

الدولة لا تكتفي بتبني التقنيات الحديثة.. بل توجّه استخدامها بمسؤولية
الأكثر استفادة من الذكاء الاصطناعي هم الأقدر على دمجه بحكمة
سوق العمل المستقبلي لن يعاني نقصًا في المعلومات وسيغرق في»الفائض»
الجاهزية المهنية تشمل إعداد الشباب لنمط جديد من العمل
أشاد السيد سعد عبد الله الخرجي - المدير التنفيذي لمركز قطر للتطوير المهني – بجهود دولة قطر في التحول نحو تقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن قطر أظهرت وعيًا متقدمًا بأهمية هذا التحول من خلال سياستها الوطنية واستثمارها في التحول الرقمي والمبادرات التعليمية الناشئة المعززة بالذكاء الاصطناعي.
وقال الخرجي في حوار مع «العرب» إن سياسة الدولة لا تكتفي بتبني التقنيات الحديثة، بل تسعى إلى توجيه استخدامها بصورة مسؤولة ومنتجة. وهذه نقطة جوهرية. ولفت إلى أن المجتمعات الأكثر استفادة من الذكاء الاصطناعي لن تكون بالضرورة الأسرع في تبنيه؛ بل الأقدر على دمجه بحكمة في التعليم والعمل والحياة العامة، وأن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُعامل باعتباره بديلًا عن التفكير، بل أداةً تسبر جودة التفكير، وأن مستقبل العمل سيكون من خلال القدرة على اجتياز هذا الاختبار لدفع عجلة التقدم.. إلى نص الحوار..
◆ حدثنا عن تأثير الذكاء الاصطناعي على مجالات التعليم والعمل
¶ بات دخول الذكاء الاصطناعي قاعات الدراسة وأسواق العمل وغرف الاجتماعات حقيقة يصعب تجاهلها بعد أن كان احتمالًا مؤجلًا يُناقش بصيغة المستقبل. لقد أثبت الذكاء الاصطناعي حضوره بالفعل في التعليم والعمل، وفي تفاصيل الحياة اليومية للطلبة والموظفين على حد سواء، ولم يعد السؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤثر في مستقبل هذين المجالين؛ فهذا التأثير قد بدأ بالفعل، بل بات السؤال الأجدر بالطرح اليوم هو ماهية علاقتنا به كمستخدمين، فالذكاء الاصطناعي، شأن كل أداة مؤثرة سبقته، يمكن أن يُستخدم بعقليتين مختلفتين تمامًا، إذ قد يُستخدم «لأتمتة» العمل، أي أن نترك للأداة مهمة إنجاز العمل نيابة عنّا بأقل قدر ممكن من التدخل البشري، أو قد يُستخدم بشكل «تآزري» يعزز الإنتاجية، أي أن يُوظَّف في تعزيز قدرات الإنسان من خلال الجمع بين السرعة التي توفرها التقنية وسعة إمكاناتها من جهة، وبين دور العقل البشري وإبداعه وأخلاقه وخبراته من جهة أخرى. وسيحدد فهمنا لهذه المفارقة معنى «الجاهزية المهنية» في المرحلة المقبلة.
◆ كيف يمكن أن يؤثر الذكاء الاصطناعي على التعليم بصورة إيجابية؟
¶ تقدّم الأبحاث العلمية حول استخدام «تشات جي بي تي» درسًا مهمًا للمعنيين بالتعليم وسوق العمل على حد سواء. إحدى الدراسات المنشورة مؤخرًا قارنت نتائج أكثر من 67 بحثًا علميًا بين عامي 2022 و2025 حول أثر استخدام الذكاء الاصطناعي على التفكيرين النقدي والإبداعي لدى طلبة قطاع التعليم العالي، وهما مهارتان لا يرتبط أثرهما بالنجاح الأكاديمي فحسب، بل يمتد إلى قابلية التوظيف وجودة الأداء المهني عامةً، وحتى إلى القدرة على التكيف مع متطلبات العمل المتغيرة.
وأظهرت نتائج هذه المراجعة أن استخدام الطلبة للذكاء الاصطناعي ضمن بيئات تعليمية مُنظّمة وتحت إشراف مباشر يشترط التفكُّر بأجوبته والتحقق منها وطرح الأسئلة الصحيحة، قد ساعد في تعزيز التفكيرين النقدي والإبداعي لدى المستخدمين. فقد أسهم الذكاء الاصطناعي بهذه الحالة إسهامًا إيجابيًا في تنشيط توليد الأفكار والمحاججة المنطقية، وتمحيص وجهات النظر وتقصي الثغرات المنطقية فيها، ما أدى بالمحصلة إلى تحسين سوية العمل. في هذه الحالة، لم يكن الذكاء الاصطناعي مجرد آلة لتوليد النصوص والإجابات؛ بل كان شريكًا حقيقيًا ومعينًا في التفكير.
لكن الدراسة أظهرت كذلك أن النتائج تصبح أقل تفاؤلًا عندما يُستخدم الذكاء الاصطناعي بلا توجيه أو إطار واضح أو مساءلة. وأن في مثل هذه الحالات، يميل بعض الطلبة إلى الاتكال على الإجابات الجاهزة وقبول أي مُخرج يقدمه الذكاء الاصطناعي طالما بدا في ظاهره متماسكًا، ناهيكم عن التفاعل السطحي مع المهام الموكلة إليهم، بل إن بعض الاستخدامات التي تساعد الطلبة على توليد الأفكار بسرعة أضعفت في الوقت ذاته قدرتهم على التفكير النقدي، إذ تجاهلوا أهمية التمحيص في تلك الأفكار ومُناقشتها وتنقيحها بالقدر الكافي.
ولهذا التمييز أهمية كبيرة؛ فالفصل الدراسي غالبًا ما يكون أول ساحة تتشكل فيها عادات العمل المستقبلية. فإذا اعتاد الطالب استخدام الذكاء الاصطناعي استخدامًا سلبيًا، فقد ينقل هذه العادة معه إلى حياته المهنية. أما إذا تعلّم استخدامه بوعي نقدي وإبداعي، فسيدخل سوق العمل مسلحًا بالقدرة على التعامل مع التقنيات الحديثة دون أن يتخلى عن محاكمته العقلية وإبداعه الشخصي. أي بعبارة أخرى، القضية لم تعد تعليمية بحتة، بل غدت تمس مستقبل القوى العاملة باختلاف مشاربها.
◆ ماذا عن الاستخدامات المستقبلية للذكاء الاصطناعي في سوق العمل؟
¶ سوق العمل المستقبلي لن يعاني نقصًا في المعلومات، بل سيغرق في فائض منها. وسيعيننا الذكاء الاصطناعي على جمعها في ملخصات وتحليلات نستقي منها التصورات والتوصيات بسرعة غير مسبوقة. في بيئة كهذه، ستزداد قيمة الإنسان عوضًا عن تضمحل، وذلك نظرًا لقدرته على فهم السياق وطرح الأسئلة الأنسب حول ما جمع الذكاء الاصطناعي من معلومات، وتقييم منطقه واكتشاف مواطن الضعف في استدلاله؛ وبالمحصلة، اتخاذ القرار باعتبارات أخلاقية تضفي الأصالة على ما تنتجه الآلات. وبناءً على ما سبق، يجب أن نتجاوز في فهمنا لمعارف الذكاء الاصطناعي مجرد القدرة على استخدامه كأداة رقمية إلى فهم حدود هذه الأداة ومعرفة متى يمكن الاعتماد عليها؟ ومتى يجب مساءلتها؟ ومتى يكون العقل البشري هو الفيصل؟ كما يجب أن تشمل امتلاك ما يكفي من الثقة لإعلاء الصوت الإنساني، لا سيما في الأعمال الإبداعية، والقرارات التي تتطلب مسؤولية وتقديرًا.
◆ ما أهمية التطوير المهني في هذه المنظومة؟
¶ الإرشاد المهني اليوم لم يعد معنيًا بمساعدة الطلبة والموظفين على معرفة الوظائف والقطاعات التي قد تتأثر بفعل الذكاء الاصطناعي وحسب؛ بل بمساعدتهم على فهم التغيّر في طبيعة وتعريف «حسن الأداء» ذاته. وهذا يقتضي بالضرورة أن الجاهزية المهنية لم تعد تقتصر على إعداد الشباب لمسمى وظيفي أو تخصص معين، بل تشمل إعدادهم لنمط جديد من العمل يقوم على التعاون الواعي والذكي مع التكنولوجيا.
ولصناع القرار دور محوري في إدارة هذا التحول، إذ أن ترك تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي للاجتهادات الفردية والمتفرقة قد يوسع الفجوة بين من يستخدمونه بصورة سلبية ومن يوظفونه بطريقة مُنتجة. أما إذا وُضعت لاستعماله أطرٌ واضحة، فيمكن تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قوة تدعم التعلم وتعزز قابلية التوظيف، وبناء ممارسات مهنية أكثر تكيّفًا.
◆ ماذا عن موقع دولة قطر من هذا التحول في التعليم وسوق العمل؟
¶ تُظهر دولة قطر وعيًا متقدمًا بأهمية هذا التحول من خلال سياستها الوطنية للذكاء الاصطناعي واستثمارها في التحول الرقمي والمبادرات التعليمية الناشئة المعززة بالذكاء الاصطناعي. وتتميز سياسة الدولة بأنها لا تكتفي بتبني التقنيات الحديثة، بل تسعى إلى توجيه استخدامها بصورة مسؤولة ومنتجة. وهذه نقطة جوهرية، فالمجتمعات الأكثر استفادة من الذكاء الاصطناعي لن تكون بالضرورة الأسرع في تبنيه؛ بل الأقدر على دمجه بحكمة في التعليم والعمل والحياة العامة.
أولئك المستعدون للمستقبل هم الذين يتقنون التفكير بانسجام مع الآلة عند اللزوم، وضدها متى اقتضى السياق الإنساني والحكم البشري. فالذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُعامل باعتباره بديلًا عن التفكير، بل أداةً تسبر جودة التفكير، وفي مستقبل العمل، سيكون الأقدر على اجتياز هذا الاختبار هو الأقدر على دفع عجلة التقدم.