

وحدة عربية «نادرة» شكلتها الشعوب العربية
الغرب خسر معركته الجيوسياسية لصالح العالم الثالث
قوى كرة القدم العالمية سقطت أمام اليابان والمغرب وتونس
إذا كان الشاعر نزار قباني قد قال في قصيدته «الحاكم والعصفور»: أتجوّل في الوطن العربي وليس معي إلّا دفتر.. يرسلني المخفر للمخفر.. يرسلني العسكر للعسكر.. وأنا لا أحمل في جيبي إلّا عصفوراً، قالها متندراً على تفرّق العرب وعدم توحدهم.. فرد عليه الشاعر جورج صيدح قائلاً:» إن العروبة جذع لا تزعزعه * عوارض الدفع في الأغصان والجذب»، فيما قال الشاعر زكي قنصل:» آفة العرب أنهم لم يسيئوا * لمسيء ولم يكيدوا لغادر».
بين تندر نزار وأسفه على الفرقة، وتفاؤل جورج وثقته وآماله، بأنه سيهل يوم ما تقوم فيه الوحدة، ومثالية زكي بأن العرب مسامحون مع كل مسيء، وناسون لغدر كل غادر، فإننا أمام حالة توافق عربي وتلاحم ومشاعر فياضة في مونديال قطر ـ العرب 2022، ربما لن تتكرر ثانية ما حيينا، ويمكننا القول:»العرب الموندياليون، كسروا كل القيود».
توافق
حالة التوافق منبعها التعاضد مع قطر بكل مشاعرنا العربية، وتوحدنا بتلقائية مع مشاركات المنتخبات العربية.. الأجمل في الحالة والأكمل فيها، أنها لم تأت بتوجيهات أو بتعليمات من حاكم، أو من حملات إعلام، بل جاءت من القلب العربي للقلب العربي، خالصة فطرية التدفق، وانفجرت المشاعر وفاضت الدموع مع أول فوز حققه الأخضر السعودي على الأرجنتين، فكانت الفرحة في فلسطين، وانفجرت المقاهي في القاهرة وبغداد ودمشق، وكل شبر في الأرض العربية، سعيدة بهذا الفوز، على أحد أهم قوى كرة القدم في العالم، ولم يتوقف شلال التلاحم والألفة والحب وفيض المشاعر، بل بقي على توهجه، بفوز تونسي نادر على الديوك الفرنسية، وازداد تواصلاً بفوز أسود الأطلس، على شياطين بلجيكا، ومن ثم عزفوا لحن التأهل على أوتار المنتخب الكندي، لتكسر هذه الانتصارات قصيدة «نزار قباني»، «أتجوّل في الوطن العربي وليس معي إلّا دفتر.. يرسلني المخفر للمخفر»،.. ويغيب المخفر والعسكر، ليتجول كل عربي في الوطن العربي، ومع كل انتصار يتلوه انتصار، «لا يسأله عسكري، ولا يبيت في مخفر»، فسلاحه الانتصارات العربية التي تحققت، في مونديال كل العرب، لتعيش الجماهير العربية حلم «الوحدة العربية» وهي التي لم تتوحد من قبل، حلم حققته المشاعر، ولم تكسره قيود الحاكم وأنا كشعب ها أنا أقول لا أحمل في مُقلتي سوى عصفور.
معركة جيوسياسية
الصراع الجيوسياسي الراهن، تحولت فيه كرة القدم والرياضة عموماً عبر العقود الماضية إلى مجال متداخل مع المجالات السياسية والمجتمعية، بحسب الباحث «محمد بسيوني»، ويضيف ويحمل في حد ذاته حمولات ثقافية وقيمية معينة، تعتبر “كرة القدم واحدة من التضاريس الثقافية التي تحاول فيها الطبقات السياسية والاقتصادية المسيطرة تحقيق هيمنة أيديولوجية وتعزيز النفوذ الطبقي، ومن هذا المنظور، تعتبر أندية كرة القدم المحترفة والفرق الوطنية جزءاً من المعركة الثقافية الأكبر في المجتمعات الرأسمالية الليبرالية المصممة لكسب القلوب والعقول”، إلى هنا انتهى كلام بسيوني، وهو ما يتعارض مع استضافة قطر لمونديال 2022، ومحاولة الغرب المستمرة، على مدار الــ 12 عاماً الماضية « انتزاع حق الاستضافة من قطر الممثلة للعرب ككل»، وما يؤسف أن من العرب من انساق خلف هذا المخطط الاستعماري في الأساس، الذي يرى أنه أحق بالقيادة السياسية وعليه تؤول إليه حق القيادة الثقافية والرياضية، وينظر إلى ما يطلق عليه دول العالم الثالث بأنهم، ما عليهم سوى أن يكونوا «تابعين»، فهم يعتقدون أن كرة القدم إرث أوروبي، وهم له حافظون.
الفهم العميق
ما يفرح حقاً أن الشعوب العربية بفطرتها، فهمت وأيقنت جيداً أن المخطط الغربي، لانتزاع حق مشروع منا كعرب ممثل في إقامة البطولة على أرض قطر، ما هو إلا (استكثار علينا ونظرة دونية لنا كعرب جميعا)، لتتوحد هذه الشعوب، خلف قطر، ودعمها في حقها بأن تقام كأس العالم هنا على أرضنا أرض عربية، ليستمتع بها كل عربي، وكل شعوب العالم الحر، ليفشل مخطط الغرب في إفساد أحد أهم (الأسلحة الناعمة بالتعريف بالثقافة العربية والإسلامية) وهو ما تحقق بكل سهولة ويسر، ودون تخطيط مسبق، فالجماهير التي حضرت من الغرب خاصة، لمست واقعاً حقيقياً، يعكس ثقافة عريقة لشعوب عربية مسالمة، لا تريد سوى التعبير عن هذه الثقافة، لتثبت للغرب أنه ينظر للأمور بمعايير مزدوجة، وعليه أن يهبط من عليائه، ويغير من مفهوم نظرته الاستعلائية.
سقوط
إذ كانت المعركة الجيوسياسية حقيقة، فإن سقوط بعض قوى كرة القدم في العالم، أمام من يرونهم أنهم أقل منهم قوة وعراقة في اللعبة، لأمر رائع، «فإن تفقد جزءا من معركتك وتخسر جانبا منها فمشاركتك جاءت وبالاً عليك وخسراناً مبيناً، كما جرى للمنتخب الألماني»، الذي جاء إلى هنا رافعاً شعاراً سياسياً، فأنزلته اليابان من عليائه، وغادر من الدور الأول، ليعود أحفاد الساموراي ويسقطون المنتخب الإسباني أحد القوى المهيمنة الأخرى، وهو ما فعلته تونس مع فرنسا بطل العالم، والمغرب مع المصنف ثانياً على العالم، ليخسر الغرب في مونديال قطر كثيراً.. خسر معركته السياسية التي جاء من أجلها، وخسر قيمته الكروية التي حارب لاستدامتها.
نحن العرب كسبنا وحدتنا، وعبّرنا بدون أي رتوش عن ثقافتنا وحضارتنا، وشهد لنا العالم الحر، بأننا قادرون على مقارعتهم، فيما يتنازعون فيه، فتنظيم التظاهرات الكبرى، ليس إرثاً يملكونه، بل هو إرث ملك للبشرية، وليستمتع العالم بكأس عالم نظيفة لا تشوبها شائبة.