عصام الشوالي: أصعب لحظة واجهتها وفاة الهادي بالرخيصة في الملعب

alarab
منوعات 03 نوفمبر 2012 , 12:00ص
الدوحة - أحمد الوحيدي
هو من بين قليل من المعلقين الرياضيين العرب، بملكه تحويل تسعين دقيقة هي زمان مباراة كرة القدم إلى مساحة هائلة من المتعة، يلتقي فيها الشعر بالتاريخ والجغرافيا، ودروس في السياسة والقومية أيضا. ومنذ صدح صوته عبر أثير إذاعة الشباب التونسية كان عصام الشوالي يضع قدما راسخة في التعليق ويحجز مكانه أيضا في قلوب العرب واحدا من رموزهم الجديدة في التعليق الرياضي، فاكا أيضا وهو الفتى القادم من تونس «شيفرة» القُطْرية العربية، فهو سوداني وسعودي وأردني وفي بلاد العروبة يفضل كثير منها الشوالي التونسي على معلقين محليين. لديه معجم لغوي هائل يغرف منه موروثا تونسيا وأمثالا عربية، يطوع الشعر والأدب وثقافة ومعارف غربية نصا يوازي الإدهاش البصري الذي يقدمه لاعبون وفنانون على ساحة المستطيل الأخضر. بدأ في إذاعة الشباب ولعلها التي لها الفضل عليه، فقد كان الشوالي أمام تحد دائم، وهو كيف يخلق لمستمع لا يرى المباراة صورة بصرية كأنه يشاهد المباراة عينا، خرج من المسموع إلى المرئي ليرسم لوحات وإثارة لا تقل وهجا عن المباريات, بل ربما كان هو في كثير من الأحيان أحد أسباب زينتها ونجاحها. ربما يكون الشوالي قد ضل طريقه إلى «الأدب الفرنسي» ودراسته, لكن ثقافة موسوعية وجلدا كبيرا على متابعة كرة القدم والولهان بها من صغره هي من فتحت له كابينة التعليق في (أيه.آر.تي) وبعدها في الجزيرة. خمسة عشر عاما أو يزيد قليلا هي عمر تجربته في التعليق الرياضي، لكنه استطاع خلالها نقش اسمه في قلوب عشاق المستديرة من المحيط إلى الخليج، وهو الذي اختير عبر سنوات كأفضل معلق عربي، وخلال المسيرة حظي بتكريم الوطن العربي بأكمله، إلا أن التكريم الأهم هو ذلك الذي لا تزال جماهير الأمة تغدقه عليه. سافر, ويرتحل كثيرا بين ملاعب العالم لكنه أيضا بدأ هذا التجوال مبكرا في فرق الكشافة، لكن أجمل أسفاره كانت زيارته إلى بلاده فلسطين التي صلى في قدسها، أغرم بمتاحف العالم وفنونه في إيطاليا. هذا حوار عفوي يتدفق فيه عصام الشوالي في حديث عن ذاكرته التي ما زالت تتوهج، وعن محطات صعبة في حياته:  متى اكتشفت لحنجرتك كل هذه القدرة على الهدير، ومتى بدأ شغفك الأول مع المستطيل الأخضر وساكنيه؟ - منذ لحظات أولى في طفولتي المبكرة كنت عاشقا «مجنونا» بالرياضة كلها، أعني ألعابها المختلفة، كرة السلة والتنس إلى آخره، لكن الولع الأكبر والذي يبدو أنه ما زال يصحبني إلى اليوم وإلى آجال لا أعرفها كرة القدم. هكذا لم يكن التعليق على مباريات كرة القدم اكتشافا بقدر ما كان ينتظر فرصة للتفجر في «كابينة» التعليق وخلف الميكروفون. لم أذهب إلى الإعلام، أخذتني قدماي ومجموعي العلمي إلى دراسة الآداب الفرنسية. وفي عام 94 والعام الذي يليه كانت تونس فتحت قنوات تلفزيونية خاصة بالشباب، وكانت تسمى قناة 21، وفي الأثناء أيضا كانت هناك إذاعة الشباب, لم يلفتني الانتباه للعمل في القناة آنفة الذكر ربما «لأن الموهبة كانت مختبئة آنذاك. معلقاً عبر الأثير هنا قصة للعمل في الإذاعة جلست أتحدث والعائلة، إخواني وأخواتي، قالوا لي لماذا يا عصام لا تشارك في اختبار التقدم للإذاعة؟ كان جوابي حاضرا من دون محسوبية و «وجود الأكتاف» لا يمكن أن أجد طريقي لها, خلقت لنفسي مبررات لكي لا أتقدم للامتحان الذي شارك فيها 5500 متقدم، ورغم تقديمي للأعذار لمحاولة عدم الذهاب للامتحان فإنني في نهاية المطاف تقدمت له، أذكره الآن بعد مضي سنوات طويلة عليه أنه كان صعبا، تضمن فحصا للنطق ومخارج الحروف، وكان أن نجحت في الامتحان ومن دون محسوبية أيضا. تلك لحظة فاصلة, وهي أم بداياتي هناك في الإعلام الرياضي، اكتشفت أن أحلامي بكرة القدم والخلفيات الثقافية ومتابعاتي النهمة، لمباريات كرة القدم بدأت تظهر في تلك الفترة الإذاعية، قدمت إذاعيا في عام 96 برنامج برقيات رياضية، وبرنامجا آخر حمل اسم «ملتقى الرياضات» وفيه متابعة لكرة القدم التونسية، لم يكن ثمة تعليق في البرنامج بقدر ما هو مداخلات حول المباريات وتحليلها. كانت نقطة التحول باتجاه التعليق الرياضي في عام 97، حيث أقيمت دورة الـ(L.G) وهي دورة رباعية شاركت فيها تونس وزامبيا والكاميرون ونيجيريا، وأول مرة في إذاعة الشباب هذه الإذاعة الفتية جربوا أن يكون هناك تعليق كامل للمباريات، ويبدو أن تعليقي علق في أذهان المسؤولين والمديرين، واستقر لديهم أنه يمكن أن أكون مشروع معلق، لكن البداية الحقيقية كانت في السابع من (أغسطس)، العام 97, وتزامنت مع مباراة تونس وزامبيا وانتهت بفوز تونس 3/1، وتزامنت مع بداية القبول بي كمعلق للمباراة النهائية ثم جاء الحدث الأهم وهو نهائيات أمم إفريقيا، وهو حدث كبير وعلقت على مباريات تونس جميعها وفي أربع مباريات، ازدادت ثقتي بنفسي كمعلق وأخذت تتعاظم واكتشفت مرة أخرى أن هذا الشغف يزداد تألقا ورغبة في الظهور، في الإذاعة علقت على نهائيات كأس العالم عام 98، وكأس تونس، كما علقت على نهائي المتوسط. بالنسبة للمرئي، كانت البداية في تونس (قناة 7) وأصبحت معلقا للرياضة العالمية، وأول مباراة علقت عليها في بطولة أبطال أوروبا كانت بين إنتر ميلان وريال مدريد، وكان يعلق معي توفيق العبيدي الذي كانت نسبة تعليقه %95 من المباراة، وفي بعض أوقات المباراة كان يمنحني دقيقتين أو ثلاث دقائق للدخول في «مود» التعليق, وفي نهاية الشوط الأول من المباراة قال لي العبيدي: «ما شاء الله عليك يا عصام»، في الشوط الثاني ستعلق معي دقيقة بدقيقة والحمد لله من أول مباراة، لقيت القبول والرضا وهكذا يبدو أن أقداري أن ألقى القبول من أولى المباريات في التعليق, إذ إنه في «الأيه.آر.تي» أيضاً كان يبدو وكأنه اختبار لهذا الشاب الفتي التونسي, وكانت المباراة التي علقت عليها هي بين الترجي وصن داون، ثم كانت مباراة الاختبار في 13 أكتوبر, وكانت بين بايرن ميونيخ وميونيخ 1860, يومها قال أستاذنا علي داود رئيس القسم الرياضي في «الأيه.آر.تي» قال ما شاء الله على معلقنا عصام الشوالي، مكسب جديد و «يبدو أنني كنت محظوظا في بداياتي». من أين لك هذا  هذا ملخص للمسيرة، لكن دعني أستعير من معجمك سؤالك الأثير من أين جئت بكل هذا المعجم الذي يتسع للجغرافيا والتاريخ والخطاب القومي أحيانا، عصام: من أين لك هذا, من أين جئت بهذا؟ - دعني أنت أيضا أبدأ بهذا التمهيد, أنا أكره التكنولوجيا, وضد الإنترنت إذا شئت لأنه يعلم الكسل، ربما يتيح لك آفاقا واسعة، لكن القراءة الواسعة والنهمة هي ما يحفر في ذاكرتك ويستقر فيها ربما للأبد، أعود لسؤالك لأجيب بالنسبة لي حصلت معلوماتي بجهد حثيث من القراءة، كنت أطالع المجلات والكتب بشكل نهم, مازلت إلى الآن أحتفظ بصحف وقصاصات منها في السبعينيات وكنت أقرأ الجريدة كلها وبشكل أخص الرياضة. لم تكن ثمة شواغل كثيرة تلهينا في السبعينيات، المطالعة كانت إحدى شواغلي وللأسرة فضل كبير علي في هذا المجال, فقد نشأت في بيت كان الأب فيه مثقفا وناصري النزعة والميول، وربما هذا واحد مما يفسر ولعي بمحمد حسنين هيكل بعد ذلك. ذهبت للملاعب وأنا صغير في السادسة من عمري, وقرأت في مدرسة خاصة, كانت فيها الفرنسية تدرس منذ سن السادسة (لعل أبي قد دللني كثيرا بذلك الاختيار) سافرت صغيرا وفي التاسعة من عمري إلى فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وسويسرا, كل ذلك من خلال فرق الكشافة, وعندما تحيلني إلى تلك السنوات المبكرة من عمري وحكايات الطفولة فهي مجموعة من التراكمات، فالكشافة علمتني المسؤولية، الآن لو أتيت لبيتي سأريك جائزة فزت بها من الكشافة وعمري أحد عشر عاما, وفي مجال الإبداع الرياضي، حيث كانت تقام مسابقات في المعلومات الرياضية وفزت بالجائزة الكبرى. سفير اللهجة التونسية  تغرف من الموروث التونسي وتبدو سفيرا للهجته وأمثاله الشعبية للعالم, دلني أكثر على تكوينك الثقافي ومعارفك في الرياضة وغيرها؟ - كان ثمة تدرج في حياتي كلها, وفي سني المراهقة والطفولة أقبلت كغيري على مجلات الأطفال, وأذكر هنا مجلة «عرفان» التي كانت تصدر في تونس وهي موجودة حتى الآن, وتحظى باحترام جم, فلها يرجع فضل تكويننا الثقافي كجيل وأجيال، وكنت أتابع «النشريات» العربية مجلات الأطفال ومنها ماجد، كنا نقبل على واحدة من أعظم المجلات الرياضية وهي مجلة الصقر القطرية والتي واحدة من خسائرنا أنها تاهت في زحام السنوات، كانت الصقر من أسباب هذه الخلفية الرياضية للشوالي وغيره من الإعلاميين الرياضيين العرب في تلك الفترة، وعندما كانت تصل إلينا في يوم الخميس إلى تونس كانت تباع بـ300 مليم كان يوم وصولها إليّ كما يشبه لقاء حبيب بحبيبة، وفي سن التاسعة عشرة قرأت كثيرا لمحمد حسنين هيكل، وعندي معظم سلسلته وأغرمت بقراءة كتب التاريخ أكثر من كتب الأدب، واكتفيت من الأدب بما وفرته المناهج الأكاديمية، وما زال نهمي بالتاريخ إلى اليوم, وربما لو لم أكن معلقا لتمنيت أن أكون أكاديميا في التاريخ. وحتى عندما نجحت في البكالوريا جعلت اختياري الأول أن أكون في شعبة التاريخ إلا أن المجموع لم يسعفني فتوجهت إلى الأدب الفرنسي، كانت ولا تزال لدي رغبة في معرفة التاريخ, فأنا أحب أن أعرف كثيرا عن الأمم وهو يثير فيّ كثيرا من الأسئلة، بيد أن السفر أضاف أيضا لدي معارف هائلة بالدنيا والعالم. تونس نفسها وانفتاحها أعطاني هذا الغنى في شخصيتي, ففيها أناس يتحدثون الإيطالية والفرنسية والألمانية والإسبانية, وعلى صعيدي الخاص تعلمت الإيطالية والإسبانية من خلال عشقي لكرة القدم كنت أستمع للمذياع، وأتابع مباريات الدوري الإيطالي، لذلك أنا أجيد الإيطالية كما أجيد العربية وبالمتابعة والجهد وليس بالدراسة. عابر للقُطْرية العربية  في السودان أنت سوداني وفي الأردن أردني, ما الذي جعلك أيضا عابرا للقطرية العربية ومحبوبا إلى هذا الحد, هل هو تقمص الحالة القطرية لكل بلد عربي؟ - لا أسعى للتقمص بقدر ما أكون عفويا متى علقت وأين علقت أيضا، وارجع إلى أوائل كلامي, إذ قلت إنني سليل بيت ناصري وما زلت إلى اليوم وغدا أزداد إيمانا بأن الوحدة هي من سيحقق لنا أحلامنا, لا أعتبر أنه فضل على مصر عندما تلعب مع البرازيل أن أكون مصريا, وإذا لم أفعل ذلك فسأكون مريضا، ومعرفتي بالبلدان العربية هي جزء من ثقافتي ومعارفي العامة وهي حصيلة تراكمات. أعرف الكثير عن الرياضيات والرياضيين العرب والخلفيات والحساسيات النادوية العربية, أعرف ماذا يعني الوحدات والفيصلي لمشجعيهما, وأعرف حسابات الهلال والنصر السعوديين، أعرف ماذا يعني في الجزائر مباريات فرق العاصمة ضد شبيبة القبائل، وأعرف كيف أوظف كل تلك المعارف والحساسيات في تعليقي على المباريات. لا آباء لي في التعليق  هل ثمة أبوة لك في التعليق؟ - هو احترام وتقدير وسمع وليس ثمة أبوة’ لكن ما لدي هو «هلوساتي» الخاصة, وما أنا عليه بسبب جنون وولع لا نهائيين في الحضور في المناسبات الكبرى, كان أقصى أحلامي أن أحضر نهائيات كأس العالم, فإذا بي في الملعب, والكابينة الخاصة بالتعليق وأعلق على الحدث. عندما أتحدث عن القدامى من المعلقين فأنا لم يقيض لي أن أستمع إلى الرواد مثل أكرم صالح وكابتن لطيف وأيمن جادة في بداياته, الآن المشهد الفضائي واليوتيوب يتيح لك مشاهدة هؤلاء المعلقين. وفي طبعي أنا أحترم الرواد الذين نحتوا في الصخر حيث شح المعلومات وعدم وجود الإنترنت, ولذلك كانوا صحافيين كاملي الأوصاف (وأنا لدي نكتة أتمنى أن الاختبار الحقيقي للمعلقين أن تقطع الكهرباء ومعها الإنترنت لنرى عندها الغث من السمين في التعليق الرياضي).  تستدرك في تعليقك كثيرا تأخذك لحظة حماس لفريق يلعب جيدا، ثم يبدو أنك تتذكر مناصري الفريق الآخر فتقدم استدراكات كثيرة, حسابات الجمهور تربكك كثيرا! - هذه فرصة للتوضيح تتيحها لي, ليس هناك تناقض في الاستدراك على ما يجري وما تشهده المباراة, قد أفيض بالحديث على إبداع ميسي في الدقيقة 15 مثلا, لكنني سأنتقده على السوء, أنا أتحرك خلال مجريات المباراة, قد أجعل من رونالدو في الشوط الأول الأفضل في العالم وفي الشوط الثاني قد أجعله الأسوأ، هناك حكم عام متفقون عليه أن ميسي أفضل لاعب في العالم, ولكن قد يحدث أن يكون سيئا في مباراة، أحيانا عصبية الجمهور تجعله يحكم على المعلق في خصوصية ذلك التعليق والتصريح، وأنا هنا أذكر أنني هاجمت رونالدو في كأس العالم 2010, وقلت إنه ليس معقولا أنه وهو الذي سعره 94 مليون يورو يلعب مع البرتغال بهذا المستوى, صحيح أن ميسي تحسن مع الأرجنتين 2012 ولكنه ليس كما هو مع برشلونة, وأنا عندما أقول ملاحظات يمكنك أن ترفضها أو تقبلها, لكنك في النهاية لست إسبانيا أكثر من الإسبان أنفسهم. الأهلي والترجي تاريخ طويل  مباراة الأهلي والترجي غدا, ما الذي حضرته لهذه المناسبة, ماذا أعددت للتعليق عليها؟ - بالنسبة للتحضير بيننا وبين مباراة الأهلي والترجي أيام (الحوار أعد قبل المواجهة بأيام) والمباراة -أعني الإعداد للتعليق عليها- جاهز فأنا رجعت إلى أدق التفاصيل, تابعت الألوان التي لعب بها الفريقان في كل مواجهاتهما، تابعت أدق التفاصيل لتخفيف أجواء المباراة سأذكر للمصريين أنه في بيوتنا أشرطة أم كلثوم، وأفلام سينمائية مصرية، أحب أن يفوز الترجي، ولكن إذا ما فاز الأهلي سأفرح أيضا وأبارك.  في التسعين دقيقة هل لديك إعداد معين في التعليق, هل ترسم سيناريو ذهنيا قبل البدء؟ - في التعليق أترك للمجريات في المباراة أن تأخذني حسب أحداثها ومعطياتها، لكن أحيانا تخطر فكرة تلقائية وأوظفها حسب ما يقتضيه الحدث والتوفيق أيضا. أذكر في مباراة ريال مدريد وبرشلونة الكلمة الشهيرة في الثورة التونسية «لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية» شاءت الأقدار في المباراة أن يسجل رونالدو, وقلت إذا سجل رونالدو فسأقول هذه العبارة وأوظفها, وفعلا هذا أول هدف له في برشلونة بعد طول مباريات, وبعد سلسلة هزائم, هنا يحتاج المعلق بعض الحظ لتوظيف صور وعبارات ما. استنفاد معجم التعليق  تعلق بما مجموعه مليون كلمة في الأسبوع، وربما تزيد, أشفق على معجمك اللغوي من النفاد ألا تخشى استهلاك نفسك؟ - الإشكال الرئيسي الذي يقابل الشوالي مثله كمثل معلقي الجزيرة هو كثرة المباريات التي يتم التعليق عليها, وعلى أية حال هذه نعمة، والجانب السلبي في ذلك هو وقوعك في التكرار رغم أنني من أكثر المعلقين الذين يحاولون التجديد ولدي الهاجس الذي أشرت إليه، أعود لأقول إنني أركز في بعض المباريات على الثقافة العامة، وفي أخرى أستخدم قوة الوصف لأترك بصمتي في التعليق على تلك المباراة، وأحيانا أركز على «رتم» وإيقاع المباراة, خاصة في الأوروبية منها لأقود الجمهور منذ أول دقيقة إلى آخرها وإبقائه في جو الحماس، ثم في المباريات العربية أعنى البعد الوطني والقومي. وفي الفترة الأخيرة صرت أحاول أن أظهر عند تسجيل الهدف, وهناك أترك نفسي للخيال الخصب فأنت لا تعرف متى سيأتي وكيف، أترك وقتها للبديهة كيف تنفجر, وأحيانا أحس أن الفارق بين معلق وآخر هو في التعبير عند لحظة الهدف. ومن حسن حظي أنني أدور وأعلق على مباريات من كل الأجواء. الله والوالدان يحبونني  أنت في 2005 حصدت حب الجماهير العربية كأفضل معلق, ماذا يعنيه ذلك وأنت الشاب الذي يدور حول الأربعينات؟ - هذا يعني أن الله ووالدي يحباني, وهذه أكبر نعمة, وفي الوقت نفسه أنا بادلت هذه الجماهير نفس الحب وحملت همهم في كل مباراة يصدح فيها صوتي، وأحس أحيانا أنه يذبح صوتي لكنه كان علي أن أقدر جماهير تتابعني في التعليق حتى عندما أعلق على مباراة لا يكاد يشاهدها خمسة أبذل نفس المجهود وكأنها يتابعها ملايين. حتى والدي كان يقول لي لمَ ترهق نفسك؟ وبعد أحد عشر عاما كرمت في كل الدول العربية, لن أنسى تكريم وفاق سطيف في الجزائر, ولا الأهلي في مصر ولا مصر وأنا تونسي قدمت حفل فوز مصر بالتاج الإفريقي, هذا فخر ومجد ليس سهلا في ظل شوفينية العرب, تكريمي في المغرب والسودان والأردن وفلسطين لا أنساه وفي اليمن بخلاف تونس والاتحادات العربية، وأخذت جائزة في ليبيا في مصراتة كأفضل معلق رياضي. زرت بلادي فلسطين  أنت تسافر كثيراً ما هي البلاد التي علقت في ذاكرتك؟ - باعتبار هوس التاريخ فإن لكل بلد متعته وجوه بالنسبة لي، مصر تركيا اليونان العراق، لم أزرها لكنني زرت فلسطين وصليت في القدس وهذا ليس متاحا لأي أحد، زرت أرضي هناك، هذه النوعية التاريخية من السفر أحبه، وأنا مغرم بإيطاليا وفنونها زرت متحف فينسيا، وعندما تتوفر للإنسان مثل هذه الفرص فعلى الإنسان ألا يضيعها, وهناك الزيارات الرياضية التي توفرت بفعل تعليقي بالجزيرة، زرت متاحف الأندية الكبيرة وملاعبها البرنابيو وغيرها، السفر فيه فوائد عظيمة, وفي إفريقيا رأيت إبداع خلق الله. أسمع المعلقين جميعاً  لو خيرت بين معلقين فلمن ستسمع؟ - أسمعهم جميعا, ومن غير إخفاء، أحب أن أسمع تعليقا لمباراة كبيرة أنا لم أحظ بالتعليق عليها, ليس هناك معلق كامل, أحب أن أخذ من أيمن جادة الهدوء, ومن رؤوف خليف الإبداع وتوظيف الكلمات في وقتها, ومن الكعبي معلوماته في الكرة الإيطالية، ومن حفيظ قراءته للمباراة, ومن يوسف سيف الأقواس التي يفتحها ويغلقها. مدريدي وعاشق لمارادونا  هل أنت برشلوني أم مدريدي؟ - أنا المعلق الوحيد الذي صرح بأنديته, وسبق أن قلت إنني مدريدي، ومع ذلك هناك مباريات له لا أشاهدها وأنصرف عنها لمشاهدة فيلم, نظرتي للرياضة ليست تعصبية, لست إنجليزيا ولا إسبانيا أنا عربي في النهاية، اليوم أشجع برشلونة إذا لعبت بشكل جيد، لكنني في تونس أنا شوفيني لتونسيتي، أعترف بهذا, أنا في تونس صعب التصريح بهويتي وعلقت لمدة 15 سنة ولا أحد من التوانسة يعرف ألواني، أنا مدريدي, أنا عاشق لمارادونا وأحب بوكا جونيورز, وفي الدوري الإيطالي انتقلت وتغيرت, عائلتي تعشق اليوفي وفرض عليّ حبه في التسعينيات، وأغرمت بعد ذلك بميلان كابيللو, وأنا أحيانا أكون موزعا بين حبي الاختياري وعشقي وأراوح بينهما, وهنا أنا منافق رياضي أشجع الميلان عندما يكون له فرصة بالفوز وكذلك اليوفي, وهكذا تكون لدي فرصتان للفوز بالدوري.  ما الذي كنت تتمنى أن تكونه؟ - ربي أعطاني أكثر مما كنت أتمنى, لي تجربة سينمائية, وأنا أول معلق عربي يعمل مشهدا في السينما المصرية, شاركت في أوبريتات نصرة رسول الله, عملت لعبة الفيفا البلاي ستيشن مع عبدالله الحرمي، أول معلق غير أردني علق على الوحدات والفيصلي هو عصام الشوالي، علقت على الهلال والمريخ وديربي السعودية وكلاسيكو جدة في شهر 8 كرمت من الرئيس التونسي واعتذرت لأنه كانت هناك مباراة برشلونة ومدريد فاخترت الواجب على المجد الشخصي. عن العيون الزرقاء  لكثرة حديثك عن العيون الزرقاء تخيلت أنك تحب أن تكون كذلك! - لا, لا, أنا راض بما أنا عليه، وأحمد الله على نعمة الحياة, ثم لو كنت أتمنى لتمنيت أن أكون أسمر أكثر.  ما الموقف الصعب الذي تذكره أثناء تعليقك؟ - ثلاثة أشياء بالترتيب, في 97كنت أقدم برنامجارياضيا وكنت مع زوجتي وكان يوم وفاة الهادي بالرخيصة، رحمه الله, وكان لدي سنة ونصف فقط في العمل اعني انني لم اكن متمرسا بعد, وكانت تجربة قاسية وها أنا بعد 15 سنة، لا أكاد أتصور الحادثة, كنت أتكلم كلمة وأذرف الدموع ثم 2006 كانت تجربة أصعب, وصادف وفاة ابن أختي وكان لدي مباراة تشيلسي وبرشلونة للواجب واحترام المهنية علقت على مباراة تاريخية كانت شحنة فرغتها. يوم أن علقت على افتتاح آسيا تزامن مع قيام الثورة التونسية, ولم نكن نعرف ما الذي يحدث القلق على البلد والعائلة, كان يأكلني وربي يعلم أني لم أنم ليومين واحترمت مهنيتي, وقدمت المباراة تلك محطات صعبة ومؤلمة في المسيرة هذه من أصعب الأمور.  أي المباريات التي تذهب إليها لإلقاء قصائد فيها؟ - برشلونة وريال مدريد.