alsharq

د. نافجة صباح البوعفرة الكواري

عدد المقالات 3

إنهاء الحرب مقابل إنهاء الحرب

04 مايو 2026 , 11:08م

لم يعد «إنهاء الحرب» في النزاعات يشير إلى لحظة حاسمة تُطوى فيها المواجهة بنتيجة نهائية واضحة، بل مفارقة إستراتيجية مركبة: فإما أن يُفهم بوصفه سعيًا لتفكيك قدرات الخصم بشكل جذري، أو كنهج يهدف إلى ضبط الصراع وإبقائه ضمن حدود محسوبة. هذا التحول يقوّض التصور التقليدي للحرب كمعادلة تنتهي بانتصار أو هزيمة، ويفتح المجال أمام فهم أكثر تعقيدًا، فالسؤال الجوهري هنا: هل نحن أمام صراع يمكن حسمه بالفعل، أم أمام نمط من الحروب يُدار بوعي دون أن يُراد له أن ينتهي؟ في هذا الإطار، يُطرح «إنهاء الحرب» بوصفه حسمًا إستراتيجيًا يقوم على منطق واضح: الحرب تنتهي عندما تُستنزف قدرات الخصم إلى الحد الذي يجبره على تعديل سلوكه أو التراجع عن طموحاته، ويظهر هذا التصور بوضوح في مقاربة الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه إيران، حيث تُبذل جهود مركزة لتقليص امتدادها الإستراتيجي عبر استهداف ركائز قوتها، سواء في قدراتها العسكرية أو في شبكاتها الإقليمية. الرهان هنا ليس فقط على إضعاف الخصم، بل على رفع كلفة المواجهة إلى مستوى يجعل استمرارها عبئًا غير محتمل. ووفق هذا المنطق، يُفترض أن الضغط المتراكم قادر على فرض تحول في السلوك الإستراتيجي، بما يعيد تعريف موازين القوة ويُترجم إلى ما يُعرف تقليديًا بـ«النصر» وإنهاء الحرب. غير أن هذا التصور، على تماسكه النظري، يصطدم بواقع بنيوي معقّد يحد من فاعليته، فالنموذج الإستراتيجي الإيراني لا يقوم على مركزية يسهل استهدافها، بل على بنية موزعة تتسم باللامركزية، والانخراط غير المباشر، وتفعيل شبكات الوكلاء عبر ساحات متعددة. هذا النمط يجعل من الصعب إخضاعه للضغوط التقليدية أو القضاء عليه بضربة حاسمة. وبدلاً من أن يؤدي الضغط إلى إنهاء الحرب، قد يفتح الباب أمام نتائج عكسية، كتحوّل الصراع إلى أشكال أكثر مرونة وتعقيدًا. صحيح أن الأدوات العسكرية قد تُضعف بعض مفاصل هذه الإستراتيجية، لكنها لا تلامس بالضرورة البنية العميقة التي تُبقي الصراع قائمًا، فالحسم الإستراتيجي، رغم جاذبيته النظرية، يظل هدفًا بالغ الصعوبة في بيئة تتسم بالتشظي والقدرة على التكيّف. في المقابل، يبرز تصور مغاير لـ«إنهاء الحرب» لا يقوم على الحسم، بل على إدارة الصراع بذكاء وضبط دقيق، هنا لا يكون الهدف تحقيق نصر نهائي، وإنما التحكم في إيقاع المواجهة وحدودها. ويتجلى هذا النهج في الضربات المحدودة، والاستجابات المحسوبة، والإشارات الإستراتيجية التي تحكم التفاعل بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. الفاعلون في هذا السياق لا يسعون إلى إنهاء الصراع، بل إلى ضبط كلفته وتوجيهه، بحيث يظل تحت السيطرة دون الانزلاق إلى حرب شاملة. وبهذا المعنى، يتحول «إنهاء الحرب» من فكرة الحسم إلى منطق الاحتواء، أي منع التصعيد بدلًا من حل جذور الصراع. يعكس هذا النهج تحولًا عميقًا في التفكير الإستراتيجي، حيث لم يعد الاستقرار يُبنى على إنهاء الصراع، بل على إدارته بشكل مستمر ومحسوب، النتيجة ليست سلامًا مكتملًا ولا حربًا مفتوحة، بل حالة وسطية. صحيح أن هذا النموذج يخفف من مخاطر الانفجار الشامل، لكنه في المقابل يطيل عمر التنافس الإستراتيجي ويُبقي حالة عدم اليقين قائمة، ومع غياب نهاية واضحة، يتحول الصراع من حدث عابر إلى سمة بنيوية راسخة في النظام الإقليمي، يُعاد إنتاجها بدل أن تُحسم. يكشف تداخل هذين المنطقين عن المفارقة الجوهرية في مفهوم «إنهاء الحرب» ضمن سياق المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران؛ فبينما يراهن نهج الحسم على إحداث تحول جذري يُنهي الصراع من جذوره، يتجه نهج الإدارة المُنظَّمة إلى احتوائه وتقييد مساره دون بلوغ نقطة حسم نهائية. ورغم أن كلا المسارين يسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية بما يخدم مصالحه، فإن أياً منهما لا يضمن نهاية واضحة للصراع، ما يرجّح كفة الإدارة المُنظَّمة لا بوصفها الخيار الأفضل، بل لأنها الأكثر توافقًا مع قيود الواقع البنيوي ومخاطر الانزلاق نحو تصعيد واسع يصعب التحكم بعواقبه.

التوازن الهش بين الردع والتصعيد.. إعادة التفكير في معضلة الأمن

تُعيد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تأكيد الأهمية التفسيرية لمعضلة الأمن في تحليل ديناميات التصعيد. ففي ظل نظام دولي يتسم بالفوضوية البنيوية وغياب سلطة مركزية ضامنة للأمن، تميل الدول إلى تأويل الإجراءات الدفاعية للآخرين...

التصعيد المُدار: حين تُستبدل معادلة النصر بمنطق الكلفة

لم تُعد الحروب تُدار بعقلية الحسم العسكري التقليدي، بل وفق منطق إدارة المخاطر، حيث يصبح الهدف الأساسي هو احتواء التصعيد وتوجيهه بدلاً من السعي إلى انتصار نهائي. فالسؤال أصبح غير مرتبط بمن سينتصر؟ بل بات...