alsharq

د. خالد الجابر

عدد المقالات 3

حرب إيران وأزمة المثقف العربي المعرفية والأخلاقية

28 أبريل 2026 , 09:41م

في الحروب الكبرى، لا تُمتحن الجيوش والمنظومات الدفاعية وحدها، بل يُمتحن معها الضمير الجمعي والعقل النقدي لدى النخب الفكرية. فالصواريخ والمسيّرات التي سقطت على مدن عربية وخليجية لم تستهدف البنية التحتية المادية فحسب، بل اخترقت في العمق صورة المثقف العربي ودوره التاريخي بوصفه حامل مشعل التنوير والموقف الأخلاقي. وبينما كانت العواصم العربية تواجه خطراً أمنياً وجودياً مباشراً، كان ثمة سؤال آخر يتبلور في صمت مُقلق: أين المثقف العربي من كل هذا؟ ولماذا بدا صوته غائباً أو مرتبكاً أو انتقائياً في لحظة أخلاقية لا تحتمل الغموض؟ في ظل الإشكالية المركّبة التي يعيشها المثقف العربي، برزت الحاجة الملحّة إلى طرحها بجرأة على طاولة التحليل والتفكيك. وقد أتاحت الندوة الافتراضية التي نظمها مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، فرصة نوعية للخوض في هذه القضية بعمق، بمشاركة نخبة من المفكرين والقامات العربية التي تناولت أبعادها المختلفة بإسهاب ورؤية نقدية متقدمة. أزمة الوعي لا أزمة السياسة لا يتمحور الإشكال الجوهري حول أسباب اندلاع الحرب حصراً، بل يتعلق بعجز الوعي الثقافي العربي عن إنتاج قراءة أخلاقية ومعرفية متماسكة تجاه ما يجري. لماذا تردّد المثقف العربي في تسمية العنف باسمه الصريح حين استهدف مدناً عربية؟ ولماذا تحوّل الصمت، والالتفاف اللغوي، والتبرير الضمني إلى استجابة شبه جماعية لدى قطاعات واسعة من النخبة الفكرية العربية؟ إن ما نشهده ليس مجرد اختلاف في الموقف السياسي أو تباين في التقدير الاستراتيجي، بل هو انكشاف لأزمة بنيوية أعمق تتصل بتعريف دور المثقف ذاته، وبالبوصلة الأخلاقية التي يُفترض أنها تحكم مواقفه وتوجّه خطابه. تتجلى المفارقة بأوضح صورها حين نستحضر عقوداً من الخطاب الثقافي العربي المناهض للحروب والتدخلات العسكرية حول العالم. فالمثقفون الذين لم يتوانوا يوماً عن إدانة الاجتياحات الأمريكية، والعدوان الإسرائيلي، والتدخلات الغربية في الشؤون العربية، وجدوا أنفسهم عاجزين عن اتخاذ موقف مماثل حين تعرّضت دول عربية لهجمات صاروخية ومسيّرات إيرانية استهدفت مدناً ومطارات ومنشآت مدنية. هذا الصمت الانتقائي لا يمكن تفسيره باختلاف الرأي السياسي المشروع، بل يكشف عن خلل عميق في منظومة القيم التي يتبناها هؤلاء المثقفون، ويطرح سؤالاً جذرياً: هل المشكلة لا تزال في السياسة، أم أنها انتقلت إلى صميم البوصلة الأخلاقية ذاتها؟ الجذور الأيديولوجية للعجز النقدي لفهم هذا العجز البنيوي لا يمكن الاكتفاء بتفسيره كقصورٍ ظرفي في الأداء السياسي أو ارتباكٍ في إدارة التحولات، بل ينبغي النظر إليه بوصفه نتيجة مباشرة لتكوّن الوعي السياسي العربي داخل بنية أيديولوجية صلبة أنتجت معرفةً منحازة أكثر مما أنتجت فهماً نقدياً للواقع. فقد تشكّل هذا الوعي في لحظة تاريخية لم تكن فيها الأيديولوجيات مجرد أدوات تفسير، بل أنساق مغلقة لإنتاج المعنى وإقصاء البدائل؛ إذ اختزلت القومية العربية الهوية في سردية تحرر كلي سرعان ما كشفت محدوديتها أمام تعقيد الدولة والمجتمع، فيما أعادت اليسارية صياغة الصراع عبر مركزية الطبقة والاقتصاد لكنها وقعت في تبسيط مفرط للبنى الاجتماعية والسياسية، بينما أسهمت الأيديولوجيات الدينية والمذهبية في إعادة تعريف الشرعية على أسس هوياتية ضيقة عمّقت الانقسام بدل تجاوزه، في حين تحوّل خطاب مناهضة الإمبريالية تدريجياً من إطار تحليلي إلى سردية تفسيرية شاملة أغلقت المجال أمام النقد الذاتي وأعادت إنتاج الواقع عبر ثنائيات حادة تختزل التعقيد في صراع أحادي، وهو ما جعل البنية الفكرية العربية تميل إلى إعادة إنتاج أزماتها بدلاً من تفكيكها. انهيار المعايير النقدية في إطار هذه الرؤية المغلقة، جرى إنتاج منطق تبريري تبسيطي أفضى إلى التعامل مع أفعال قوى إقليمية غير عربية بوصفها بالضرورة امتداداً لمفهوم “المواجهة” مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو الغرب عموماً، دون إخضاع هذه الفواعل لأي تفكيك نقدي لطبيعة مشاريعها السياسية أو حساباتها الاستراتيجية أو نزعاتها التوسعية أو حتى أنماط تدخلها المباشر في سيادة الدول العربية. وقد أدى هذا الاختزال إلى تعطيل القدرة على إدراك التعقيد البنيوي للنظام الدولي المعاصر، وإلى إضعاف أدوات قراءة التحولات داخل الدولة الوطنية العربية ذاتها، فضلاً عن طمس الحدود الفاصلة بين خطاب المقاومة بوصفه إطاراً تحليلياً مشروعاً، وبين ممارسات الهيمنة الإقليمية التي قد تتخفى خلفه. وهكذا، فإن المثقف الذي فقد القدرة على التمييز بين مقاومة الاحتلال وبين انتهاك سيادة الدول المستقلة لم يعد فقط أسير سردية جاهزة، بل بات يفتقر إلى الحد الأدنى من الأدوات التحليلية التي تسمح له بفهم الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يُروى. سؤال الثقافة والمستقبل إن الحروب، في بعدها الأعمق، لا تُعيد فقط تشكيل الخرائط الجيوسياسية بوصفها حدوداً مرئية للسيادة والنفوذ، بل تقوم أيضاً بعملية أكثر خفاءً وعمقاً تتمثل في كشف البنية الكامنة للوعي ذاته، أي تلك الشبكة من التصورات المسبقة التي تحدد كيف يُرى العالم قبل أن يُفهم. فليست الأزمة في التحولات التي تفرضها الوقائع وحدها، بل في تلك المسافة الفاصلة بين الواقع والوعي به، حيث يظل هذا الوعي أسيراً لمقولات أيديولوجية تشكّلت تاريخياً ثم تحولت إلى يقينيات مغلقة، فقدت قدرتها على مساءلة ذاتها أو إعادة تعريف أدواتها في الفهم. ومن ثمّ، فإن ما تكشفه الحرب ليس مجرد اختلال في ميزان القوى، بل اختلال أعمق في شروط المعرفة ذاتها، وفي قدرة الفكر على مواكبة تعقيد العالم دون أن يختزله في ثنائيات جاهزة أو سرديات مكتملة مسبقاً. ومن هذا المنظور، يصبح السؤال المطروح ليس سؤالاً سياسياً مباشراً بقدر ما هو سؤال أنطولوجي وأخلاقي في آن: كيف يمكن للوعي العربي أن يتحرر من إرثه التفسيري الذي حوّل العالم إلى خرائط ثابتة، وأن يعيد تأسيس علاقته بالواقع على أساس الانفتاح لا الإغلاق، وعلى أساس النقد لا التلقين؟ وكيف يمكن للمثقف أن يستعيد موقعه كذات تفكر في العالم لا كمرآة تعكس اصطفافاته، بحيث لا يخضع لثقل المحاور ولا لسلطة السرديات الكبرى التي صادرت قدرته على الحكم الأخلاقي المستقل؟ إن هذه الأسئلة، في جوهرها، لا تتعلق بترف فكري أو تأمل تجريدي، بل تمس إمكانية إنتاج وعي جديد قادر على استيعاب العالم بوصفه سيرورة مفتوحة، لا بنية مكتملة، وعلى التعامل مع التاريخ بوصفه احتمالاً دائماً لا نصاً مغلقاً.

الخليج وإعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة

لم يعد الخليج ساحة تستقبل الضربات بصمت، أو منطقة تكتفي برد الفعل على الأزمات. المشهد الإقليمي اليوم يشهد تحولًا نوعيًا في طبيعة التعاطي والتعامل الخليجي مع المخاطر والتهديدات، من منطق الاحتواء إلى منطق المحاسبة. دول...

الخليج وانتصار منطق الدولة في زمن الحرب

ليست الأزمات لحظات اختبار عابرة، بل محطات تكشف البنى العميقة للدول، وتُظهر الفارق بين من يمتلك مشروع دولة ومن يكتفي برفع شعاراتها. وفي الأزمة الأخيرة المرتبطة بالحرب مع إيران، لم تكن المنطقة أمام تصعيد عسكري...