

دراسة: هند محمد الحمادي طالبة دكتوراة في الفلسفة والحضارة الإسلامية - باحثة مهتمة بقضايا المجتمع
إحصائيات 2018: 35 % نسبة الطلاق.. ونسبة العنوسة تقريباً بالمثل
هل التعدد حلاً لعلاج زيادة أعداد العازبات في قطر؟ إن معالجة قضية العنوسة والطلاق من جانب واحد، وهو التعدد، إنّما هو علاج فاشل وضيّق الأفق. وهو حل قريب إلى نفس الرجل، ويهمل مشاعر الزوجة والأبناء (بالإضافة إلى أن هناك من الرجال من يطالب الدولة بمساعدته مالياً ليمارس التعدد، دون أدنى مجهود منه!).
إنّ معالجة مسببات القضية والخروج بحلول جديدة ومبتكرة تتناسب مع العصر الحالي إنّما هو الحل الناجع الذي يدل على سعة في التفكير.
هنالك تغيرات طرأت على طبيعة حياتنا المعاصرة، وقد تأثر مجتمعنا القطري بالتغيرات الفكرية والثقافية، بالإضافة إلى الانفتاح على العالم، الأمر الذي أحدث ضرورة في وجوب إعادة النظر في مفاهيم الزواج والحقوق والواجبات؛ إذ اتخذت أشكالاً جديدة مع الاحتفاظ بأصولها المستمدة من تقاليدنا، ولكن علينا الاعتراف بوجود التغيّر الطارئ، وعلينا التعامل معه بما يقتضيه.
قد يكون التعدد حلاً في حالات معينة، ولكن قد يكون ضرره أكبر في حالات كثيرة. إن كان هذا حلنا الوحيد فليس هكذا تورد الإبل. فالحلول الفعلية لمسببات العنوسة المرتفعة والطلاق المتزايد هي ما يجب تناوله. وهذا يقودنا إلى سؤال جوهري: هل مجتمعنا على درجة من الوعي بمفهوم الزواج والاستقرار؟
أظنّ أن الصورة غير واضحة، ويفسّر ضبابيتها كثرة حالات الطلاق التي تقول بها إحصاءات الجهات الرسمية؛ إذ بلغت نسب الطلاق في عام 2018 قرابة 35%، وبلغت نسبة العنوسة تقريباً بالمثل، وهذه نسب مرتفعة تتطلب إجراءات حقيقية.
12 سبباً وحلاً
هنالك مسببات عديدة لارتفاع نسب العنوسة والطلاق، منها ما هو اجتماعي أو اقتصادي أو نفسي أو بيولوجي، يستلزم منا وضع حلول تتناسب مع الزمان والمكان الذي نعيشه، وفيما يلي عدد من هذه الأسباب المرفقة بالحلول المقترحة:
1- هنالك قصور لدى جيل الشباب حول مفهوم الزواج، فهو ليس مجرد خطوة يتم الإقدام عليها والتراجع عنها بسهولة، بل هو محور ينتقل فيه الشخص من حياة إلى أخرى ذات أبعاد أعمق، تستند لفهم ووعي يفسران استقرار المجتمعات في حال حدوثهما، وإلا فإنّ الأمر لن يتجاوز إحداث فجوات تزيد من سطحية المجتمع في وعيه السليم، لذا لا بدّ من بلورة مفهوم الزواج لدى جيل الشباب، ونشر الوعي من خلال المؤسسات الإعلامية والتعليمية، وكذلك عمل دورات إلزامية ما قبل الزواج في مراكز اجتماعية، مثل مركز الاستشارات العائلية، ليصبح معنى الزواج واضحاً، فلا يقتصر على نزوات يبررها فهم شرعي في غير مكانه.
2- إقبال المرأة على التعليم أمر إيجابي، ولكنه أحدث في بعض الأحيان فجوة ما بين الزوج والزوجة، حيث تشير الإحصائيات إلى أنّ مستوى تعليم المرأة القطرية يفوق مستوى تعليم الرجل، الأمر الذي يحدث توتراً في العلاقة، أو عدم قبول من الفتاة في الأساس، أو ربما تردّداً لدى الرجل في أن يتزوج امرأة ذات مستوى أكاديمي أعلى منه. وهذه المشكلة تتطلب الحثّ على رفع المستوى التعليمي لدى الرجل.
3- إن استقلال المرأة مادياً وتبوؤها مناصب عديدة يعد من أسباب الطلاق أيضاً، وهذا الأمر يستوجب تغيير المفهوم التقليدي للزواج، من مفهوم (حاكم ومحكوم) إلى مفهوم التكامل في بناء الأسرة. فلم تعد أعمال المرأة تقتصر داخل المنزل، بل أصبحت على الأغلب عاملة ومشاركة في نفقات المنزل، وهذا يستلزم ضرورة زيادة التفاهم ما بين الأزواج.
4- هنالك أسباب ترتبط بالخيانة الزوجية، خصوصاً مع المظاهر السلبية التي تتيحها وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ظهرت سلوكيات غريبة عن المجتمع، وبدأت تتفشى فيه، وهنا لا بد من زيادة نشر الوعي الديني والاجتماعي، وتوضيح خطورة السلوكيات المنحرفة.. وغيرها من الإجراءات الرادعة.
5- قد يزيد التعدد من معدلات الطلاق وانهيار الأسر وتشتت الأبناء، خاصة في حالات الزواج من الصغيرات؛ إذ يؤدي إلى مشكلات اجتماعية عديدة، ولا يساهم في حل مشكلة العنوسة؛ لذا تجب دراسة التعدد من جميع الجوانب، ودراسة مدى تأثيره على الرجل وعلى المرأة وعلى الأبناء وعلى المجتمع، قبل اتخاذ قرار التعدد.
6- زواج القطري بغير القطرية يزيد من مشكلة العنوسة. فإحصائيات (جهاز التخطيط والإحصاء) سنة 2018 بيّنت أن هناك من القطريين من تزوّج من: 150 امرأة خليجية، و90 امرأة عربية، و24 امرأة آسيوية، و13 امرأة أوروبية، و5 من دول أخرى، مما يزيد من معدلات العنوسة.. كذلك هناك شباب قطريون عازفون عن الزواج لأسباب مختلفة. فنشر الوعي بين الشباب بأهمية الزواج، وبأنهم كمواطنين يجب عليهم حماية الوطن وتماسك المجتمع، والإسهام الطيب في معالجة قضاياه ومشاكله والتي منها مشكلة العنوسة والطلاق، وكما جاء في الأمثال الشعبية (حلاة الثوب رقعته منه وفيه).
7- ارتفاع المهور وتكاليف الزواج في المجتمع القطري، وهذا يستوجب نشر الوعي الصحيح حول ذلك. والحق يقال، فإن الدولة –مشكورة- تقوم بمساعدة الشباب في تكاليف الزواج.
8- الدور السلبي للإعلام وتكنولوجيا التواصل الاجتماعي في نشر الصور السلبية عن الزواج، وإظهار صور العلاقات غير الشرعية وتلميعها، تحت مسميات قصص حب وما إلى ذلك. وهذا يتطلب من الجهات الرقابية متابعة ما يتم نشره، والترويج لما يتماشى مع الفطرة السليمة، والدين الإسلامي.
9-التلوث الجوي وطريقة الحياة المدنية أديا إلى ارتفاع معدلات الجنس الثالث، ومعدل الضعف الجنسي، مما يستوجب نشر ثقافة جنسية ونفسية وصحية في المجتمع.
10- معدل وفيات الشباب في الحوادث المرورية يزيد من حالات العنوسة، بالإضافة إلى خسارة المجتمع بفقده طاقات شبابية كانت لتساهم في التنمية، مما يستلزم قوانين مرورية أكثر صرامة، ونشر الوعي بخطورة الأمر على الأسرة والمجتمع.
11- هنالك قصور في فهم ثقافة الزواج الثاني لدى الرجال والنساء في معظم المجتمعات العربية والإسلامية، وأهمية ذلك في معالجة بعض حالات العنوسة والطلاق، فليس هنالك إدراك حقيقي لمفهوم التعدد بما يتضمنه من شروط وحقوق وواجبات؛ لذا فإنّ تناول هذا الموضوع من خلال مؤسسات التعليم والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني بصورة صحيحة قد يساهم في بناء هذه الثقافة التي قد تكون حلاً في حالات معينة.
12- زواج المرأة القطرية بغير القطري قد يكون أحد الحلول لمشكلة العنوسة والطلاق، وموازيا لزواج القطري بغير القطرية، مما يستلزم من الدولة إعطاءها الحق في منح جنسيتها لأبنائها أسوة بالرجل.
ليس من النزاهة أن ننسب أسباب الطلاق إلى الرجل وحده، أو المرأة وحدها، فالظاهرة تقبع وراءها مسببات عدّة، ولكنها تتباين في حجمها، وقد يكون هنالك «مُشعِلات» غير مباشرة لفتيل هذه الظاهرة، فتكون هي الأسباب الخفية التي تحقن الأسباب الظاهرة لتبرزها، فهل هذه «المُشعِلات» هي الثورة ضد الزواج التقليدي ونمطه مثلاً؟ أم الصراع بين الجنسين بسبب لعنة الحداثة؟ أم الأعراف والعادات الموروثة؟ أم ثورة المرأة ضد شرقيّة الرجل الذي يستأثر بدور البطولة دوماً؟ أم الإعلام الغربي الموجّه؟ أم زيادة وعي المرأة وارتفاع مستوى تعليمها وثقافتها ودخلها؟ إننا بحاجة إلى تحليل لا يقوم على أدنى نوع من العاطفة.
آراء نسائية حول الدراسة: رؤى منطقية.. وقابلة للتطبيق
اتفقت آراء نسائية مع الباحثة هند الحمادي في دراستها، وأجمعت على أنها تضمنت حلولاً منطقية لأزمة الطلاق ولزيادة أعداد العازبات في المجتمع، ونوّهت بأهمية تكاتف الجهود بين المؤسسات المختلفة المعنية بالمرأة، ووسائل الإعلام، للحد من الظاهرة.
اختلال المفاهيم
الكاتبة فاطمة البحراني تلاحظ بشكل كبير تزايد نسب الطلاق في المجتمع، وهو أمر -حسب رأيها- يجب الوقف عنده والتعامل معه بشكل جدي.
وتقول في هذا السياق: أوافق الباحثة في الأسباب والحلول المطروحة بشكل كبير، حيث إن هناك عدم وجود توافق فكري بين الرجل والمرأة يزيد من الطلاق، ويرجع ذلك إلى أن المجتمع يضغط على المرأة عند الوصول لسن معين، والأهل يجبرونها على الزواج حتى لو لم تكن مرتاحة لمن تقدم لخطبتها.
وتضيف أنه مع غياب ثقافة الوعي، وتحمّل المسؤولية، خصوصاً في السن الصغير، فإن المشكلات تتزايد بعد الزواج.
وتعتبر فاطمة البحراني أن «شباب الجيل الحالي من الجنسين لا يتصف تفكيرهم بالعقلانية عند حدوث الخلافات، ومعظم الوقت نجدهم يندفعون وراء مشاعرهم دون التفكير في العواقب». تتابع: أرى بشكل واضح أن أحد أسباب الطلاق هو المبالغة والتكاليف الكثيرة في إتمام مراسم الزواج وأيضاً في الحياة بشكل عام؛ إذ إن ارتفاع تكاليف الزواج والمهور مشكلة أساسية تواجه استمرار الأسر والاستقرار الزوجي، وهناك غياب تام للوعي في هذه المسألة. وتنوّه بأن هناك نسبة من النساء اللاتي يصررن على مستوى رفاهية عالية، وبالطبع هذا يرجع لثقافة المجتمع والأهل، ويجب تدخل وسائل الإعلام لتقوم بدورها على أكمل وجه، بالتوازي مع جهود الدولة التي تساعد الشباب على توفير نفقات الزواج بشكل كبير. وتشير فاطمة إلى أنه «من النقاط المهمة المشار إليها في الدراسة هي عزوف بعض الشباب عن الزواج، بسبب الأمور المادية وغيرها، بالتالي تتفاقم ظاهرة زيادة أعداد العازبات». وتواصل: «أتفق مع الباحثة في نقطة عدم إلقاء اللوم في الطلاق على الرجل وحده، أو المرأة وحدها، لكن الاثنين معا يتحملان المسؤولية. فليس على المرأة أن تنتظر تضحيات من الرجل، وألا تقوم هي بواجباتها، وكذلك الأمر ينطبق على الرجل، فلا يجب أن يلقي بجميع المسؤوليات على المرأة. إذا نجد أن التفاهم ومفهوم الشراكة غائبة تماماً؛ لذا من الأفضل تكريس مفهوم الحوار بين الزوجين.
ومن أفضل الحلول التي طرحتها الدارسة، وفق فاطمة البحراني- هي الدورات المؤهلة للزواج، ومن الأفضل أن تكون إجبارية، لكي تنتج أسرة سليمة واعية تفهم الفكرة والهدف من الزواج وتربية الأبناء، وتساهم في تماسك المجتمع ونهضة الدولة.
دور وسائل التواصل الاجتماعي
«أرى أن الأسباب التي طرحتها الباحثة في الدراسة حقيقية.. والحلول واقعية».. هكذا استهلت منال محمد حديثها، وتعتبر أن عدم فهم الشباب والفتيات للزواج ومسؤوليته، من أهم الأسباب، وبالتالي العلاج هو عقد دورات قبل الزواج، وهذا ما أشارت إليه الباحثة.
وأضافت: كما أن زيادة مستوى تعليم الفتاة عن الشاب تحدث فجوة في التفكير بينهما، والرجل الشرقي بطبيعته لا يتفهّم أن تكون المرأة أعلى منه ثقافة وتعليماً؛ لذا تجب مراعاة ذلك عند الزواج.
وتنوّه بأهمية زيادة التفاهم بينهما، بحيث يعلم الزوج أن مكان المرأة لم يعد المنزل، بل أصبحت تشارك الرجل في كل ميادين الحياة. وتضيف منال: أشارت الباحثة إلى دور الإعلام ووسائل التواصل في الطلاق، حيث تصور المسلسلات وغيرها الحب خارج الزواج والخيانة على أنها قيم عادية، وبدأ الشباب والفتيات بتقبلها، وهذا يستوجب توعية دينية وثقافية لعاداتنا وتقاليدنا، وأن مثل هذه الأمور لا تتناسب مع الدين والقيم، وبالتالي تماسك الأسرة وزيادة الحب بين أفردها.
وعن زواج القطرية بغير القطري، تقول: هذا أمر عادي وإنساني للمساهمة في حلّ مشكلة العنوسة، على الرغم من أن المجتمع لا يتقبل كثيراً هذه الفكرة.
وتختتم حديثها بأن الدراسة وجدت حلولاً منطقية وواقعية، وتساهم بشكل حقيقي في الحدّ من ظاهرة الطلاق والعنوسة، واللذين يعدان من أكبر المشاكل التي يجب حلها.
«التخطيط والإحصاء»: 87.8 % تراجع حالات الطلاق.. و53.8 % الزواج في أبريل
ذكرت الإحصاءات الرسمية الصادرة عن جهاز التخطيط والإحصاء أن شهر أبريل الماضي شهد تراجعاً ملحوظاً في عدد حالات الزواج والطلاق.
وأظهرت الأرقام تراجعاً في حالات الزواج بين المواطنين والمقيمين بنسبة تغيّر شهري بلغت 47.8 %، كما تراجعت حالات الطلاق بين المواطنين والمقيمين بنسبة تغيّر سنوي بلغت 87.8 %.
وبلغ عدد حالات الزواج بين المواطنين القطريين في أبريل الماضي 94 حالة زواج مقارنة بـ 180 حالة زواج في أبريل من العام الماضي 2019، بنسبة تغيّر شهري بلغت 47.8 %، فيما بلغ عدد حالات الزواج بين المقيمين في أبريل الماضي 56 حالة زواج مقابل 145 حالة زواج في أبريل من العام الماضي 2019، وبنسبة تغيّر بلغت 61.4 %. وبلغ إجمالي حالات الزواج في أبريل الماضي 150 حالة زواج مقابل 325 حالة زواج في أبريل من العام الماضي 2019، بنسبة تغيّر سنوي 53.8 %.
وبحسب الأرقام الإحصائية بلغ عدد حالات الطلاق بين المواطنين القطريين 10 حالات في أبريل الماضي، مقارنة بـ 71 حالة طلاق في أبريل 2019، بنسبة تغير بلغت 77.8 %.
فيما بلغ عدد حالات الطلاق بين المقيمين حالتي طلاق مقابل 27 حالة طلاق في شهر أبريل من العام 2019، بنسبة تغيّر شهري بلغت 94.4 %.
وبلغ إجمالي حالات الطلاق 12 حالة طلاق في أبريل الماضي مقارنة بـ 98 حالة طلاق في أبريل من العام 2019، بنسبة تغيّر سنوي بلغت 87.8 %.
وفيما يخص المواليد فقد أظهرت الأرقام الإحصائية تراجعاً في عدد المواليد في الدولة خلال شهر أبريل الماضي، مقارنة بشهر أبريل من العام 2019، بنسب تغيّر سنوي 66.3 %. كما سجّل عدد حالات الوفاة بحسب الأرقام الإحصائية بين المواطنين والمقيمين في أبريل الماضي مقارنة بذات الشهر من العام 2019 تراجعاً بنسبة تغيّر سنوي بلغت نحو 10 %.