أقفال ومفاتيح الكعبة تنوعت بتعدد الخلفاء والسلاطين

alarab
باب الريان 04 أغسطس 2012 , 12:00ص
إعداد: إبراهيم الدسوقي
منذ اللحظات التي انتهى فيها سيدنا إبراهيم من بناء البيت الحرام بمكة المكرمة والكعبة المشرفة موضع الاحترام والتقدير، وإليها تهوى أفئدة الناس من كل مكان وزمان، هكذا نظر إليها سادة العرب في الجاهلية ومن بعدهم الخلفاء والأمراء والملوك والسلاطين وسائر المسلمين، وما كانت تحين فرصة إلا ويستغلها هؤلاء لتقديم هدية قيمة أو إجراء ترميم لازم أو وضع كسوة فاخرة تقربا إلى الله وأملا في ثواب الدنيا والآخرة. وقصة إرسال "محمل" أو مفاتيح لباب الكعبة هي نوع من القربان الذي يتقرب به الحكام إلى الله سبحانه وتعالى، ثم إنها ترمز إلى قيام مسؤولية الحاكم الدنيوي نحو الأراضي الحجازية حيث الأماكن المباركة. تقول بعض المراجع إن «شجرة الدر» أرملة الملك الصالح «نجم الدين أيوب» أرسلت كسوة وهدايا للكعبة من مصر، ولكن السلطان «الظاهر بيبرس» هو الذي جعل هذا الأمر سياسة مقررة، فقد كان التنافس على هذا الموضوع قائما بين حكام اليمن وحكام مصر، غير أن شريف مكة وعد السلطان قلاوون (681هـ/1282م) بأنه لن تستخدم أستار لكسوة الكعبة سوى الأستار المصرية. ويرجع حرص الحكام على هذا الشرف إلى رغبتهم في إظهار نفوذهم السياسي أكثر مما يرجع إلى الكشف عن إحساسهم العقائدي، ومن خلال ذلك صار مفهوما أن المسؤول عن رعاية خدمات بيت الله الحرام وقبر الرسول الكريم هو المسؤول عن رعاية أمور المسلمين، ومن واقع هذا المفهوم وجدت أقفال للكعبة ومفاتيح لتلك الأقفال، وتعددت الأقفال والمفاتيح بتعدد الخلفاء والسلاطين جريا وراء تأكيد السيادة، لا لأن الكعبة كانت في حاجة إلى كل تلك الأقفال ومفاتيحها. وقد قام «مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية باسطنبول» (أرسيكا) بإعداد دراسة أثرية لمجموعة أقفال ومفاتيح الكعبة المشرفة المحفوظة «بمتحف طوب قابي باسطنبول». وقد قدم لهذه الدراسة الدكتور «أكمل الدين إحسان أوغلو» الذي يشغل حاليا منصب أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي، حيث أكد أهمية دور (أرسيكا) في إبراز مظاهر الحضارة الإسلامية العريقة متمثلة في فنونها الزاهرة، وما تميزت به من طابع خاص منذ نشأة الدولة الإسلامية قبل 14 قرنا. أهمية الدراسة ويوضح الدكتور «أكمل» أنه من الواجب إعلام المسلمين بجزء عزيز من تراثهم الحضاري، وأن أهمية تلك الدراسة الأثرية حول أقفال ومفاتيح الكعبة توضح أن أقفال الكعبة ومفاتيحها لم تكن مجرد وسيلة للفتح والغلق، ولكنها كانت تحمل في الوقت نفسه فكرة الرعاية والعناية والحرص وعلى التقدير لكل ما يتصل ببيت الله الحرام. وتتكون هذه المجموعة الفريدة التي يقتنيها «متحف طوب قابي» التي تتميز بأهميتها التاريخية والدينية والفنية على السواء من (53) قطعة خاصة بالكعبة المشرفة، فضلا عن قطعتين أخريين صنعتا للحجرة المطهرة بالمدينة المنورة. وقد عهد المركز إلى الدكتورة «طرجان يلماز» الأستاذ المشارك في كلية الآداب بجامعة اسطنبول بإعداد تلك الدراسة باللغة التركية، وقام الدكتور «تحسين عمر طه أوغلي» بترجمتها إلى اللغة العربية. والجدير بالذكر أنه لم يسبق لأحد من الباحثين نشر هذه المجموعة بكاملها. وتقول الدراسة كذلك إنه إلى جانب المفاتيح الموجودة في اسطنبول فإن هناك مفتاحين يمتلكهما متحف الفن الإسلامي بالقاهرة. موكب المفتاح الأقفال والمفاتيح كانت تصل إلى اسطنبول وتدخل القصر العثماني في موكب عرف باسم «موكب المفتاح» فقد كانت المفاتيح تأتي بطريق البحر، وكان خبر اقتراب السفينة يصل الباب العالي قبله بيوم حيث يتوجه الأشخاص المقرر اشتراكهم في الحفل (كما جاء في دفتر «التشريفات» البروتوكول) مبكرا إلى منطقة «داود باشا» في اسطنبول بملابسهم الرسمية الخاصة بالاحتفال، أما الموظف المعروف باسم «كتخدابك» (أي الوكيل الذي ينوب عن الصدر الأعظم)، فكان يتوجه قبل هؤلاء بساعتين في موكب آخر حتى يستعد هو الآخر لاستقبال السفينة، فيتسلم بكل التعظيم والاحترام المفاتيح من «الأغا» الذي جاء بها ثم يقبلها ويرفعها على رأسه ثم يتوجه مع القادمين بها إلى منطقة «داود باشا»، حيث يكون في انتظارهم جمع من المستقبلين وعلى رأسهم شيخ الإسلام وأغا دار السعادة (أكبر موظفي القصر الهمايوني والمشرف على دائرة الحريم فيه)، والقائمقام باشا (الوزير الثاني بعد الصدر الأعظم والنائب عنه في غيابه)، والقبطان باشا (قائد الأسطول العثماني)، وغيرهم من رجالات الدولة فيتقدمون أربعين أو خمسين خطوة للأمام، ويقوم «الكتخدابك» مرة أخرى بتقبيل المفاتيح التي توضع على صينية من الفضة، وبعد أن يرفعها على رأسه يعود ويقدمها لأغا دار السعادة الذي يضعها على منضدة حتى يتمكن جميع الحاضرين في الاحتفال من مشاهدتها، ثم يركب الجميع جيادهم حيث يتصدرهم أغا دار السعادة وإلى جواره «الكتخدابك» حاملا المفاتيح في الصينية الفضية فيدخلون القصر من الباب الهمايوني» في قصر «طوب قابي» وينزلون عن خيولهم، حيث يتسلم أغا دار السعادة المفاتيح وعند الوصول إلى باب السعادة يعلن السلطان عن استقباله لأغا دار السعادة، ويقبل هو الآخر المفاتيح ثم يجلس على كرسي العرش ويمر من أمامه للتهنئة رجال الدولة والعلماء ورجال الحرس السلطاني على حسب ترتيب وظيفته وتبعا لنظام البروتوكول. وهذه المسيرة تصور لنا طريقة وصول المفاتيح إلى «قصر طوب قابي»، وتشير المصادر التاريخية إلى أن هذه المواكب والاحتفالات نظمت عدة مرات أيام «السلطان محمود الثاني». فقد كانت ترمز بل وتؤكد على أن السلاطين العثمانيين هم حكام مكة والمدينة خلفاء المسلمين. مفاتيح العصر العباسي وقد لوحظ في النماذج الأولى من مفاتيح العصر العباسي أنها صنعت من مادة الحديد، أما النماذج التي جاءت بعد ذلك فقد صنعت من مادة البرونز، وهذا التغيير يرتبط بما حدث من تطور في صناعات التعدين الإسلامية على مر العصور أما الكتابات التي جاءت على الأقفال والمفاتيح فقد كتبت بالذهب أو الفضة بطريقة «التطعيم». مفتاح المستنصر بالله وفي رجب 622ه/1225م، أمر الخليفة «المستنصر بالله» بصنع مفتاح للكعبة المشرفة من النحاس الأصفر، وكان متميزا بالحفر الغائر على الجانبين المليء بمادة القار، كما أن عليه كتابات وزخارف بالفضة. مفاتيح العصر المملوكي وقد حظيت المفاتيح في العصر المملوكي بعناية أكبر في صناعتها بالمقارنة مع مفاتيح العصر العباسي، ويتجلى ذلك في الزخارف الكتابية وفي طريقة التطعيم بالفضة مما يكشف لنا عن المهارة الفائقة في تنفيذ الخطوط والحروف، كما تميزت بوجود عدد فقرات دوارة في رقبتها مما يتيح نوعا من الاستطالة في ذلك الجزء من المفتاح، وقد زينت كل جوانب الأجزاء المكعبة بالكتابات وأغلبها مقتبس من القرآن الكريم، كما نجد في بعض الأحيان اسم صانع المفتاح واسم الخليفة الذي أمر بصنعه وتاريخ الصناعة. قفل السلطان برقوق ويظهر ذلك بوضوح في القفل المصنوع من الحديد المطعم بالذهب الذي يرجع تاريخه إلى 804هـ/1401-1402م وينسب إلى السلطان «برقوق»، وقد زينت كل جوانبه بالكتابة، وتوجد على بدنه ماسورة القفل الأسطوانية، وكذلك على عمود التعليق عدة خطوط متعرجة بالذهب والفضة. كما وجد مع بعض المفاتيح كيس من الأطلس الأخضر مطرز بالذهب لحمايته، بينما المفتاح مصنوع من الحديد ومطعم بالذهب والفضة، وذلك في القرن 9هـ/15م. كيس السلطان عبدالمجيد وقد ذكر في سجل «متحف طوب قابي» باسطنبول وجود مفتاح من القرن التاسع الهجري يتميز بأن الرقبة والرأس مطليان بالذهب، وينتهي بحلقة على شكل رأس تنين، ولهذا المفتاح كيس من الأطلس الأخضر مطرز بالقصب الأصفر، وإن الذي أمر بصناعة ذلك الكيس هو «السلطان عبدالمجيد» وجاء به «الخديوي عباس باشا». قفل ومفتاح لباب التوبة كما حفل «متحف طوب قابي» ضمن مجموعته المتميزة على قفل ومفتاح من القرن التاسع الهجري مصنوعين من الحديد المطعم بالذهب صنعا خصيصا لباب التوبة كتب على بدن المفتاح بالثلث في أحد وجهيه «يا مفتح الأبواب» وفي الوجه الآخر «افتح لنا خير الباب»، وكتبت على الأوجه الثلاثة للقفل وداخل مربعات موزعة على صفين عبارات: «هذا قفل/ باب التوبة/ في داخل/ الكعبة/ الله قابل التواب/ ومفتح الأبواب/ استغفر وتاب/ نصر من الله فتح/ قريب وبشر/ المؤمنين/ يا محمد بجنه». ثم تأتي الآية 13 من سورة الصف. أقفال ومفاتيح العصر العثماني يعد السلطان «بايزيد الثاني» أول من أرسل قفلا إلى الكعبة من السلاطين العثمانيين (قبل انتقال الخلافة الإسلامية إليهم)، ويوجد بين المجموعة الموجودة في المتحف زوج من الأقفال إلى هذا السلطان، وقد صنع القفلان من الحديد وعليهما كتابات بالذهب تتضمن آيات من القرآن الكريم واسم السلطان بالإضافة إلى اسم الصانع. وقد تميزت الأقفال العثمانية بصنعها من الفضة والزينات التي تحلي الأقفال والمفاتيح العثمانية شديدة الوضوح، وتضم الحليات السائدة زخارف نباتية ومراوح نخيلية إلى جانب الأزهار والورود، ويغلب خط الثلث على الكتابات فوق الأقفال والمفاتيح، كما تميزت فيما بعد بجزء مضاف يعرف بالمرآة يعلو «البدن»، وفوقه جزء صغير آخر يطلق عليه اسم «الرصيعة»، وقد خصصت في الغالب لكتابة أسماء السلاطين العثمانيين، بينما كتبت الآيات القرآنية على أسطح البدن المتعددة الزوايا والأوضاع. قفل بايزيد الثاني أمر «السلطان بايزيد الثاني» بصنع قفل للكعبة المشرفة في ربيع الأول 915هـ/15.9م، والغريب أنه لم يعثر على مفتاح لذلك القفل. وقد صنع من الحديد بالذهب تزينه من طرفيه زخرفة نباتية على هيئة مروحة نخيلية مفرغة من الداخل، وتشغل المساحات المسطحة منه كتابات بخط الثلث، ويلاحظ أناقة الخط ووضوحه على وجهي القفل. أقفال ومفاتيح نادرة وبأمر من «السلطان مراد الثالث» تم صنع قفل ومفتاح يمثلان نموذجا نادرا في مجموعة الأقفال والمفاتيح العثمانية وصانعه «محمد بن عماد 1200هـ/1593-1594م، ويبلغ طول القفل نحو 63 سنتيمترا بينما طول المفتاح 30 سنتيمترا، وهو عبارة عن وحدة كاملة (المفتاح والقفل) تتميز بالأناقة وحسن الصنعة. كيس من والي مصر كما ضمت مجموعة أقفال ومفاتيح الكعبة المشرفة مفتاحا من الحديد والجزء العلوي منه من النحاس الأصفر المطعم بالفضة، وقد وجد هذا المفتاح داخل كيس مطرز بخيوط الذهب وكتبت على البطاقة المعلقة بالكيس عبارة باللغة التركية مفادها أنه مفتاح الكعبة الشريفة وأن الذي جاء به هو إبراهيم باشا حين كان واليا على مصر عام 1583م أيام السلطان محمد الثالث، ويبدو أنه جاء بالكيس في تلك الأثناء، وواضح من أسلوب الكتابة أن الكيس يعود إلى القرن العاشر الهجري، السادس عشر الميلادي. والجدير بالذكر أن الآيات القرآنية الواردة على الأقفال والمفاتيح هي سورة فاتحة الكتاب، وآيات من سورة البقرة وآل عمران والنساء والأنعام والتوبة وإبراهيم والحج والمؤمنون والفتح والحشر والصف وقريش والإخلاص. ومن المصادفات التي تسترعي الانتباه -كما تقول الدكتورة طرجان يلماز- في مجموعة أقفال الكعبة المحفوظة بمتحف «طوب قابي» باسطنبول أنها تبدأ حيث الترتيب التاريخي بجزء من قفل خشبي يرجع إلى القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، وتنتهي بقفل خشبي أيضا يرجع إلى عهد السلطان عبدالعزيز في القرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي.