alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة

عدد المقالات 5

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 12 مايو 2026
القابلية للاختراق: أحمديان الإيراني مقابل أحمد العربي
د. أدهم صولي - أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية معهد الدوحة للدراسات العليا 12 مايو 2026
كيف ستؤثر الحروب المستمرة في الشرق الأوسط على ميزان القوى الإقليمي؟
رأي العرب 12 مايو 2026
الصحة.. أولوية قطرية

القابلية للاختراق: أحمديان الإيراني مقابل أحمد العربي

12 مايو 2026 , 10:36م

في كلّ منعطفٍ حاسم من تاريخ المنطقة، تعود إلى الواجهة مفارقة صارخة لا تخطئها البصيرة: رجلٌ مؤدلج يحمل مشروعه بوضوح وصلابة، وفي المقابل جموعٌ تتسابق إلى ترجمة خطابه، وتلميع صورته، وتسويغ عدوانه، ثم تقديمه إلى جمهورها باعتباره صوت الأمة وضميرها الحي، بينما هو في الحقيقة لا يرى في الأوطان سوى ساحاتٍ لمشروعه، ولا في الشعوب سوى وقودٍ لمعركته. وعلى منصّات الإعلام العربي، لم تكن الإشكالية يوماً في تقديم سردية «أحمديان» الإيراني؛ فهذا رجلٌ يؤدي دوره بانضباط كامل وإخلاصٍ صريح لمشروع دولته، تلك الدولة التي رسمت، منذ أكثر من أربعة عقود، خرائط نفوذها الممتدة من طهران إلى شواطئ المتوسط، تحت رايةٍ أيديولوجية ودينية واضحة لا تخفي أهدافها ولا تتوارى خلف شعاراتها. أما المعضلة الحقيقية، فتتجسد في «أحمد» العربي؛ ذاك الذي لا يحمل مشروعاً، ولا يمتلك سردية وطنية أو حضارية، ولا يدافع عن مصلحة بلده أو أمته، ومع ذلك يجد نفسه ــ طوعاً أو جهلاً أو انتفاعاً ــ متطوعاً في معركة لا تخصه، ومترجماً لخطابٍ يعمل بصورة مباشرة ضد مصالح وطنه واستقرار منطقته وهويته العربية. إنه لا يقاتل دفاعاً عن قضية، بل يتحول، من حيث يدري أو لا يدري، إلى درعٍ بشريّ لمشروعٍ عابر للأوطان، يُتقن استثمار الفراغ العربي أكثر مما يُتقن العرب أنفسهم حماية أوطانهم وسردياتهم. ما وصفه المفكر مالك بن نبي قبل عقود بـ«القابلية للاستعمار» يعود اليوم في صورته الأحدث: القابلية للاختراق الأيديولوجي. فالمستعمر الجديد لم يعد بحاجة إلى الجيوش لاحتلال العقول، يكفيه أن يجد عقولاً مهيأة سلفاً للاستسلام، ووعياً مفككاً ينتظر من يعيد تركيبه على هواه، وجمهوراً منهكاً يبحث عن بطل خارجي يعفيه من سؤال نفسه عن أسباب هزيمته. المشروع ومنطق الأيديولوجيا حين يتحدث المحلل الإيراني في الفضائيات العربية، فإنه لا يتحدث بوصفه فرداً، بل بوصفه امتداداً لدولة تعرف ما تريد. خلفه منظومة كاملة: مرشد، وحرس ثوري، وفيلق قدس، ومراكز أبحاث، وحوزات، وإعلام موجَّه، ووكلاء ومريدين في عواصم عربية. هو لا يرتجل موقفاً، بل يُنفّذ سياسة. ولا يعبّر عن رأي، بل يسوّق مشروعاً. ولا يتحاور، بل يفاوض نيابة عن دولة تخوض حرباً طويلة على المنطقة بأدوات ناعمة وخشنة في آنٍ معاً. هنا يكمن جوهر المشروع التوسعي: هو لا يحتاج إلى إقناعك بأنه على حق، يكفيه أن يقنعك بأن معارضته خيانة. ومن تلك اللحظة، يصبح المعتدي ضحية، والمحتل مقاوماً، والمليشيا حركة تحرر، والصاروخ الذي يضرب الدوحة وأبو ظبي والكويت والمنامة والرياض أو بغداد أو عمّان (رسالة إلى تل أبيب). في المقابل، يقف «أحمد» العربي عارياً من المشروع، مثقلاً بالهزيمة، مسكوناً بعقدة الفشل المتراكم. لم يبنِ دولة، ولم يحرر أرضاً، ولم ينتج اقتصاداً، ولم يصنع نموذجاً. لكنه يجد في خطاب «أحمديان» تعويضاً نفسياً مجانياً: نصرٌ بالوكالة، وكرامةٌ مستعارة، وانتقامٌ رمزي من تاريخ طويل من الإحباط. ولأن «الأحمد» لم يقرأ تاريخه قراءة نقدية، ولم يفكك خطاب الأنظمة التي صنعت وعيه، فإنه يكرر اللحظة ذاتها التي صنعت هزائمه السابقة، لكن بأبطال جدد. أيّد عبد الناصر حين احتل اليمن باسم القومية، وصفّق للأسد الأب حين احتل لبنان باسم الصمود، وبارك للقذافي حين تورط في تشاد باسم العروبة، وهو يبرر لنظام الملالي احتلال عواصم ومدن عربية باسم فلسطين. تتبدل الأسماء وتثبت الوظيفة تجييش العاطفة لشرعنة العدوان، واستعارة قضية كبرى لتغطية مشاريع صغرى. ما يجمع هذه المحطات ليس الأيديولوجيا الواحدة، بل البنية الواحدة: قضية عادلة تُستخدم درعاً لتبرير ظلمٍ على آخرين. صدام دخل الكويت باسم تحرير فلسطين، والقذافي قمع شعبه باسم مواجهة الإمبريالية، والأسد دمّر سوريا باسم الممانعة، والحوثي يقصف مدنا خليجية باسم القدس، وإيران تحتل وتغتال وتفجّر باسم الأمة. شمّاعة فلسطين صارت رخصة مفتوحة لكل من يريد أن يفعل ما يشاء، ثم يحتمي بالقضية من أي محاسبة. حين يصبح العدوان مقاومة ما جرى في الأسابيع الأخيرة، حين استهدفت إيران بصواريخها ومسيّراتها دول الخليج والعراق والأردن، ثم خرج من بين أبناء هذه الدول من يصفق ويبرر، ليس خلافاً في الرأي، بل انهيار في المنظومة المعرفية ذاتها. هو نمط تفكير لا يرى الواقع، بل يرى الأيديولوجيا. لا يحاكم الفعل، بل يحاكم الفاعل. لا يسأل: ماذا حدث؟ بل يسأل: من فعله؟ فإذا كان الفاعل من «المعسكر الصحيح»، تحوّل العدوان إلى دفاع، والاحتلال إلى تحرير، والمجزرة إلى «أضرار جانبية في معركة كبرى». هذه ليست سذاجة فكرية، بل بنية معرفية كاملة أعيد تشكيلها عبر عقود من البروباغندا. تعلّم فيها الجمهور أن يستبدل الحقيقة بالرواية، والواقع بالتأويل، والمصلحة الوطنية بـ«المعركة الكبرى». وحين تستقر هذه البنية في الوعي الجمعي، تصبح الجريمة قابلة للتبرير ما دامت ترتدي اللباس المناسب، ويصبح المعتدي مقدساً ما دام يرفع الشعار المطلوب. والأخطر أن هذه البنية انتقائية بامتياز: تبكي على ضحية في غزة، وتتجاهل مئات الآلاف من ضحايا حلب وحمص والموصل وصنعاء، لأن قاتلهم لا يحمل هوية «العدو المعتمد». تستنكر جريمة في القدس، وتصفق لمثلها في دير الزور والرقة، لأن السكين الإيرانية مختلفة في عرفها عن السكين الإسرائيلية، وإن كانت تحفر اللحم ذاته وتقطع العنق ذاته. من يبرر اليوم الاعتداء الإيراني على دول الخليج هو نفسه من برّر أمس مذابح بانياس والحولة والقصير وداريا، وغطّى انتهاكات الميليشيات في بغداد والبصرة، وصفّق لاجتياح صعدة وعدن وتعز، وسوّغ اغتيالات بيروت ومجازر الغوطة. هو ليس متناقضاً، بل متسقٌ مع نفسه. منطقه الواحد لا يتغير: الجريمة جريمةٌ حين يرتكبها «الآخر»، وضرورةٌ حين يرتكبها «نحن». هؤلاء، وإن لم يحملوا صواريخ، فإنهم يحملون البذرة ذاتها: أيديولوجيا تُجيز الدم إذا انسجم مع الرواية، وتحرّمه إذا خالفها. لا فرق جوهرياً بين من يطلق الصاروخ ومن يكتب التغريدة التي تبارك سقوطه على رؤوس المدنيين. الأول مجرم بالسلاح، والثاني مجرم باللغة. والاثنان شريكان في تكوين البيئة الأخلاقية التي تجعل الجريمة ممكنة، ومستساغة، وقابلة للتكرار. والمفارقة الأشد قسوة أن كثيراً من هؤلاء يعيشون في كنف الدول التي يهاجمونها، يستمتعون بأمنها، ويعملون في اقتصادها، ويستفيدون من خدماتها، ثم يصرفون أوقاتهم في الترويج للمشروع الذي يستهدف وجودها. هذه ليست مجرد مفارقة أخلاقية، بل نموذج مكتمل للقابلية للاختراق: أن تأكل من خبز بلد، وأن تحلم بسقوطه في الوقت ذاته. معركة الوعي الحقيقية ليست المشكلة في «أحمديان» الإيراني، فهذا يقوم بدوره الطبيعي في خدمة مشروع دولته. المشكلة في «أحمد» العربي الذي يخدم المشروع ذاته مجاناً، بل ويدفع ثمنه من أمن بلده وكرامة شعبه ومستقبل أبنائه. المعركة الحقيقية، إذن، ليست في طهران ولا في ضواحيها، بل في الوعي العربي ذاته: في تلك المساحة التي تحوّلت إلى أرض مفتوحة لكل غازٍ أيديولوجي، يدخل بلا مقاومة لأن الحارس نفسه قد بِيع منذ زمن. هيغل كان يقول إن الوعي لا يتحقق إلا في مواجهة وعيٍ آخر، وإن الذات لا تعرف نفسها إلا حين تصطدم بـ«الغير». أحمديان يفهم هذه المعادلة جيداً: إنه يحتاج إلى «أحمد» ليكتمل، لأن مشروعه التوسعي لا يحتاج فقط إلى ضحية، بل يحتاج إلى ضحية مقتنعة بضرورة ضحيتها. ولذلك فهو لا يكتفي بالعدوان المادي، بل يستثمر في إنتاج خطاب يقنع ضحيته بأن العدوان عليها هو من أجلها، وأن الصاروخ الذي يضربها رسالة حب موجهة إلى أعدائها. هذا ما أسماه نيتشه بـ«إرادة القوة»: ليست القوة قدرة على البطش، بل قدرة على فرض التأويل. أحمديان لا يفرض على «أحمد» أن يقبل عدوانه، بل يفرض عليه أن يعيد تأويل هذا العدوان حتى يصبح فعلاً تحررياً. وهنا يتحول السلاح من أداة إكراه إلى أداة إقناع، ويتحول العقل المتلقي من ضحية إلى متواطئ. ما لم يستعد «أحمد» العربي وعيه، ويفكك خطاب الأنظمة المؤدلجة التي صنعت هزيمته، ويتحرر من شمّاعة القضايا الكبرى التي رُكّبت فوقه ليُحمَل عليها كل عدوان، فإن المنطقة ستبقى تدور في الحلقة نفسها: مشروع متماسك في الجانب الآخر، وقابلية للاختراق في الجانب العربي، ودول تُبنى تدفع ثمن تميزها، وجمهور يصفق لمن يقصفها باسم قضية عادلة تُستخدم غطاءً لكل خراب. إنّ أخطر ما يهدّد العرب اليوم ليس الصاروخ الإيراني ذاته، بل ذلك العقل العربي الذي يتكفّل بتبريره وتسويغه ومنحه غطاءً أخلاقياً وسياسياً. فالصواريخ، مهما بلغت قوتها، يمكن اعتراضها بمنظومات الدفاع والردع، أما العقول المؤدلجة فلا تُواجه إلا بمعركة وعي شاقة وطويلة، قد تمتد لعقود حتى تستعيد الأمة بوصلتها وتتحرر من وهم التبرير والانخداع والأيديولوجية.

الخليج وخصومه: صراع التنمية مع أيديولوجيا الخراب

لا يمكن التعامل مع موجة الشماتة والتبرير التي ظهرت في بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي تجاه الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربي بوصفها مجرد انفعالات عابرة أو ردود فعل شعبوية طارئة. فما طفا على...

حرب إيران وأزمة المثقف العربي المعرفية والأخلاقية

في الحروب الكبرى، لا تُمتحن الجيوش والمنظومات الدفاعية وحدها، بل يُمتحن معها الضمير الجمعي والعقل النقدي لدى النخب الفكرية. فالصواريخ والمسيّرات التي سقطت على مدن عربية وخليجية لم تستهدف البنية التحتية المادية فحسب، بل اخترقت...

الخليج وإعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة

لم يعد الخليج ساحة تستقبل الضربات بصمت، أو منطقة تكتفي برد الفعل على الأزمات. المشهد الإقليمي اليوم يشهد تحولًا نوعيًا في طبيعة التعاطي والتعامل الخليجي مع المخاطر والتهديدات، من منطق الاحتواء إلى منطق المحاسبة. دول...

الخليج وانتصار منطق الدولة في زمن الحرب

ليست الأزمات لحظات اختبار عابرة، بل محطات تكشف البنى العميقة للدول، وتُظهر الفارق بين من يمتلك مشروع دولة ومن يكتفي برفع شعاراتها. وفي الأزمة الأخيرة المرتبطة بالحرب مع إيران، لم تكن المنطقة أمام تصعيد عسكري...