيارتهما بالقرب منه، فقام بطلب مساعدتهما، في تلك اللحظة انضمت سيارة أخرى للمطاردة، لكن السفاح وبكل جرأة قاد سيارته
في ممر ضيق وقام بإطلاق النار على الدورية، ثم هرب مسرعا بسيارته. بعد ذلك قامت الشرطة بتحذير دورياتها من هذا الرجل العدواني والمسلح في جميع أنحاء المنطقة. في تمام الساعة (11) عثر أحد الجيران على جثة توأمه (ديفيد).
اتضح أن (بيرد) قد
واصل رحلة الموت في شوارع بلدة (إيجريمونت) حيث أطلق النار على المسنة
(كينيث فيشبورن) - 71 عاماً، ثم قام بقتل (سوزان هيوز) - 57 عاماً، والتي كانت عائدة
إلى المنزل مشياً على الأقدام بعد القيام بالتسوق الصباحي.
ثم انتقل إلى قرية (ويلتون)، وقتل (جيسون كاري)، بعدها قتل (جنيفر جاكسون) - 68 عاماً وزوجها جيمس - 67 عاماً. وفي (كارلتون وود) قتل (إسحاق ديكسون) وفي (غوثفورث)، قتل (غاري بيردهام)- 31 سنة، وتبين أن السفاح قد تعود للجلوس في سيارته ودعوة ضحاياه وإطلاق النار عليهم فجأة.
تواصل القتل العشوائي
في قرية (سيسكيل) حيث قتل أصغر ضحاياه (جيمي كلارك)-23 عاماً، ثم قتل (مايكل بايك) - 64 عاماً، واختتم جرائمه المروعة بقتل (جين روبنسون)- 66 عاماً، والتي تواجدت في المكان الخطأ والوقت الخطأ، عندما كانت تعرض كتالوجات للأهالي. بعد ذلك توجه إلى منطقة (إيسكدال) وفتح النار على ستة أشخاص، وأصاب ثلاثة منهم، وقابل سائحة سألها عما إذا كان اليوم لطيفاً، وقبل أن تجاذبه أطراف الحديث أطلق النار عليها في وجهها، فسقطت على الأرض وتظاهرت بالموت، فتركها ظاناً أنه قتلها. أخيراً، نفد الوقود من سيارته وانفجر الإطار الأمامي ونفدت الذخيرة، فترك سيارته، وواصل مشياً على الأقدام، وفي الساعة الواحدة والنصف عثرت الشرطة على جثته منتحراً.
التحقيقات
اتخذت الشرطة كافة إجراءاتها، بدأت تحرياتها لمعرفة الأسباب والدوافع الحقيقية التي أدت إلى قيام شخص هادئ وودود لقتل (12) وجرح (11) آخرين بدم بارد، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، وإنما أنهى حياته بنفسه. في التحقيقات التي أجريت في الأول من مارس عام 2011م في (ركينغتون)، أعلنت الشرطة تفاصيل ما توصلت إليه واعتقدت أنها أسباب المأساة.
التحق السفاح في بداية حياته العملية في وظيفة نجار في (سيلا فيلد- كمبريا) وفي عام 1990 سرق من رب عمله وحكم عليه بالسجن لمدة سنة. إدانته بهذا الجرم المشهود لم تؤثر إطلاقاً على قدرته في امتلاك سلاح.
في هذا الأمر أكدت السيدة تيريزا ماي (وزيرة الداخلية البريطانية) أن (ديريك بيرد) صاحب ترخيص قانوني لامتلاك الأسلحة، وكان هذا التصريح بمثابة صدمة للجيران، الذين لم تكن لديهم أية فكرة عن هذا الترخيص. تبين فيما بعد أن والد (بيرد) المتوفى ترك له هذه البنادق، وقام الابن بتجديد الرخصة في عامي 1995م و2007م.
بعد أن خسر وظيفته في مطلع التسعينيات، عمل (بيرد) كسائق سيارة أجرة محلي. كان رجلاً هادئاً في طبعه، ورأى الكثير من أصدقائه بأن هذه المهنة لا تناسبه. في عام 2007م وفي إحدى الليالي اعتدى عليه أحد الركاب لتفادي دفع الأجرة، هذه الحادثة أثرت جسدياً وعقلياً على (بيرد) وأفقدته ثقته بنفسه. فأصبح موضع سخرية من زملائه سائقي الأجرة الآخرين.
في حادثة مماثلة، عندما كان في عطلة مع (تيري كينيدي) في تايلاند، كان (تيري) يعلم أن صديق رحلته (بيرد) يشرب كل ما تقع عليه عيناه في الثلاجة، فنصب له مقلباً ثقيلاً، حيث ملأ الوعاء بالصابون، الذي شربه وشرب معه المقلب، غضب (بيرد) غضبا شديداً لهذه المزحة الثقيلة، لكنه كتمها في قلبه وحملها ضغينة في دواخله. هذا المزح الثقيل الذي تعود عليه (بيرد) من أصدقائه، ذهب ذات مرة إلى أبعد مدى، حيث تم ثقب إطارات سيارته، وفي مرة أخرى سكبوا القهوة والحليب في مقاعد السيارة. ووفقا لشهود عيان، تعمد سائقو التاكسي، على أخذ دوره في طابور الزبائن.
ما حير الشرطة بشكل خاص قتله لشقيقه التوأم وقتله لمحامي الأسرة (كيفن كومان)، هذه الحيرة تبخرت بعدما علمت الشرطة أن السلطات كانت تجري تحقيقاً مع (بيرد) بتهمة التهرب الضريبي وكشف أحد الأصدقاء أن السفاح لم يدفع الضرائب لمدة 15 عاماً منذ أن أصبح سائق سيارة أجرة. كان خائفاً من الذهاب إلى السجن. قام المحامي بترتيب لقاء خاص مع الجهات المسؤولة في يوم 21 مايو 2010م، حيث أفهمه المسؤول أن المبلغ المطلوب منه طوال السنوات الماضية هو مبلغ 25 ألف جنيه إسترليني، وأن لديه في مدخراته حوالي (50) ألف جنيه، ويمكن للجهات المسؤولة اقتطاع المبلغ المطلوب منها، انتهى اللقاء، لكن قلقه لم ينته، زاد خوفه وقلقه، وأحس بأنه سيفقد منزله أيضاً. ورغم محاولات المسؤول لطمأنته، إلا أن (بيرد) لم يستمع إليه.
عقد اجتماع آخر صباح يوم 2 يونيو، لكن كانت الأمور قد بلغت من السوء مبلغاً عظيماً، وتخيل السفاح (بيرد) أن شقيقه التوأم (ديفيد) والمحامي (كيفن كومان) يحيكون مؤامرة في الخفاء ضده. كان يحسب في دواخله أن الاجتماعات ستكون مسجلة، وأن الشرطة ستجري القبض عليه يوم 2 يونيو وسوف يتم إرساله إلى السجن. وتبين من التحقيقات أن شقيقه (ديفيد) كان يمر بضائقة مالية في عام 1997. قبل عام من وفاة والدهما، قام (بيرد) بدفع مبلغ (25) ألف جنيه إسترليني لشقيقه كسلفة واجبة السداد، لكن بعد وفاة والدهما، لم يدفع (ديفيد) ديونه، فحملها (ديريك بيرد)
ضغينة في داخله، خاصة أن السفاح كان يمر هو الآخر ببعض الصعوبات المالية، إلى جانب رعايته لأمه المريضة. في أوائل عام 2010، أصبح (بيرد) مكتئبا للغاية، لاعتلال صحة أمه المسنة وخوفه المتزايد من دخول السجن بتهمة التهرب من الضرائب.
لخص عالم النفس الدكتور (ويست) تحليله النفسي عن حالة السفاح، وقتله 12 شخصاً بالرصاص، في أنه كان
يريد الانتقام لإخفاقاته المتكررة. وأكد التقرير الطبي النفسي،
أن (بيرد) من الأشخاص العاديين، لكنه راكم الضغائن والأحقاد بدواخله، حتى
وصلت مرحلة الانفجار. أما قتله لشقيقه التوأم (ديفيد) وكذلك محامي الأسرة (كيفن كومان) فهذا يعود إلى اعتقاده الخاطئ بأنهما يضمران في الخفاء شراً ويريدان إرساله إلى السجن
بأية طريقة. أما إطلاقه النار على زملائه من سائقي
التاكسي، فهذا يعود لإحساسه وشعوره بالمهانة والذل من النكات التي تقال عنه، أو من المقالب والمزاح الثقيل
معه. أما إطلاق النار على المارة من الغرباء بصورة عشوائية، فلأنه أراد أن يكسب سمعة سيئة ووضع منطقة (وايتهيفن) على الخريطة.