النفوس أنواع: أمارة بالسوء ولوامة على فعل المكروهات ومطمئنة بالإيمان
باب الريان
10 أغسطس 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر: محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين.
التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر.
وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط.
ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب.
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى}
إنه يوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يجيء الرب جل جلاله، المجيء الذي تحدثنا عنه، وتجيء الملائكة – جنود الرحمن- صفوفا صفوفا، متلاصقين منتظمين مستجيبين، ويجاء يومئذ بجهنم – دار العذاب المعدة للكافرين من قبل- فلم تنتظر حتى يصلوا هم إليه ا، بل حُركت إليه م، وسبقت إليه م، وجيء بها نحوهم على ضخامتها وهولها. وحين يرى الناس هذه الحقيقة الكبيرة: مجيء جهنم، وما أدراك ما جهنم؟ يومئذ يتذكر الإنسان، أي إنسان يرى هذا المشهد لا بد أن يسقط ويتوب ويندم، وتتجمع له الاف الذكريات، تلتف عليه، وتطوق عنقه، وأنى له الذكرى، ومن أين يكون له الذكرى، أو تنفعه الذكرى؟!
روى الإمام أحمد بسنده عن محمد بن أبي عميرة – وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- قال: لو أن عبدا خر على وجهه من يوم ولد، إلى أن يموت هرما في طاعة الله، لحقره ذلك اليوم، ولود أنه رد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب .
{يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}
يقول الإنسان في هذا اليوم متندما ومتحسرًا: ياليتني قدمت من الأعمال النافعة والطاعات الواجبة والمستحبة لحياتي هذه، فهي الحياة التي لا يستحق غيرها أن يسمي حياة، كما قال تعالى: {وَمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:64].
{فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ}
في يوم القيامة، لا يعذب كعذاب الله أحد، ولا يوثق كوثاق الله أحد، فما أعده من العذاب لمن كفر به وكذب رسله، وتمرد عليه وعصاه وآذى خلقه، ليس عند أحد من خلقه مثله، أو ما يقاربه وأنى لهم ذلك. وكذلك الأدوات المساعدة على التعذيب من القيود والأغلال والوثاقات لا يوجد عند أحد مثلها ولا ما يدانيها.
وهذا مبني على قراءتنا المعروفة بكسر الذال والثاء في الفعلين: (يعذِّب) و(يوثِق)، وهناك قراءة بالفتح فيهما {لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ}والضمير هنا يعود للإنسان الكافر بالله ورسله، أي: لا يعذب أحد مثل العذاب الذي يحيق بهذا الإنسان الكافر البائس، ولا يوثق أحد مثل وثاقه، جراء عمله وتمرده في الحياة الدنيا.
{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي}
بهذه الآيات الكريمات ختم الله هذه السورة، ختاما يرد النفس إلى حقيقتها، ويعيدها إلى ذاتها وإلى دارها.
إنها النفس المطمئنة، ومتى وصلت إلى هذه الدرجة العالية، التي يسعى إليها المؤمنون والرسل الكرام، كما قال الخليل إبراهيم: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260]، ووصف المؤمنين الذاكرين الله {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ إلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ} [الرعد:28].
ما وصلت النفس إلى هذه المرتبة، إلا بعد أن تحررت من النفس الأمارة بالسوء، كما قالت امرأة العزيز: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف:53].
وبعد أن وصلت إلى النفس اللوامة، التي نوه الله بشأنها في سورة القيامة: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة:1-2]، وهي النفس التي تكثر اللوم والعقاب والحساب لصاحبها على ترك الواجبات، وفعل المحظورات، بل ربما على ترك المستحبات وفعل المكروهات.
ثم ارتقت هذه النفس إلى أن انتهت إلى النفس المطمئنة، وإنما اطمأنت بالإيمان وبذكر الله تعالى، فوهب لها الطمأنينة والسكينة والأمان، كما ذكر القرآن: {هُوَ الذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح:4] {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام:82]. فهنا يخاطب الله هذه النفس التي ارتبطت به، وانخلعت من عباده، واطمأنت إلى جنابه {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر:27-28].
ارجعي إلى ربك، أي: إلى صاحبك وجسده. راضية عنه سبحانه، كما قال: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [البينة:8]. إذا ارجعي إلى ربك، أي: إلى الله تعالى، أي: إلى ثواب ربك وكرامته. فهذا ما يقال للنفس الزكية الدائرة مع الحق.
{فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)} أي: ادخلي في جملة عبادي الصالحين وفي حزبهم، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ} [العنكبوت:9].
وهذا يٌقال للنفس عند الاحتضار، وفي يوم القيامة أيضا، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلَائِكَةُ إلا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ التِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت:30]، وعند قيامه من قبره.
قال ابن كثير: فكذلك ههنا. وذكر بسنده حديثًا عن سعيد بن جبير: قال: قرأت عند النبي صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} فقال أبو بكر رضي الله عنه: إن هذا لحسن! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أما إن الملك سيقول لك هذا عند الموت». رواه ابن جرير، قال: وهذا مرسل حسن.
قال الرازي: قوله: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} أي: انضمي إلى عبادي المقربين، وهذه حالة شريفة، وذلك لأن الأرواح الشريفة القدسية تكون كالمرايا المصقولة، فإذا انضم بعضها إلى البعض، حصلت فيما بينها حالة شبيهة بالحالة الحاصلة عند تقابل المرايا المصقولة، من انعكاس الأشعة من بعضها على بعض، فيظهر في كل واحد منها كل ما ظهر في كلها، وبالجملة فيكون ذلك الانضمام سببا لتكامل تلك السعادات، وتعاظم تلك الدرجات الروحانية .
*سورة البلد
بسم الله الرحمن الرحيم
{لَا أُقْسِمُ بِهَذَا البَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا البَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) المْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلَا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ المَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ المَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)}
السورة مكية بلا ريب، ومن زعم أنها مدنية فهو واهم.
وقد بدأت بالقسم بهذا البلد، يعني: مكة المكرمة، البلد الحرام، وفيه البيت الحرام، أقسم الله بالبلد ووالد وما ولد، لعله بإبراهيم، وماولد من إسماعيل وأبنائه.
وكان المقسم عليه: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} خلق الإنسان في حياة مكابدة ومشاقة، وبينهما منحة الله للإنسان من جوارح ونعم، يستطيع بها أن يحصل من أسباب الحق وإلخير ما يهيئ الله له بقوله: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} طريقي الخير والشر، ولكل طريق منهما أدوات وأعوان ومصير ومسير، {فَلَا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ} ويفسر هذه العقبة وطريق اقتحامها، حتى يكون {مِنَ الذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ المَيْمَنَةِ}، وهذا هو الفريق الناجي، ومقابله الفريق الخاسر الضائع، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ المَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ}.
{ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا البَلَدِ}
لست في حاجة إلى أن أقسم، فالأمر واضح، ولا يحتاج إلى قسم، وهذا البلد هو أعظم بلاد الله، البلد الحرام، الذي فيه المسجد الحرام، والبيت الحرام، مكة المكرمة. التي ولد ونشا فيها خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، وبنى فيها إبراهيم وابنه إسماعيل المسجد الحرام.
{وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا البَلَدِ}
وأنت ساكن بهذا البلد. وهو بلد آمن بحكم تكوينه ووجود البيت الحرام فيه، فكل شيء فيه آمن إلا الرسول الكريم، حرموا أن يقتلوا به صيدا، وأن يعضدوا به شجرة، واستحلوا إيذاءك وإخراجك.
{وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ}
وأقسم بالوالد وما ولد، والمراد بالوالد: إبراهيم خليل الرحمن. وما ولد: إسماعيل عليه السلام، وذريته من العرب المستعربة، الذين منهم محمد عليه الصلاة والسلام، ونكرهما {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} إيذانا بالتفخيم والتعظيم.
وقيل: الوالد آدم والولد ذريته، وهو أنسب لمضمون الجواب: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ}.
وقيل: كل والد وولده.
{لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ}
جواب القسم السابق، وهو قسم أيضا من الله تعالى بأنه خلق الإنسان في شدة وعناء، وتعب ومشقة. مكابدات مستمرة منذ الطفولة وما بعدها، إلى الموت. فإنه لا يزال يقاسي فنون الشدائد من وقت نفخ الروح فيه، إلى حين نزعها منه، وما وراءه. يقال: كبد الرجل كبدا، إذا وجعت كبده. وأصله كبده: إذا أصاب كبده، ثم اتسع فيه، حتى استعمل في كل نصب ومشقة، ومنه اشتقت المكابدة.
وهو تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان يكابده من كفار قريش. وقال الحسن: يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة .
وعنه أيضا: يكابد الشكر على السراء ويكابد الصبر على الضراء؛ لأنه لا يخلو من أحدهما. ورواه ابن عمر .
وقال يَمانٌ: لم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم؛ وهو مع ذلك أضعف الخلق .
قال علماؤنا: أول ما يكابد قطع سُرَّته، ثم إذا قُمط قِماطا، وشدَّ رباطا، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابدُ الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرُّك لسانه، ثم يكابد الفطام، الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الختان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصَوْلته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج والتعجيل فيه، ثم يكابد شغل الأولاد، وإلخدم والأجناد، ثم يكابد شغل الدور، وبناء القصور، ثم الكبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها، ونوائب يطول إيرادها، من صُداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغمِّ الدَّيْن، ووجع السِّنِّ، وألم الأذن. ويكابد محنا في المال والنَّفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمضى عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ولا يكابد إلا مشقة، ثم الموت بعد ذلك كله، ثم مساءلة المَلَك، وضغطة القبر وظلمته؛ ثم البعث والعرض على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة وإما في النار؛ قال الله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَاَن فِي كَبَدٍ} فلو كان الأمر إليه لما اختار هذه الشدائد. ودل هذا على أن له خالقا دبَّره، وقضى عليه بهذه الأحوال؛ فليَمتثل أمره.
كل الأئمة والدعاة والهداة، عظَّموا من مكابدة الإنسان لمشاق الحياة، كما قال علي حين طلب منه أن يصف الدنيا: ماذا أصف لك من دار أولها بكاء وأوسطها عناء وآخرها فناء؟
وقال ابن الرومي يدل على هوان الدنيا:
لِمَا تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها
لأفسح مما كان فيه وأرغد
ونحن نرى القرآن الكريم يبين حقارة الدنيا، التي سخرت كثيرا من العقول، فألهتها عن الآخرة، وأنستها مقام ربها، وأغراها المال الذي أنفقته فيما لا يستيقن نفعه، ولهذا يقول سبحانه: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ}
أيظن صاحب المال أن ماله الذي لا يدري من أين اكتسبه، ولا أين أنفقه، ولا ماذا عليه من حق فيه، قد أعطاه قوة يستطيع أن يقهر بها كل من وقف أو يقف في طريقه. وهنا نبهه القرآن من غفلته، وأرجعه إلى نقطة ضعفه، حين قال: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ}. وهو حسبان خاطئ بلا ريب، فما أكثر من يقدرون عليه، حين يشيخ وحين يمرض وحين يفتقر، وحين يصاب ويجرح، وحين يبتلى ويحزن، وحين تتكاثر عليه الأوصاب، وتتزاحم عليه الأوجاع، ولا يملك طبيب أو ممرض أن يزيل عنه الألم، أو سببه،أو يخفف عنه.
{يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا}
ويقول: {أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا} يريد كثرة ما أنفقه من أموال، فيما يدعوه أهل الجاهلية مكارم، ويسمونه معالي ومفاخر. ولن يغني عنه أو يخفف عنه قوله: أهلكت مالا كثيرا، تقليدا بعضه ببعض، زاعما أنه أنفق بعضه في خير الناس، أو على الفقراء والمساكين، أو اليتامى وأبناء السبيل، وأنه لم يكن يريد به إلا الخير، يقول هذا، وكأن أعمالها كلها غطيت بغطاء لا يكشف، أو مقفلة بأقفال لا يملك أحد فتحها، وكأن الله مالك الإنسان والبرية، لم يعرف ماذا كان يريد، ولا ما يخبئه في صدره، وأنه أمام الله مكشوف تماما، لا يخفى عليه خافية، ولا يغيب من أمره ولا من عمله سر ولا علانية، ولهذا يعقب الله عليه بقوله تبارك وتعالى:
{أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ}
لقد رآه الخلق، ورآه الملائكة، وكتب الكاتبون، وسجَّل المحصون، ورآه قبل هؤلاء جميعا رب العالمين، الذي قال له إبراهيم: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم:38].
{أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ}
هنا يخاطب الله الإنسان بصيغة الاستفهام المنفي، الذي يفيد التقرير. فكأنه يقول: لقد خلقنا لهذا الإنسان الأدوات اللازمة لحياته. فجعلنا فيما يملكه ويتصرف فيه: عينين يبصر بهما كل ما يهمه أن يراه ويعرفه ويهتدي به إلى ما وراءه، وكذلك جعلنا له لسانًا يترجم عن ضميره وما يحتاج إليه في حياته، الخاصة والعامة، وفي دينه ودنياه. وشفتين يكتمل بهما النطق، ويزينان وجهه، ويخبئان أسنانه، ويساعدانه على الأكل والشرب، والنفخ والتبسم والضحك، وغير ذلك. وهذا النطق دليل على العقل، ولهذا قالوا: الإنسان حيوان ناطق. يعنون: أنه مفكر. فالنطق والكلام المرتب من أدلة التفكير.
{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}
النجدان هما: طريق الخير وطريق الشر. والهداية نوعان: هداية بيان ودلالة، وهداية توفيق والتزام. وهداية البيان والدلالة قد أعطاها الله تعالى للإنسان، كما قال عن ثمود الهالكة: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى} [فصلت:17]. بل الهداية العامة معطاة من الله لكل المخلوقات، كما قال تعالى: {رَبُّنَا الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50].
والله سبحانه وتعالى أعطى الإنسان الهداية إلى طريق الخير والهدى والنور، وإلى طريق الشر والضلالة والظلمة، فليس مضطرا أن يسلك أي الطريقين إلا بإرادته واختياره الحر، إن شاء آمن، وإن شاء كفر، {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [يونس:108]، {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل:40]، {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29].
وهذا ما يذكره القرآن ويتبناه، ويبينه أبدا، كما قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان:2-3]، {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ التِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم:30].
{فَلَا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ}
هذا الإنسان الذي آتاه الله مفاتيح الإدراك، وهيَّأ له الأدوات، ووضع أمامه (عقبة) أي عقبة، لا بد أن يجتازها، إذا أراد أن يصل إلى الله، وإلى جنته ومثوبته، ليحيا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
ولماذا لا يقتحم الإنسان هذه العقبة التي تقف في طريق نجاحه وفوزه، {فَلَا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ}. والاقتحام: الرمي بالنفس في شيء من غير رويَّة.
وقال الفراء والزجاج: وذكر {لا} مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد {لا} مع الفعل الماضي في مثل هذا الموضع، حتى يعيدوها في كلام آخر؛ كقوله تعالى: {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى} {وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} . وإنما أفردها لدلالة آخر الكلام على معناه؛ فيجوز أن يكون قوله: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذِينَ آمَنُوا} قائما مقام التكرير؛ كأنه قال: فلا اقتحم العقبة ولا آمن.
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ} قال سفيان بن عيينة: كل ما في القرآن: وما أدراك؟ فإنه أخبر به. وكل شيء قال فيه: وما يدريك: فإنه لم يخبر به. كما في قوله تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} [عبس:3].
وقال جماعة من المفسرين: الاستفهام الذي معناه الإنكار، تقديره: أفلا اقتحم العقبة؟ أو: هلا اقتحم العقبة؟ يقول: هلا أنفق ماله في فك الرقاب، وإطعام السغبان، ليجاوز به العقبة، فيكون خيرا له من إنفاقه في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومقاومة دعوته ودينه؟
وقال بعضهم: اقتحام العقبة ها هنا ضرب مثل، أي: هلا تحمل عظام الأمور في إنفاقه ماله في طاعة ربه، والإيمان به. وهذا يليق بقول من حمل {فَلَا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ} على الدعاء. أي: فلا نجا ولا سلم من لم ينفق ماله في كذا وكذا.
وجاء عن عدد من مفسري السلف: أن العقبة في الآخرة، ومما كان معناها: النار، أو جزءا من النار، أو من الدار الآخرة. أو نحو ذلك.
والرأي المختار هو أن العقبة في الدنيا.
روي عن سيدنا أبي الدرداء رضي الله عنه، أنه قال: إن وراءنا عقبة، أنجى الناس منها أخفهم حملا.
وقال الحسن: هي والله عقبة شديدة: يجاهد الإنسان نفسه وهواه وعدوه الشيطان. وأنشد بعضهم:
إني بليت بأربع يرمينني
بالنبل قد نصبوا على شراكا
إبليس والدنيا ونفسي [والورى]17
من أين أرجو بينهن فكاكا
يا رب ساعدني بعفو إنني
أصبحت لا أرجو لهن سواكا
والعقبة: المركب الصعب من الجبال، كما قال القاموس، واستخدمها أهل الدين وغيرهم كل فيما يريده من مراكبه الصعبة التي يحددها.
قالوا: في قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ} حذف، أي: وما أدراك ما اقتحام العقبة؟ وهذا تعظيم لالتزام أمر الدين. وإلخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ليعلمه اقتحام العقبة.
يتبع غداً إن شاء الله