


عدد المقالات 2
تُعيد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تأكيد الأهمية التفسيرية لمعضلة الأمن في تحليل ديناميات التصعيد. ففي ظل نظام دولي يتسم بالفوضوية البنيوية وغياب سلطة مركزية ضامنة للأمن، تميل الدول إلى تأويل الإجراءات الدفاعية للآخرين عبر عدسة الشك وعدم اليقين. وعلى هذا الأساس، تُقرأ سياسات الردع بوصفها مؤشرات محتملة على نوايا عدوانية، بما يُنتج حلقة تفاعلية من انعدام الثقة المتبادل. وفي هذا السياق، لا يُختزل الصراع في طموحات توسعية مقصودة، بل يتجذر أيضًا في ضغوط بنيوية تدفع الفاعلين إلى الاستجابة للتهديدات المُدرَكة، حتى في ظل غياب اليقين الكامل. وعليه، يتشكل نمط تفاعلي يصبح فيه التصعيد مآلًا غير مقصود، لكنه مستمر، لمساعي الدول إلى تعزيز أمنها ضمن بيئة استراتيجية يسودها عدم اليقين. على المستوى البنيوي، تتجلى معضلة الأمن من خلال ديناميات الإدراك المتبادل للتهديد، إذ تنظر الولايات المتحدة وإسرائيل إلى النفوذ الإقليمي لإيران، وقدراتها الصاروخية، وتطلعاتها النووية بوصفها محددات مهدِّدة للاستقرار تستوجب سياسات الاحتواء. في المقابل، تُعيد إيران تأويل الانتشار العسكري، وبُنى التحالفات، وأنماط الردع باعتبارها تهديدات ذات طابع وجودي. ويتعمق هذا الإدراك المتبادل بفعل الهواجس النووية، حيث يُعاد تفسير حتى الإجراءات الدفاعية على أنها مؤشرات لتحولات في ميزان القوى. كما يسهم تآكل مصداقية الإشارات الاستراتيجية في تعقيد محاولات الطمأنة، إذ غالبًا ما تُقابل رسائل ضبط النفس بالرفض أو بسوء الفهم. وعليه، لا يُختزل التصعيد في كونه نتاج نوايا عدائية مباشرة، بل يتأسس على شروط بنيوية تدفع الفاعلين إلى تبني سلوك احترازي يحمل في طياته أبعادًا استفزازية. عمليًا، يتخذ التصعيد أشكالًا غير مباشرة تتسم بدرجة عالية من الغموض الاستراتيجي. فبدلًا من الانخراط في مواجهات شاملة، تلجأ الأطراف إلى توظيف أدوات مثل الحروب بالوكالة، والضربات المحدودة، والعمليات السرية، إلى جانب إشارات ردعية محسوبة بعناية. وتُمكّن هذه الأدوات الدول من فرض تكاليف على خصومها مع السعي في الوقت ذاته إلى تجنب تجاوز عتبات قد تفضي إلى حرب واسعة النطاق. غير أن هذا النمط من السلوك ينطوي على مفارقة بنيوية، إذ على الرغم من أن الأفعال تُصاغ ضمن حدود مدروسة، فإنها تُبقي مسار التصعيد قائمًا. ويؤدي الغموض الاستراتيجي دورًا محوريًا في هذه الدينامية، حيث تُعمد الدول إلى إخفاء نواياها وقدراتها للحفاظ على هامش من المرونة وتفادي الالتزام بتصعيد صريح. بيد أن هذا الغموض ذاته يفاقم احتمالات سوء التقدير، نظرًا لإمكانية إساءة تفسير الإشارات أو تجاهلها، بما يعزز من هشاشة الاستقرار ويُبقي احتمالات الانزلاق قائمة. تُسهم الحروب غير المباشرة في تعقيد منطق الردع عبر إعادة تشكيل الحدود الفاصلة بين حالتي الحرب والسلم، إذ يؤدي الاعتماد على الفاعلين بالوكالة والعمليات السرية إلى خلق مسافات فصل تقلص من مستويات الإسناد والمساءلة المباشرة، بما يتيح للدول الانخراط في أنماط من المواجهة دون إعلان تصعيد رسمي. ورغم ما يوفره هذا النمط من تقليص للمخاطر الفورية، فإنه يقوض فعالية آليات الردع التقليدية التي تقوم على وضوح الإسناد ودقة التناسب في الرد. ونتيجة لذلك، يتخذ التصعيد طابعًا أكثر انتشارًا، ويغدو أقل قابلية للضبط، الأمر الذي يعمق من حالة عدم الاستقرار البنيوي الملازمة لمعضلة الأمن. على الرغم من كثافة هذه الضغوط، يظل التصعيد محكومًا بضوابط تحول دون انفلاته، ويعكس هذا الانضباط تداخلًا بين حسابات الكلفة والعائد والقيود البنيوية التي تفرضها بيئة النظام الدولي، إذ إن الأعباء الاقتصادية والسياسية والعسكرية المترتبة على حرب شاملة تُعد باهظة بالنسبة لجميع الأطراف، بما يكرس حوافز قوية لتجنب الانخراط في مواجهة مباشرة واسعة النطاق. إلى جانب ذلك، تضطلع الأطراف الإقليمية والدولية بدور فاعل في رسم حدود للتصعيد، سواء من خلال القنوات الدبلوماسية، أو جهود الوساطة، أو أشكال الردع غير المباشر. وتسهم هذه المحددات الخارجية في ترسيخ نمط من التصعيد المنضبط، تسعى من خلاله الدول إلى موازنة الحفاظ على مصداقية الردع مع إدارة المخاطر. في المحصلة، يكشف الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران عن استمرار صلاحية معضلة الأمن بوصفها إطارًا تحليليًا مركزيًا لفهم أنماط الحروب المعاصرة، وإن في سياقات أكثر تركيبًا وتعقيدًا. فالتصعيد لا يتسم بالعشوائية المطلقة ولا يخضع لنية مقصودة بالكامل، بل يتخذ طابعًا منظّمًا ومُدارًا ضمن حدود محددة، وتتحرك الدول داخل بيئة استراتيجية يُفضي فيها السعي إلى تعظيم الأمن إلى إنتاج ديناميات عدم استقرار، في حين تحول حسابات العقلانية الاستراتيجية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وعليه، لم يعد الصراع الحديث يُعرَّف من خلال مآلات حاسمة، بقدر ما يتشكّل كعملية لممارسة ضبط النفس ضمن توازنات دقيقة.
لم تُعد الحروب تُدار بعقلية الحسم العسكري التقليدي، بل وفق منطق إدارة المخاطر، حيث يصبح الهدف الأساسي هو احتواء التصعيد وتوجيهه بدلاً من السعي إلى انتصار نهائي. فالسؤال أصبح غير مرتبط بمن سينتصر؟ بل بات...