الابتلاء بالخوف.. طريق القرب من الله
الصفحات المتخصصة
05 يوليو 2016 , 12:51ص
خالد القاضي
إن هذه الدنيا ما هي إلا دار ابتلاء وبوتقة اختبار، والله جل في علاه من مقاصد خلقه لنا هذا الابتلاء وذلك الاختبار {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ}، هكذا من نطفة أمشاج، خلق ليبتلى ويمتحن ويختبر.
ويتنوع الابتلاء ويتعدد كتنوع اختبارات اجتياز أي شهادة، ولكنها أهم شهادة (النجاة من الدنيا والفلاح في الآخرة).
ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}، «ولنبلونكم»: فالبلاء الاختبار، لا ليعلم الله تعالى، بل ليظهر للناس ما أكنه الله تعالى في علمه المكنون، قال البقاعي {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ} وهو حذر النفس من أمور ظاهرة تضرها، ولقد أكد الله تعالى البلاء ليؤكد موضوعه بالقسم الذي دلت عليه لام القسم ونون التوكيد الثقيلة {بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ} قال بعض العلماء: التنكير فيه للتقليل.
فقدم ذكر ما علم أنه يصيبهم ليوطنوا أنفسهم عليه، فيكون أبعد لهم من الجزع، ويكونوا مستعدين له، فلا يكون كالهاجم عليهم. وفيه تعجيل ثواب الله تعالى على العزم وتوطين النفس.
معاني الخوف وقد ورد الخوف في القرآن على وجوه منها: 1 - القتل والهزيمة: { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ }. 2 - الحرب والقتال: { فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ } إذا انجلت الحرب. 3 - العلم والدراية: { فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا} أي علم. 4 - النقص: { أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ}. 5 - الرعب والخشية من العذاب والعقوبة: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا }. الخوف سراج القلوب وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله عز وجل فإنك إذا خفته هربت إليه، فالخائف هارب من ربه إلى ربه فأين المفر؟!، وما فارق الخوف قلبا إلا خَرِبَ، فإذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات فيها وطرد الدنيا عنها.
قال ابن قدامة: «اعلم بأن الخوف سوط الله يسوق الله به عباده إلى المواظبة على العلم والعمل لينالوا بهما رتبة القرب من الله عز وجل، والخوف سراج القلوب به يبصر ما فيه من الخير والشر».
فكم أطلق الخوف من سجين في لذته كانت قد استحكمت عليه سكرته، وكم فك من أسير للهوى ضاعت فيه همته، وكم أيقظ من غافل التحف بلحاف شهوته، وكم عاق لوالديه رده الخوف عن معصيته، وكم من فاجر في لهوه قد أيقظه الخوف من رقدته، وكم من عابد لله قد بكى من خشيته، وكم من منيب إلى الله قطع الخوف مهجته، وكم من مسافر إلى الله رافقه الخوف في رحلته، وكم من محب لله ارتوت الأرض من دمعته، فلله ما أعظم الخوف لمن عرف عظيم منزلته.
لماذا الابتلاء بالخوف? والابتلاء بالخوف ليس مقصودا لذاته، فليس المقصود أن نخاف لأجل أن نخاف، بل نخاف ليكون الخوف وسيلة تصلح أحوالنا. لو كان الخوف مقصودا لذاته لما ذهب عن أهل الجنة! لكن لما كان دخول أهل الجنة الجنة نهاية القضية وما هو مطلوب منهم وليس فيها عمل ولا اجتهاد في العبادات ومقاومة للهوى والشهوات، كان الخوف من أهلها ذاهب {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. ومن خاف اليوم أمن غدا.. ومن أمن اليوم خاف غدا.
والخوف يتعلق بالأفعال، والمحبة تتعلق بالذات والصفات، ولهذا تتضاعف محبة المؤمنين لربهم إذا دخلوا دار النعيم ولا يلحقهم فيها خوف.
قال ابن رجب: «والله خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه ويخشوه، ونصب الأدلة الدالة على عظمته وكبريائه ليهابوه ويخافوه خوف الإجلال ووصف لهم شدة عذابه ودار عقابه التي أعدها لمن عصاه ليتقوه بصالح الأعمال».
لذلك كرر الله سبحانه وتعالى ذكر النار وما أعده الله فيها لأعدائه من العذاب والنكال وما احتوت عليه من الزقوم والضريع والحميم والسلاسل والأغلال إلى غير ذلك مما فيه من العظائم والأهوال، ودعا عباده بذلك إلى خشيته وتقواه وامتثال والمسارعة إلى ما يأمر به ويحبه ويرضاه واجتناب ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه.