تأملات في الثورة التونسية وأسبابها ومستقبلها
حول العالم
02 يوليو 2011 , 12:00ص
وكالة الأنباء الإيرانية «إرنا»، بقلم: شاكر أنصاري
وقعت الثورة التونسية في ظروف كانت البلاد تعاني فيها من غياب الحريات السياسية والدينية وتفاقم الأوضاع الاقتصادية.
ومع الأخذ بنظر الاعتبار الطبيعة الاستبدادية لنظام زين العابدين بن علي وبطش قواه الأمنية والاستخبارية والشرطية في قمع المعارضين، فإن تصور سقوط ذلك النظام الدكتاتوري في تونس خلال فترة قصيرة كان أمرا غير محتمل تقريبا في تصور الكثير من المحللين والسياسيين.
ورغم الظروف السياسية والاقتصادية غير الملائمة في تونس لاسيَّما الفقر والبطالة التي كانت ظاهرة بارزة لاسيَّما في المناطق الواقعة على هامش المدن، وغياب الحريات المدنية والسياسية، فإن الظروف الاجتماعية والسياسية في تونس كانت تبدو هادئة حتى السابع عشر من ديسمبر عام 2010، وكان مسؤولو نظام الحكم يديرون شؤون البلاد كما في السابق.
وجاء حادث إحراق المواطن محمد بوعزيزي نفسه أمام أنظار الناس في مدينة سيدي بوزيد الواقعة على بعد 270 كيلومترا إلى الجنوب الغربي من العاصمة، احتجاجا على سوء معاملة موظفي البلدية معه، كالشرارة التي أشعلت النار في صرح النظام الدكتاتوري.
ومع إحراق هذا الشاب الحاصل على شهادة جامعية نفسه والذي كان يمضي أموره المعاشية كبائع متجول، انطلقت التظاهرات في سيدي بوزيد لتمتد إلى سائر المدن ومن ثم إلى العاصمة.
تعامل نظام بن علي مع المتظاهرين في البداية بالأساليب الأمنية التي يتم التعامل بها بأشكال مختلفة مع التظاهرات الشعبية في بعض الدول العربية.
سعى النظام في البداية كما في السابق لاستخدام قوات الأمن والشرطة لقمع التظاهرات المتصاعدة، حيث لقي ما لا يقل عن 70 شخصا مصرعهم في المواجهات الأولية في مختلف المدن التونسية. وقد أدى قتل المتظاهرين إلى إثارة غضب الرأي العام الأمر الذي ساعد في تأجيج الاحتجاجات الشعبية.
وبعد أن اتضحت هذه المسألة لنظام بن علي بأن القمع الأمني لا يمكنه إسكات صوت الشعب وأن الاستياء الشعبي قد بلغ ذروته، أصدر دكتاتور تونس أوامره إلى الجيش للنزول إلى الشوارع للتصدي للمحتجين بمزيد من الشدة والعنف.
ولم يؤدِّ نشر القوات العسكرية في الشوارع والساحات إلى التقليل من الاحتجاجات في تونس بل إن ممارسات القوات العسكرية والأمنية أججت غضب الجماهير أكثر فأكثر.
وعلى أعتاب اشتداد حدة الاحتجاجات الشعبية في تونس، سعى زين العابدين بن علي في خطاب موجه إلى الشعب لتهدئة الجماهير من خلال إطلاق الوعود إلى جانب التهديدات.
وعد بن علي في خطابه بتوفير 300 ألف فرصة عمل جديدة والإفراج عن المعتقلين السياسيين وعدم الترشح للدورة القادمة لرئاسة الجمهورية ومساءلة المفسدين الاقتصاديين، وأصدر أوامره بوقف إطلاق الرصاص على المتظاهرين.
غير أن هذه السياسة التي دلت على ضعف وعجز نظام بن علي لم تؤد إلى تهدئة الشعب التونسي، بل كانت بمثابة المؤشر على ضعف النظام والانتصار المرتقب للشعب التونسي.
وبالتالي تصاعدت حدة الاحتجاجات الشعبية في 14 يناير 2011 مما اضطر بن علي بعد 23 عاما من الحكم للهرب.
ظروف تونس ما قبل الثورة
منذ استقلال تونس عام 1956 عن فرنسا حتى انتصار الثورة كان حزب «التجمع الدستوري» متسلما مقاليد السلطة وكان الحزب القانوني الوحيد المسموح له بمزاولة النشاط في هذا البلد.
وفي عام 1987 جرت الإطاحة بحكم زعيم الحزب الحبيب بورقيبة، في انقلاب أبيض قاده رئيس وزرائه زين العابدين بن علي.
بعد الإطاحة بنظام بورقيبة واصل بن علي حتي يوم هربه من البلاد سياسات بورقيبة الاجتماعية والاقتصادية، إلا أن الأجواء السياسية أصبحت أكثر انغلاقا وأضحى النظام أمني الطابع أكثر من ذي قبل. فالنظام الذي أقامه بن علي جعل رئيس الجمهورية ذا صفة دكتاتورية بحيث يكون الفيصل وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة في جميع قضايا البلاد.
في ذلك النظام أصبح رئيس الجمهورية هو الذي يعين الوزراء ورئيس الوزراء وحكام المناطق ورئيس منظمة مراقبة الانتخابات، فضلا عن ذلك فإنه وفي آخر تعديل جرى للدستور عام 2002 وتم طرحه للاستفتاء عام 2002 ألغى شرط تولي رئاسة الجمهورية لثلاث دورات كما تم رفع الحد الأقصى لعمر رئيس الجمهورية من 70 إلى 75 عاما.
التعديلات الدستورية، وفضلا عن تسهيلها ترشح بن علي من جديد وتمديد رئاسته للجمهورية، أوجدت في الوقت ذاته شروطا صعبة للمرشحين الآخرين، حيث إن العضوية لمدة لا تقل عن عامين في مجلس قيادة أحد الأحزاب القانونية أصبحت من ضمن الشروط الجديدة للترشح لرئاسة الجمهورية.
بناء على ذلك فإن النظام السياسي المغلق في تونس أصبح أكثر انغلاقا وتقييدا منذ عام 2002 وغابت الحريات المدنية والسياسية والدينية تماما.
قبل الاستفتاء العام في تونس ومنذ 11 سبتمبر عام 2001 وإعلان دعم تونس للحرب ضد الإرهاب، والذي كان في الواقع ذريعة للكثير من دول الشرق الأوسط لقمع المعارضين، ذهب المعارضون التونسيون ضحية لمخططات الدكتاتور.
في مثل هذه الظروف تم التضييق على وسائل الإعلام المستقلة، وجرى قمع الصحافيين التونسيين الذين كانوا يوجهون انتقادات لنظام بن علي، من قبل الأجهزة الأمنية وتم طردهم من وظائفهم.
المسألة الأخرى التي كان لها دور مهم في إسقاط نظام بن علي هي الظروف الاقتصادية. ففي السنوات الماضية وبسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة وتوجه الشباب للتحصيل العلمي للحصول على أعمال ووظائف ولو بسيطة، ارتفع عدد خريجي الجامعات بصورة ملحوظة مقارنة مع الدول الأخرى في المنطقة وأصبحت تونس واحدة من أكثر الدول العربية التي تتواجد فيها شريحة شبابية متعلمة.
ولكن مع ذلك لا يوجد هنالك أي تناسب بين مستوى التعليم لدى التونسيين مع سوق العمل والحاجات البشرية في الاقتصاد التونسي.
فحسب تقرير برنامج التنمية البشرية التابع لمنظمة الأمم المتحدة في عام 2009، بلغت نسبة البطالة عام 2005/2006 في تونس %27، تشكل شريحة الشباب منهم نسبة %65.
نسبة البطالة في تونس ارتفعت من %13.6 في عقد الثمانينيات من القرن الماضي إلى %15.5 في عقد التسعينيات ومن ثم إلى %27 عام 2005/2006.
المسألة الأخرى في تونس تمثلت في حجم الفساد المرتفع في الهيكلية السياسية والإدارية لاسيَّما بين أقرباء بن علي وأشقاء زوجته ليلي الطرابلسي.
ورغم أن حجم الفساد المتفشي بين المسؤولين في تونس كسائر دول المنطقة كان يبدو أمرا طبيعيا لدى شعب هذا البلد فإن تمركز الفساد في أركان السلطة من جانب وبروز فساد المسؤولين بوضوح قد زاد من استياء وغضب الشعب لاسيَّما في ظل الظروف الاقتصادية المتدهورة في هذا البلد.
العوامل المؤثرة في انتصار الثورة التونسية
يعتبر المحللون محاربة النظام الحاكم للمعتقدات الدينية والظروف الاقتصادية السيئة، عاملين مهمين في انطلاق الاحتجاجات الشعبية في تونس.
يقول هؤلاء المحللون إن اتساع نطاق الاحتجاجات ضد الدكتاتورية وطرح المطاليب السياسية (العامل السياسي) من العوامل الأخرى لتأجيج الثورة التونسية.
إن إلغاء الحريات السياسية والدينية الذي جرى بذريعة أولوية تحقيق الرخاء وتحسين الأوضاع الاقتصادية للتونسيين، لم يؤد إلى تحسين أوضاع هذا البلد، بل ازدادت نسبة البطالة بصورة ملحوظة مع نمو التحصيل العلمي وعدم توافر فرص العمل اللازمة لهم.
وبرغم أن التظاهرات انطلقت بشرارة اقتصادية، فإنه مع اتساع نطاق الاحتجاجات إلى خارج مدينة سيدي بوزيد، تم طرح المطالب السياسية ومن ضمنها تحديد عدد مرات تولي رئاسة الجمهورية والإفراج عن السجناء السياسيين وإطلاق حرية التعبير والمعتقدات الدينية ووسائل الإعلام.
إن قمع التظاهرات في الأسابيع الثلاثة الأولى من انطلاق الثورة أدى إلى تدهور الأوضاع السياسية في تونس وأصبح المتظاهرون أكثر عزما وتصميما على إسقاط نظام بن علي. ولا ينبغي نسيان عامل الجيش والقمع العنيف للتظاهرات مع قبل «جلاوزة» نظام بن علي في المزيد من تأجيج الأوضاع في هذا البلد.
في الأسابيع الثلاثة الأولى أمر بن علي قواته الأمنية والاستخبارية بقمع الاحتجاجات الشعبية إلا أن قمع الشعب ومقتل العديد من الأفراد في الشوارع والساحات أدى إلى اتساع وتصعيد التظاهرات، وبالتالي طلب بن علي من الجيش حماية المؤسسات والمراكز الحكومية وفي الواقع المشاركة في قمع الشعب.
في الحقيقة أن إيعاز بن علي للجيش للنزول إلى الشوارع، قد ساعد كثيرا في انتصار الثورة التونسية لأن الجيش وفضلا عن أنه لم يشارك في قمع الجماهير، فإنه التحق في العديد من الحالات بهم.
إن الجيش التونسي ومن أجل السيطرة على الأوضاع والحيلولة دون السقوط الكامل للنظام قد ضحى بزين العابدين بن علي لأن الجيش كان قلقا من الاحتمالات المتوقعة لمن يأتي بعد الانهيار الكامل للنظام لذا تدخل وعرّف نفسه على أنه داعم للثورة.
لقد اكتسب الجيش التونسي بعدم قمعه للشعب وإعلان دعمه له، مكانة وشعبية لافتة وأظهر أنه يقف إلى جانب الشعب والثورة من خلال تضحيته ببن علي.
ويبدو أن هدف الجيش في هذه الظروف المتأزمة هو تسهيل خروج بن علي من البلاد وتوقف التظاهرات والاحتجاجات.
العامل الآخر الذي لعب دورا بارزا في انتصار الثورة التونسية هو وسائل الإعلام، إذ إن دور الإعلام كان كبيرا في هذه الثورة إلى الحد الذي اعتبر معه البعض الثورة التونسية «ثورة إعلامية». وقد استفاد الشباب التونسي من الإنترنت كثيرا لتنظيم تظاهراتهم.
بعد ساعات من خروج زين العابدين بن علي من البلاد، أعلن رئيس الوزراء محمد الغنوشي، أنه أصبح رئيس الجمهورية المؤقت وفقا للمادة 56 من الدستور، وهو الأمر الذي جعله يواجه احتجاجات واسعة من الشعب وبالتالي تم الإعلان في 15 يناير أن رئيس البرلمان فؤاد المبزع هو الذي تبوأ منصب رئيس الجمهورية المؤقت وفقا للمادة 57 من الدستور والذي كلف بدوره محمد الغنوشي بتشكيل الحكومة.
في التطورات التي تلت انتصار الثورة التونسية، يتبين بوضوح تأثير الجيش في التغيير المتسارع للمسؤولين في هذا البلد، وأن الجيش التونسي الذي يعتبر هدفه الأساس السيطرة على الأوضاع حتى خروج البلاد من الأزمة، يتولى الآن زمام الأمور.
مع ذلك فإن الاحتجاجات الشعبية استمرت لاسيَّما بعد إعلان حكومة الوحدة الوطنية من قبل الغنوشي الذي قام بأمرين لتهدئة الأوضاع، الأول إعلانه بأنه سيشكل حكومة وحدة وطنية بمشاركة الأحزاب المعارضة، والثاني تشكيل هيئة وطنية لدراسة الإصلاحات السياسية.
إن تشكيلة حكومة الوحدة الوطنية كانت بحيث ظلت المناصب الرئيسية بيد الوزراء السابقين وتم تعريف عدد من الوزراء من قبل اتحاد الشغل (من اللاعبين الأساسيين في الثورة).
فضلا عن ذلك، ضمت وزارة الغنوشي عددا من الوزراء المستقلين و3 وزراء من أحزاب المعارضة.
الأحزاب الرئيسية الثلاثة في المعارضة وبسبب كونها غير قانونية (حسب قوانين النظام السابق) لم تستطع المشاركة في الحكومة الجديدة وهي حزب النهضة بزعامة راشد الغنوشي والمؤتمر من أجل الجمهورية بزعامة منصف المرزوقي والحزب الشيوعي «العمل» بزعامة رحمة إلهامي.
وبالتالي وتحت تأثير الضغوط الواسعة الناجمة من التظاهرات ضد وزراء حزب التجمع الدستوري في حكومة الوحدة الوطنية للغنوشي واستقالة عدد من الوزراء المستقلين والمعارضين، قام الغنوشي بتقديم حكومة جديدة خرجت فيها حقائب وزارات الدفاع والداخلية والخارجية من يد حزب التجمع الدستوري لتصبح بيد المستقلين.
احتمالات المستقبل في تونس
يبدو أن هنالك الآن قوتين رئيسيتين في الساحة التونسية، سيتحدد المستقبل السياسي في تونس على ضوء نتيجة لي الأذرع بينهما، الأولى هي مجموعة الأحزاب التي تريد بقاء التغييرات السياسية في إطار محدود، وهذه المجموعة التي هي في غالبيتها من بقايا النظام السابق والقريبة من حزب التجمع الدستوري، تسعى من خلال إصلاحات صورية كي يخبو غضب الشعب تدريجيا والعبور من المرحلة المتأزمة الراهنة.
وفي المقابل هنالك مجموعة من الأحزاب المستقلة الممثلة غالبا للمعارضين وترى أن السبيل الوحيد للخروج من الأزمة وإنقاذ تونس هو إجراء الإصلاحات السياسية والاقتصادية الواسعة وتأسيس ديمقراطية حقيقية.
وفي الواقع فإن هؤلاء الأفراد والأحزاب شكلوا لجنة «الدفاع عن أهداف الثورة وتنفيذ الإصلاحات السياسية» للحيلولة دون انحراف الثورة التونسية عن أهدافها.
وترى هذه المجموعة أن إجراء الإصلاحات الصورية لا يمكنه إسكات غضب الشعب والحيلولة دون الاستمرار في طرح مطالبه.
من جانب آخر هنالك عاملان مؤثران في مستقبل الثورة التونسية، احدهما نوع النظرة السياسية للدول العربية لاسيَّما الدول الجارة (ليبيا ومصر) حيث إن الاحتجاجات في تونس أدت إلى حدوث تطورات في هذه الدول وهي الآن قلقة تجاه الحكومة القادمة في تونس.
لقد أعلنت هذه الدول قلقها على الدوام من الأحداث في تونس وستعمل في الأسابيع المقبلة وعلى أعتاب الانتخابات البرلمانية التونسية التي ستحدد إلى حد ما مصير هذا البلد، للتدخل بصورة مباشرة وغير مباشرة بواسطة أفراد ومؤسسات بغية تغيير المعادلات الإقليمية لصالحها. هنالك أيضاً عاملان دوليان مهمان يمكن أن يكونا مؤثرين في المشهد السياسي التونسي، الأول هو رؤية فرنسا تجاه تونس التي كانت مستعمرة لها أعواما طويلة وأن نظام بن علي مارس القتل والقمع بحق الشعب التونسي بدعم من باريس، والعامل الآخر هو تدخلات أميركا في التطورات الإقليمية والتي تجري بدعم من بعض الأنظمة العربية التي تشعر بالقلق على مستقبلها.
إن موقف فرنسا (الدولة الغربية الأقرب إلى نظام بن علي) لم يكن واضحا حتى الأيام الأولى من انتصار الثورة التونسية. وفي الحقيقة أن الفرنسيين أصيبوا بالاضطراب والتخبط وأعلنوا صراحة أنهم لم يتوقعوا حدوث الثورة في تونس.
إن الفرنسيين وبعد صدمة الأيام الأولى بعد الثورة، يبدو أنهم يسيرون تدريجيا نحو المواءمة مع الحقائق الجديدة في تونس. وكان المؤشر الأول لهذا التغيير هو تعيين بوريس بوالون السفير السابق في بغداد سفيرا جديدا لبلاده في تونس.
وأعلن المتحدث باسم الحكومة الفرنسية فرانسوا باروان أن تعيين السفير الجديد في تونس يأتي للمواءمة مع المرحلة الجديدة التي ستبدأ في العلاقات الفرنسية التونسية.
إن الموقف الفرنسي يحظى بالأهمية من جهة أنها كانت الحليف الرئيس لنظام بن علي وهي فضلا عن ذلك تعتبر الشريك الأوروبي الرئيس لتونس ولها معها علاقات ثقافية واجتماعية واسعة.
بناء على ذلك فإن موقف باريس من أي من القوى الموجودة على الساحة التونسية، سيترك تأثيرا كبيرا على المستقبل السياسي لهذا البلد.
أما الموقف الأميركي فقد أعلن بصورة أوضح من موقف فرنسا، إذ يبدو أن واشنطن تسعى للاستفادة من الفرصة المتاحة لتحقيق مصالحها في شمال إفريقيا، لتعمل عبر هذا الطريق على طرد منافسها القديم من تونس وتسعى من خلال دعم بعض الأحزاب والشخصيات المتبقين من عهد بن علي لتوجيه المسار السياسي في تونس لمصلحتها.
كانت واشنطن قد وسعت نطاق انتقاداتها لنظام بن علي قبل أسبوعين من انتصار الثورة رغم أنها لم تلزم جانب المعارضة بوضوح حتى سقوط الدكتاتور.
إن من الضروري في هذا المجال الالتفات إلى هذه الحقيقة وهي أنه حتى يوم 14 يناير عام 2011 أي يوم هرب بن علي كانت الآفاق المستقبلية لتونس غير واضحة وكانت هنالك عدة احتمالات مطروحة، وأن أميركا ومن أجل إظهار حيادها تجاه الطرفين وبهدف التقرب من الطرفين اللذين كان يحتمل تغلبهما في التطورات التونسية لم تتخذ موقفا واضحا تجاه المعارضين ولكن رغم ذلك واصلت انتقاداتها لنظام بن علي ومن ثم وبعد سقوطه اتخذت مواقف لمصلحة الشعب التونسي على الظاهر.
بعد أسبوع من انتصار الثورة زار مساعد وزير الخارجية الأميركي جيفري فيلتمان تونس والتقى قادة المجتمع المدني وأحزاب المعارضة والحكومة المؤقتة، وأعلن أن أميركا مستعدة لمساعدة تونس في إقامة انتخابات حرة وشفافة وشاملة تكون أساسا لحكومة ونظام جديدين في تونس.
وبطبيعة الحال فقد ظهر عجز واشنطن عن إدراك الثورة التونسية وأهدافها الأساسية وحقيقة أن مكانة الإسلاميين في تونس أقوى من سائر الأحزاب.
إن هذه الفئة -أي الإسلاميين- تعرضوا لظلم وجور الحكومات الدكتاتورية السابقة في تونس ومن الطبيعي أن تكون لهم مكانة مهمة في صفوف الشعب.
بناء على ذلك فإن الثورة التونسية هي الحركة الشعبية الأولى في العالم العربي التي تمكنت ضمن إزاحة الدكتاتور، من إظهار التوجهات الإسلامية في صفوف شعوب شمال إفريقيا والشرق الأوسط.
ومع سقوط نظام بن علي عادت السيادة للشعب التونسي إلى حد ما وأصبحوا يؤمنون بقدرتهم على التغيير.
لذلك فإن احتمال عودة نظام الحزب الواحد إلى تونس غير ممكن إطلاقا. وبطبيعة الحال فإن هذه المسألة لا تعني سيادة النظام الديمقراطي قطعيا بل تعني أن أوضاع تونس بأي اتجاه ذهبت فإنها سوف لن تعود إلى الوراء ولا مكان فيها للنظام الدكتاتوري.
من جانب آخر فإن حركة الشعب التونسي نحو الديمقراطية وسيادة القانون قد بدأت مع وقوع الثورة. ولكن مع ذلك فإن الطريق طويل أمام هذا البلد لإرساء نظام ديمقراطي لاسيَّما أن القوى الغربية والأنظمة الدكتاتورية العربية قلقة من مصير الثورة التونسية وساعية لإحباطها.
إن الثورة التونسية قد أوجدت نوعا من الثقة بالنفس لدى الشعوب العربية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بحيث يمكنها في ظل يقظة الشعب التونسي أن تعود بتطورات إيجابية لهذه الشعوب.