آيات الصيام بين دلالة اللغة وحكم الشرع

alarab
باب الريان 03 أغسطس 2012 , 12:00ص
د.عودة أبوعودة
وردت مادة (الصيام) وما يشتق من فعلها في القرآن الكريم ثلاث عشرة مرة في إحدى عشرة آية؛ لأن هذه المادة ذكرت في آيتين اثنتين منها مرتين. وقد توزعت هذه الآيات في ست سور فقط من سور القرآن الكريم هي سور البقرة والنساء والمائدة ومريم والأحزاب والمجادلة. وقد وردت المادة في سورة البقرة ست مرات، وفي النساء مرة واحدة، وفي المائدة مرتين، وفي مريم مرة واحدة، وفي الأحزاب مرتين، وفي المجادلة مرة واحدة. وفي كل هذه الآيات وردت مادة الصيام مرة واحدة بصيغة الفعل المضارع، ومرة واحدة بصيغة فعل الأمر، ولم ترد بصيغة الماضي. ووردت ثماني مرات بصيغة المصدر (الصيام)، ومرة واحدة بصيغة المصدر (الصوم)، ومرتين بصيغة اسم الفاعل (الصائمين والصائمات). ومن خلال هذه الملاحظات اللغوية نستطيع أن نشتق عدة أسئلة تفضي بنا الإجابة عنها إلى عدد من أحكام الصيام وأسراره. لماذا غلبت على آيات الصيام صيغة المصدر ولم ترد بصيغة الفعل سوى مرتين؟ ما الفرق بين (الصيام) و(الصوم)؟ ما الفرق في الدلالة بين المصدر الصريح (الصيام) والمصدر المؤوّل (أن تصوموا)؟ لماذا ورد (رمضان) مرة واحدة في القرآن الكريم رغم أن الصيام ركن أساس من أركان الإسلام الخمسة؟ لماذا كان الصيام في (رمضان) وهو شهر قمري، ولم يكن في شهر من شهور السنة الميلادية؟ فأما أن الصيام كتب علينا بصيغة المصدر، لا بصيغة الفعل، فذلك لأن المصدر يدل على حدث عام، والفعل مرتبط بحدث مرتبط بزمن محدد. فقولنا (صيام) مثلاً يدل على حدث عام وعلى فريضة من الله عز وجل علينا وعلى الذين من قبلنا. أما تفصيلات هذا الحدث، كيف يكون ومتى يكون فإن آيات أخرى تفصله بأساليب أخرى. كأن أقول لإنسان ما وجدت لك (عملاً)، أما كيف (يعمل) ومتى (يعمل) فإن ذلك له سياق آخر، قال الله عز وجل في الآية (183) من سورة البقرة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). وانظر إلى هذا التشريف الكبير للذين آمنوا حيث يناديهم الله عز وجل ليخبرهم أن الصيام قد كتب عليهم كما كتب على الذين من قبلهم، فالنداء فيه بشرى لهم بصفة الإيمان. وفي المفهوم العملي المستمد من الآية نقول إن الذين يصومون صياماً صحيحاً كاملاً كما أراد الله عز وجل يكونون من الذين آمنوا ويكونون من المتقين. ولعل سائلاً يسأل لماذا قال الله عز وجل (كتب) ولم يقل (فُرض) أو (شُرع) ذلك أن القرآن الكريم استعمل مادة (كتب) وما يشتق منها من أفعال ومصادر وصفات وأسماء في الأمور الثابتة الأساسية التي تدخل ضمن قضاء الله عز وجل الأزلي. أما الفعل (شرع) و(فرض) و(وصّى) فهي أفعال تتعلق بالشرائع والفرائض الخاصة بأمة من الأمم وبزمن من الأزمان، ومن البدهي أنه ربما يكون من شرائع بعض الأمم ما شرع لأمم أخرى. ولكنها قد لا تصل إلى مرحلة الأصول التي كتبت على الإنسان في دين الإسلام قبل أن يكون الإنسان. وفي قوله تعالى: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) دليل قطعي على أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم هي الرسالة الخالدة، هي الرسالة الأخيرة الباقية إلى يوم القيامة. ولذلك لم يقل عز وجل (على الذين من قبلكم والذين من بعدكم) لأنه ليس بعدنا شرع جديد، وكتاب من عند الله جديد، بل هو الدين الواحد، والشرع الخالد إلى يوم القيامة. وعندما أراد الله عز وجل أن يبين حقيقة واقعة بحدث الصيام وفعله الذي يمارسه الناس قال عز وجل (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة 184). المصدر: موقع شبكة كافور