


عدد المقالات 22
من يتأمل الدوحة هذه الأيام يدرك أن المدن ليست مجرد عمران، بل ذاكرة نابضة تحتفل بالمعنى قبل المظهر. فما إن أسدل الستار على بطولة كأس العالم للناشئين تحت سن 17 سنة حتى انتقلت الرزنامة إلى بطولة كأس العرب، لتعود قطر وتحتضن أهل الضاد للمرة الثالثة في تاريخ البطولة: فالأولى كانت عام 1998 تحت مظلة الاتحاد العربي، والثانية عام 2021 برعاية الاتحاد الدولي، وها هي الثالثة اليوم في 2025. قد تبدو البطولة حدثًا رياضيًا عابرًا، لكنها في العمق مساحة تكشف الأنساق الثقافية العربية وهي تتحرك بلا ضجيج. هذه الأنساق ليست مجرد عادات أو هتافات، بل هي القانون غير المكتوب للهوية، اللغة السرية والرواية الساحرة التي يفهمها العرب حين يجتمعون في مكان واحد، مهما اختلفت لهجاتهم وألوان قمصانهم. ولذلك، لم تعد كرة القدم مجرد ترفيه؛ الكرة هنا تتحوّل إلى نص ثقافي كامل، يتداخل فيه التاريخ والجغرافيا، والنفس، والرمز، والوجدان. ما يجري في الملعب من مباريات، وتفاعل الجمهور في جنبات الاستادات، سرديات كاملة، ذاك أن كل فريق يمثّل بلده لا كعلم فقط، بل كذاكرة وتراث وتخييل جمعي. إنه اختزال أمة وامتداد وطن كامل داخل مستطيل أخضر لا تزيد أطواله على مائة وخمسة أمتار، لكنه يتسع لكل المشاعر العربية التي يصعب أحيانًا التعبير عنها خارج الرياضة. ويكفي أن نتأمل لوحة الافتتاح في البطولة والتي حملت عنوان «حيث انطلقت الحكاية» لنشاهد المزيج المدهش من الإيقاع الموسيقي والظل والإبهار البصري بتوظيف التقنيات الحديثة، وحضور الرموز التي تستدعي الماضي بكل قيمه لتصل الرسالة إلى مبتغاها. ولا تزال الانساق الثقافية حاضرةً في مرايا البطولة، ليطل علينا الرمز الشعبي «جحا» كتعويذة للبطولة؛ جحا الذي عاش في المخيال العربي قرونا يأتي ليذكّرنا بأن الرياضة ليست مجرد أرقام وأهداف، بل مساحة للدهشة والمرح، وللفلسفة البسيطة التي تقول إن الحياة يمكن أن تُفهم بابتسامة قبل أن تُفهم بنظرية. حضور جحا هنا ليس في صورة شخص، بل في روح البطولة التي تجمع ألوان الخيوط المختلفة وتحوّلها نسيجا واحدا، تمامًا كما كان جحا يجمع الحكمة والطرفة في جملة واحدة. والأجمل أن البطولة لم تُترك للكرة وحدها؛ فهناك فعاليات ثقافية وفنية موازية مصاحبة للحدث، تُذكّر بأن الرياضة ليست جسمًا بلا روح، وأن الجمهور ليس مجرد مقاعد ممتلئة، فهو النص الأكثر صدقًا. حتى محطات المترو تحولت إلى لوحات فلكلورية في حركة المشجعين ذهاباً وإياباً للملاعب، لتقول إن البطولة ليست حدثًا رياضيًا فقط، بل مهرجان هوية. ولا تزال للقصة بقية، فما إن تطأ قدمك سوق واقف وكتارا ومشيريب وغيرها، تتجلى لك الشعوب العربية بكل جمالها: موسيقى من المغرب، لهجات من المشرق، رقصات من وادي النيل، وأناشيد خليجية لتصنع جميعها طبقة إضافية فوق الحدث، إنها «ثقافة داخل الثقافة». تبدو البطولة العربية في قطر اليوم أكثر من كونها منافسة كروية؛ إنها مختبر واسع لقراءة الذات العربية، ومرآة تكشف أن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا. arakidoha@yahoo.com
حينما تقرأ أو تسمع عبارة «ضيف شرف» فهذا يعني أن المقصود- دولةً كان أم شخصية- يحمل مكانة تجعل أهل الدار يفتحون له أبواب الفعالية بمفاتيح التكريم. وفي الفعاليات الرسمية بين الدول، فإن هذا اللقب لا...
في حركة سيرنا الحياتي المعتاد كم مرّة تجاهلنا إشارات صغيرة كانت تقول لنا إن شيئًا كبيرًا قادم؟ هذه ليست صدفة، بل أزمة قراءة في واقعنا العربي. فالمعاني لا تأتي دائمًا في وضوح الشمس؛ أحيانًا تختبئ...
قبل الدخول في ثنايا المقال، لابد من التفريق بدايةً بين المثقف والمثقف العضوي، فالمثقف هو الفرد الذي يمتلك معرفة واسعة ويشارك في إنتاج الأفكار وتحليل الظواهر الاجتماعية والثقافية غالباً من موقع مستقل أو منصة أكاديمية....
لا يختلف اثنان على أن مؤشرات القياس هي لغة التخطيط الحديث فهي تمنحنا القدرة على قراءة الواقع واتخاذ القرار. وفي عالمٍ يلهث خلف الأرقام والمؤشرات السريعة، يبرز السؤال المهم: هل تستطيع أدوات القياس المعتادة أن...
منذ أن علّم الله عز وجل آدم عليه السلام الأسماء كلها، لم تنقطع اللغة عن الوجود، بل تطورت مع تطور الحضارة الإنسانية، فكانت الوعاء الذي حفظ التاريخ والفكر. كل حضارة دوّنت أثرها عبر لغتها، حتى...
السلام الوطني أو النشيد الوطني ليس مجرد لحن يُعزف في المناسبات الرسمية للدول، بل هو نصٌ تأسيسي يعبر عن الهوية الوطنية، ويحمل بين سطور كلماته القيم التي تشكّل وجدان المجتمع وروحه. ويبرز السلام الأميري القطري...
في زمن تتزاحم فيه التحديات على الأمم والشعوب تظل قضية التربية هي العماد والأساس فالتنشئة للأجيال مسؤولية الجميع، الاسرة والمجتمع والدولة. وحتى تقوم التربية على بناء راسخ لابد لها من عماد متين وخير زاد هو...
صدر مؤخرًا عن دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع كتاب «الهندسة الثقافية في سوق عكاظ»، وهو أحد ثلاثة إصدارات قيّمة للخبير الثقافي والإعلامي القطري المهندس خالد عبد الرحيم السيد، تم تدشين هذه الثلاثية في الصالون الثقافي...
من أهم معايير استدامة الحضارات عبر التاريخ رسوخ القيم الأخلاقية في بنيانها، وهذه القيم تتجلى في مظاهر مادية ومعنوية، من بينها النقوش والرموز التي تخلد المعاني. غير أن الحضارة الإسلامية تفرّدت بشاهد حضاري فريد هو...
رغم أن مفهوم الاستدامة قد يبدو حديثًا للبعض، إلا أن جذوره تعود إلى عقود مضت، حيث بدأ يبرز بوضوح في سبعينيات القرن العشرين، بعد أن ارتبط بقضية التنمية. وقد حظي باهتمام خاص في تقرير «حدود...
حين تتجول في أي من المدن القطرية يلفتك مشهد الأمان الاجتماعي الذي ينعكس في الاحترام المتبادل بين المواطنين والمقيمين. وفي ذات المشهد تبرز فسيفساء العلاقات بين المقيمين فيما بينهم على اختلاف ألوانهم وخلفياتهم الدينية والفكرية...
في خضم تسارع عجلة الحياة اليومية وتلاشي الحدود الجغرافية التقليدية أصبحت مصادر المعرفة والتبادل الثقافي متاحة للجميع، حيث تتأثر ثقافاتنا وتُؤثّر بدورها في هذا المشهد العالمي المتغير. هذه الديناميكية تضعنا أمام تحدٍ كبير الا وهو...