مواطنون لـ «العرب»: التنافس على المظاهر يُفسد «القرنقعوه»

alarab
تحقيقات 05 أبريل 2023 , 01:18ص
حنان الغربي

ناصر لاري: أسعار العبوات تصل إلى 800 ريال
سمية المطوع: وسائل التواصل تحفز على المبالغة
هند المهندي: لا يجب الانسياق وراء التقليد

شهدت الأسواق إقبالا متزايدا على شراء تشكيلة المكسرات والحلويات والجوز واللوز والفول السوداني والبازلاء وذلك في إطار استعداد العديد من الأسر لليلة القرنقعوه مساء أمس.
ودفع تزايد النزعة الاستهلاكية والأفكار التي شوّهت العقول، كثيرين إلى السير مع التيار خوفاً من مخالفته .وكان الاحتفال ببعض المناسبات التراثية مثل القرنقعوه يقتصر على توزيع الحلويات والمكسرات التي تُدخل البهجة في نفوس الأطفال والجيران بين بعضهم البعض، مع التغني بالأغاني الشعبية القديمة، لكن الاحتفالات بالقرنقعوه تحولت فرصة للتباهي والتفاخر بين السيدات في أيهما أفضل في إعداد الحفل والملابس والمجوهرات والهدايا لتتفوق المقارنات بين المستويات المعيشية بين الأسر على الهدف الأصلي من الاحتفال به، وهو إدخال السرور في قلوب الأطفال، وإحياء التراث القطري الأصيل.

المهم فرحة الأطفال 

وفي هذا الصدد قال السيد ناصر لاري: إن المهم في الاحتفال بالقرنقعوه أن يفرح أطفالي وأحفادي بغض النظر عما أصرف من مال، لأنها ليلة واحدة تمر خلال هذا الشهر الكريم، حيث إن الفرحة تغمر الجميع بهذا الاحتفال التراثي الذي أنصح الآباء والأمهات بالحفاظ عليه والمداومة على الاحتفال.  وأوضح أن الأسر تستعد قبيل ليلة النصف من رمضان بتحضير «الجفران»، وتكون ممتلئة بالمكسرات، وهي البيذان، والفستق، والكاجو، والفول السوداني، والزبيب، واللوز، والجوز، وعين الجمل، وأصابع الحلوى. 
واستدرك ناصر قائلا: التطور الذي دخل على الاحتفالات بالقرنقعوه تمثل في أن هناك أنواعا جديدة وغالية من الحلويات والمكسرات يتم تسويقها الآن، وتتراوح أسعار العبوات بين 100 ريال وحتى 700 أو 800 ريال، إضافة إلى أماكن أخرى أغلى يصل فيها سعر عبوات القرنقعوه إلى الآلاف من الريالات.
وأشار إلى أن الشكل الحالي للاحتفالات بالقرنقعوه كاد أن يفقد قيمته الاجتماعية، رغم الجهود الكبيرة التي تقوم بها الكثير من الجهات في الدولة بتعظيم قيمة هذا الاحتفال وتنظيمها لاحتفالات تدعو لها الأسر والأطفال، إلا أن هذا ليس كافيا للحفاظ على قيمة القرنقعوه الاحتفالية والاجتماعية، حيث إن المجتمع يحتاج إلى حملات توعية مستمرة تذكره وتوعيه بأهمية الحفاظ على جوهر احتفالاتنا وتراثنا ومن أهمها الحفاظ على ليلة القرنقعوه.
وأضاف ناصر: على الشخص ألا يبخل على عائلته لكن في نفس الوقت فإن الله حرم التبذير والاسراف، وبعض المبالغات تدخل في باب الاسراف، وعلينا أن نتفاداها.

ذكريات طفولة بسيطة

من جانبها قالت الإعلامية هند المهندي: «إن عادة القرنقعوه من أجمل العادات الشعبية والرمضانية، والتي طالما ارتبطت بذكريات الطفولة البسيطة، وكنّا ونحن صغار نتجهز لليلة النصف من رمضان بالملابس الجديدة، وارتداء الحلي من الذهب والخروج مع أطفال الحي من الإخوة، وأبناء العم، والخالات، لطرق أبواب الجيران للحصول على القرنقعوه المكّون من حفنة من المكسرات والحلويات، الذي كنّا نحتفظ به في كيس من القماش حول رقبتنا، وكنا نتبارى من جمع قرنقعوه أكثر».
ولفتت هند إلى أن القرنقعوه تحول إلى ظاهرة مُكلفة ومُتكلفة، أفقدتها بساطتها وأهميتها، معتبرة أن المظاهر طالت معظم جوانب حياة المجتمع إن لم يكن كلها، وأن القرنقعوه تحول من مكسرات وحلويات بسيطة إلى هدايا ثمينة تصل للمجوهرات أو مئات الريالات، وإلى ألعاب أو شوكولاتة فاخرة.
وأوضحت أن طريقة الاحتفال جرى تشويهها هي الأخرى، فلم يعد الصغار يخرجون للشارع للحصول على القرنقعوه، بل أصبح الاحتفال في البيوت مع تجهيزات كبيرة في الديكور، وربما يتبعها سحور ويكون أقرب إلى حفلة، فأصبح مُكلفاً من كل النواحي.
وأضافت: «أصبحت بعض العوائل تتفاخر بالتجهيزات الأغلى والأفخم، مما يدخل ذلك تحت مسمى الإسراف، كما أصبح الطفل هو الذي يوزع القرنقعوه على أقرانه طبعاً بتجهيز من الأهل، وهنا يبرز دور التّجار في استغلال المناسبة والتفنن في الأفكار، وكلما تميزت الفكرة كلما زاد سعرها، مما يستنزف ميزانية العوائل التي يعتقد البعض منها أنهم بذلك يحافظون على العادات التراثية ويتناقلونها للأبناء، إلا أن الصورة والعادة الأصلية تغيرت كثيراً عما كانت عليه. ودعت هند إلى ضرورة العودة إلى الطابع الاحتفالي القديم للحفاظ على البساطة ومواجهة مغريات التّجار الذين يستغلون كل مناسبة لتقديم ما هو جديد بأسعار باهظة.

تفنن في الهدايا 

وعن مظاهر البذخ والتباهي قالت الاستاذة سمية المطوع مستشارة تدريب وتطوير في التنمية البشرية: إن بعض العائلات أصبحت تتفنن في الاحتفال بالقرنقعوه، وتبادل هداياه ،واستخدمت ذلك كنوع من انواع الإعلان عن مستوى معيشة الأسرة، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي، بكافة قنواتها كالسناب شات والانستجرام وغيرهما، حفّز البعض نحو المبالغة والتنافس فيما بينهم  في هذه الاحتفالات حتى تظهر كل أسرة بمظهر أنها الأفضل معيشياً ومادياً. 
وأضافت: إن أغلب العائلات والجيران أصبحت تتبادل الصور حول مظاهر تلك الاحتفالات من حيث المأكولات والملابس والمجوهرات وتجهيزات حفل القرنقعوه.
وأشارت سمية إلى أن القرنقعوه كان احتفالا بسيطا بليلة النصف من رمضان يكافأ فيه الطفل الصائم على صيامه ببعض الحلويات والمكسرات ،ولكنه اصبح في يومنا هذا ذا طابع مختلف ولم يعد يقتصر على الأطفال فقط، بل أصبح مجالاً لتبادل الهدايا بين الكبار، وفي حال تلقت أسرة هدية من الجيران أو الأهل أصبح لزاماً عليها ردها بنفس المستوى أو أفضل منها، حتى لا تظهر بمظهر المقصر ويؤخذ عليها فيما بعد، ولذلك نجد ان الاحتفال بهذه الليلة عند البعض أصبح عبئاً أكثر من كونه احتفالاً، لدرجة أن بعض الأسر تدخر ميزانية خاصة للقرنقعوه، مما قد يرهقها مستقبلا .
  ونوّهت بأن احد  أسباب تحول القرنقعوه من عادة بسيطة إلى اخرى مكلفة هو ارتفاع المستوى الاقتصادي في المجتمع الخليجي بشكل عام، مقارنة بالماضي، حتى أصبح التعبير عن ذلك يظهر في شكل الاحتفالات والهدايا وغيرها من مظاهر المجتمع، كنوع من أنواع التمدن، حسب ما ينظر له البعض، لافتة إلى أنه من الصعب عودة المجتمع إلى الوراء في أفكاره وبساطته حتى لو كان أفضل مما نحن عليه الآن، مما جعل طبيعة المجتمع طبيعة استهلاكية، تعتمد على الشراء المستمر وبالتالي التماشي مع مستجدات المجتمع أصبح أسهل من تغييره أو السير عكس التيار.
وأكدت أن الكثير من الاحتفالات  الشعبية او الافراح او المناسبات أصبحت تُصنّف على أنها فرصة لاظهار الوجاهة الاجتماعية، واوصت بضرورة الاعتدال في مظاهر الاحتفالات حتى لا تخرج المناسبات من اطار الفرح الى اطار الانهاك المادي والتبذير .