alsharq

د. نافجة صباح البوعفرة الكواري

عدد المقالات 2

التصعيد المُدار: حين تُستبدل معادلة النصر بمنطق الكلفة

20 أبريل 2026 , 10:49م

لم تُعد الحروب تُدار بعقلية الحسم العسكري التقليدي، بل وفق منطق إدارة المخاطر، حيث يصبح الهدف الأساسي هو احتواء التصعيد وتوجيهه بدلاً من السعي إلى انتصار نهائي. فالسؤال أصبح غير مرتبط بمن سينتصر؟ بل بات قائمًا على إدارة الكلفة: من يملك هامش التحمل الأطول، ومن يستطيع نقل عبئها إلى خصمه دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. في هذا السياق، تمثل المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، نموذجًا لهذا التحول، فرغم ما يبدو من حدة وتسارع في الأحداث، فإن مسار التصعيد لا تحكمه العشوائية، بل يخضع لحسابات دقيقة، حيث يعّمد كل طرف إلى معايرة تحركاته بما يحقق مكاسب محددة، دون تجاوز عتبات قد تؤدي إلى حرب واسعة النطاق. وبذلك، تغدو إدارة الكلفة لا حسم المعركة، هي الإطار الذي يوجه السلوك الإستراتيجي للأطراف المنخرطة في الصراع. في صلب هذه الديناميكية، يبرز منطق تحليل التكلفة والمنفعة كإطار تفسيري رئيسي، إذ يقوم كل فاعل بتقدير المكاسب المحتملة مقابل المخاطر والتكاليف المترتبة على أي خطوة، ولا تقتصر هذه التكاليف على الجانب العسكري فحسب، بل تشمل كذلك التداعيات الاقتصادية، والانعكاسات السياسية، واحتمالات التصعيد غير المقصود. وفي ظل هذه المعادلة، لا يبدو أن أيًا من الأطراف تسعى إلى حرب شاملة، بل تهدف كل منها إلى تحقيق مكاسب استراتيجية سواء على مستوى الردع أو النفوذ أو إرسال الرسائل مع تقليل التعرض لتبعات مرتفعة الكلفة، وهذا ما ينتج نمطًا من الاشتباك المقيد، حيث تكون التحركات مؤثرة لكنها محسوبة بدقة. يعكس سلوك الأطراف المنخرطة في هذا الصراع نمطًا من التصعيد المُدار، لا بوصفه تصعيدًا منضبطًا بالكامل، بل عملية تتداخل فيها الحسابات الدقيقة مع لحظات من المخاطرة وعدم اليقين. فبينما توجه التحركات نحو تحقيق أهداف محددة، مثل تعزيز الردع وممارسة الضغط واحتواء التهديدات، فإنها لا تخلو من احتمالات الانزلاق أو سوء التقدير، ما يجعل مسار التصعيد قابلًا للتذبذب بين الضبط والانفلات المحدود. وتبدو العمليات العسكرية والإشارات الاستراتيجية مصممة لإظهار القدرة والحزم، لكن دون ضمان مطلق لعدم تجاوز عتبات قد تؤدي إلى توسع الصراع. وفي الوقت ذاته، يظل هناك حرص عام على تجنب الانخراط العسكري طويل الأمد، نظرًا لما يحمله من كلفة مالية وسياسية وبشرية مرتفعة، ما يضفي على هذا النهج طابعًا مركبًا يجمع بين المبادرة والحذر. وبالتوازي، تعتمد الأطراف على أدوات غير مباشرة، مثل الفاعلين بالوكالة والتكتيكات غير المتكافئة، بما يتيح لها رفع كلفة المواجهة على الخصم دون الانخراط في صدام مباشر واسع النطاق. كما يسهم الغموض الاستراتيجي والعمل عبر وسطاء في الحفاظ على قدر من الردع، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية التعقيد وقابلة للتصعيد غير المحسوب. وعليه، تتشكل هذه الديناميكية ضمن منطق يسعى إلى تعظيم التأثير مقابل احتواء الكلفة، دون القدرة على ضبط مسار الصراع بشكل كامل أو نهائي. في المجمل، تعكس هذه التفاعلات نمطًا أوسع في طبيعة الصراعات المعاصرة، حيث لم يعد الحسم العسكري الواضح هو الغاية أو حتى النتيجة المتوقعة، كما يتراجع احتمال إنهاء الصراع بشكل كامل. وبدلًا من ذلك، نشهد حالة من التصعيد المُدار، يستمر فيها الصراع ضمن مستويات محسوبة من الحدة، بحيث لا ينفجر إلى مواجهة شاملة ولا يتلاشى نهائيًا. هذا النمط لا يعكس جمودًا، بل توازنًا دقيقًا بين الفعل والامتناع، حيث تسعى الأطراف إلى تعظيم مكاسبها دون تجاوز حدود المخاطر المقبولة.

التوازن الهش بين الردع والتصعيد.. إعادة التفكير في معضلة الأمن

تُعيد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تأكيد الأهمية التفسيرية لمعضلة الأمن في تحليل ديناميات التصعيد. ففي ظل نظام دولي يتسم بالفوضوية البنيوية وغياب سلطة مركزية ضامنة للأمن، تميل الدول إلى تأويل الإجراءات الدفاعية للآخرين...