


عدد المقالات 1
في يونيو 2025، أطلقت طهران وابلاً من الصواريخ نحو قطر، أُسقط معظمها بفضل منظومات الدفاع الجوي المتكاملة. ثم جاء العدوان الإسرائيلي الأشد وقاحةً: أول هجوم عسكري إسرائيلي مباشر على عاصمة خليجية، حين استهدفت طائرات حربية حياً سكنياً في الدوحة في محاولة سافرة لتعطيل مبادرة السلام التي كان يرعاها الرئيس الأمريكي آنذاك. ثم جاء الفصل الأشد هولاً في أواخر فبراير 2026، حين شنّت إيران حملة صاروخية وبطائرات مسيّرة استهدفت جميع دول مجلس التعاون الخليجي والأردن دفعةً واحدة بعد الهجوم الأمريكي الاسرائيلي عليها. ثمة ميلٌ راسخ في الأوساط السياسية لقراءة الشرق الأوسط حصرياً من خلال عدسة التنافس الإيراني-الإسرائيلي، باعتباره صراعاً بين منظومتَي أمن متناقضتَين. غير أن هذه القراءة، وإن بدت مريحة تحليلياً وقد تكون داعمة لبعض السرديات المؤدلجة، تنطوي على قصور استراتيجي بالغ. فهي تُخفي تشابهاً عميقاً وخطيراً: تحت وطأة عدائهما المتبادل، تنطلق كلٌّ من إيران وإسرائيل من منطق تأسيسي واحد، وهو أن الأمن المطلق لا يتحقق إلا بالهيمنة الإقليمية وإضعاف الجيران بصورة دائمة. هذا السعي المحموم نحو معادلة صفرية هو مَا أفرز موجات متلاحقة من الاضطراب في المنطقة، وجعل دول الخليج تقف في مرمى المغامرات الإسرائيلية والإيرانية معاً. وسيلتان متباينتان وفوضى واحدة تعتمد إسرائيل على القوة العسكرية المباشرة والساحقة، تحت مظلة أمريكية شبه مطلقة تُفرغ قرارات مجلس الأمن من مضمونها. أما إيران، فتُفضّل الأدوات غير المتماثلة: شبكات الوكلاء، والصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة. وفي الهجمات الأخيرة على قطر، كشفت البيانات الرسمية القطرية أن نحو 65% من الضربات استهدفت أهدافا مدنية، لا الأهداف العسكرية مما يصنفها أنها جرائم حرب وارهاب دولة. وحين حاولت إيران مناورةً جوية أكثر جرأةً بإرسال طائرتَي سوخوي Su-24 محمّلتَين بأسلحتهما نحو الدوحة، اعترضتهما مقاتلات F-15QA القطرية وأسقطتهما في مياه الخليج. النموذج الخليجي.. أمن الجميع تواجه دول الخليج هذا الزخم المزعزع للاستقرار وهي تنطلق من نموذج استراتيجي مغاير كلياً. الخليج ليس ساعياً نحو هيمنة، بل يُحرّكه منطق تنموي يؤمن بأن الاستقرار مُضاعِفٌ للثروة لا مورد شحيح. هذه الفلسفة هي ما يُجسّده الاستثمار السعودي في رؤية 2030، والتوسط القطري في عشرات الأزمات، وجهود الرياض لاستعادة العلاقات مع طهران عبر الوساطة الصينية عام 2023. بيد أن طهران وتل أبيب تنظران إلى هذا المنطق التعاوني لا بوصفه فضيلة، بل ضعفاً قابلاً للاستغلال. كل محاولة تقريب قوبلت بمغامرة جديدة. من الاستيعاب إلى البنية درس العقد الماضي ليس أن الدبلوماسية الخليجية أخفقت، فالوساطة القطرية تحديداً خففت معاناة إنسانية هائلة وحالت دون كوارث أوسع. الدرس هو أن الاستيعاب الخالص يغدو خطراً حين يتعامل مع أطراف تستخدم دول السلام منصةً للحرب بالوكالة. على دول الخليج اليوم أن تُرسي بنيةً استراتيجية متكاملة: عسكرياً، بتعزيز التكامل الدفاعي بين دول المجلس وتعميق تبادل الاستخبارات وضمان التشغيل البيني الكامل. فلقد أثبت صد الضربات الإيرانية صحة عقيدة «الرفض الدفاعي»، أي ابتناء منظومات متكاملة تُحبط الضربات وتُفرغها من أثرها السياسي والعسكري. دبلوماسياً، يجب تحويل الانخراط مع طهران وتل أبيب من إطار مفتوح إلى آخر مشروط صارم، مقترن بحوافز اقتصادية مرتبطة بخطوات تهدئة قابلة للتحقق. دول الخليج لم تختر هذا المحيط المتقلب، ولم تدعُ إلى الفوضى التي يُصدّرها جيرانها. لكن البقاء يقتضي مواجهة الواقع: الدبلوماسية أداة لا تُهجر، غير أنها لا تُمنح إلا لمن يُبادل بالمثل. وفي مواجهة من يجعل الهيمنة غايةً لا تتفاوض عليها، ليس أمام الخليج إلا أن يبني نفسه قوةً موحدة، حصينةً دفاعياً، مبادِرةً استراتيجياً.