السيسي «هامشي» وليس رجل جيش

alarab
حول العالم 02 يونيو 2014 , 12:00ص
معاريف - إيلي أفيدار
إن المشير عبدالفتاح السيسي يشبه القيصر الروماني (سبتيميو سيفاروس)، في القرن الثاني الميلادي، والذي كان شخصية شاذة بين حكام الإمبراطورية. فسيفاروس، الذي ولد في إفريقيا، وصل إلى الموقع الأعلى رغم أنه لم يكن من نخبة روما، وكان استيلاؤه على الحكم المفتاح للنجاح؛ فقد فهم سيفاروس قبل فوات الوقت أن دوائر النبلاء لا يؤيدونه، ولكنه حرص على ألا يمسهم حتى يوم تصفية المدعي للقيصرية (البينوس). وعندما صفى البينوس، صفيت أيضا النخبة المؤيدة له، التي حتى تلك اللحظة اشتبهت بالجميع. وحظي سيفاروس بإنهاء حكمه بشيخوخة صالحة، لم يكن كاريزماتيا مثل ماركوس أورليوس، ولكنه عرف دومًا كيف يسبق خصومه بعدة خطوات. وبدلا من تخطيط الانقلابات وجد هؤلاء أنفسهم في حالة دفاع دائمة عن النفس، يقاتلون في سبيل أملاكهم، مكانتهم وحياتهم. إن مصر خرجت مرة أخرى إلى الانتخابات، ولكن هوية المنتصر معروفة مسبقًا، مثل سيفاروس، لا يبقي عبدالفتاح السيسي شيئا للصدفة، فهو ليس «كاريزماتيا» مثل جمال عبدالناصر، ولم يتحدد كخليفة كحسني مبارك، ولكن ليس هناك من يفهم مثل السيسي الفوضى التي تسود مصر بعد الثورة، وليس هناك من عرف كيف يستغل الظروف في صالحه مثله. أن السيسي ولد في الحي القاهري المتواضع «الجمالية»، ومن عرفوه تحدثوا عن شخص جسد حلمه بمجرد قبوله في الدراسة الجامعية في الأكاديمية الحربية المصرية، عن شيء أكثر من هذا لم يحلم أحد. إن السيسي درج على الدفاع عن الإسلام في أثناء تأهيلاته العسكرية في الولايات المتحدة وفي بريطانيا، وقد دفعت هذه الحقيقة الإخوان المسلمين إلى اختياره كخليفة للطنطاوي المنحني، ربما الخطأ الأكبر في تاريخ الحركة. إن السيسي لم ينحن أبداً رأسه أمام الأئمة، كان يفترض أن تكون ضوء تحذير للإخوان، ولكن يبدو أن رماديته وهامشيته سمحتا له بأن يمر من تحت الرادار. وعندما فحص مرسي ورجاله القيادة العسكرية بدا لهم السيسي الاختيار الأفضل: متدين مؤمن وعديم الطموح. وما بدا كرمادية اتضح كهدوء نفسي نادر. السيسي حقا مقتنع بأنه ليس ملزما بأن يثبت شيئا لأحد، فهو لم يكن جزءا من الدوائر الاجتماعية للضباط المصريين. ومن الخطأ اعتباره رجل «الجيش» كونه لا يمثل أحدا باستثناء نفسه، وهذا الهدوء أتاح للسيسي أن يعمل بتصميم لا رحمة فيه في الطريق لتحقيق أهدافه. النقطة الأساس لفهم شخصية السيسي هي السيطرة المضرجة بالدماء على مخيمات الاحتجاج التي أقامها الإخوان المسلمون، والتي أنهت حياة ما لا يقل عن 800 متظاهر في أغسطس 2013». وقد أوضحت الولايات المتحدة للسيسي بشكل لا لبس فيه أنها تعارض العنف، وقد بدا خيار المقاطعة الأوروبية معقولا أيضا. وخاف قادة الحكم الآخرون من أن يخرج جموع الإخوان المسلمين إلى الشوارع، مطالبين بالقصاص والثأر. إن السيسي وحده لم يخف، كان يعرف مسبقا أن السعوديين سيهرعون لمساعدته في الكفاح ضد الإخوان المسلمين، وأنهم سيعوضونه عن التجميد المتوقع للمساعدات الأميركية. إن أحاسيس السيسي الحادة وقراءته للواقع واضحة أيضا بالنسبة لـ «إسرائيل»، فهو يصرح عن التزامه الكامل باتفاق السلام دون أن يتلوى ودون أن يتلعثم. أما الألاعيب والغمزات فيتركها للآخرين، ولكن لا مجال للخطأ. التزامه لا ينبع من محبة «إسرائيل»، والسلام من ناحيته هو المصلحة الحالية لمصر. إذا كان مبارك رأى في إسرائيل دولة ينبغي إعادتها إلى حجمها الطبيعي -جارة صغيرة مع 7 ملايين نسمة- فبالنسبة للسيسي، إسرائيل هي واحدة من ثمانية لاعبين للشطرنج، الذين يواجههم بالتوازي. إلى جانبها يقف اليسار المصري، الجيش المصري، الولايات المتحدة، السودان، دول الخليج، دول إفريقيا وإيران، وليس مثلما في الشطرنج، كل هذه الألعاب تجري بالتوازي على اللوحة ذاتها.