الجمعة 19 ربيع الثاني / 04 ديسمبر 2020
 / 
08:37 ص بتوقيت الدوحة

التطبيع .. والتكنولوجيا «ماكان .. ومايكون»

سهلة آل سعد
قاعدة يستشعرها معظم الناس ويضعون أحكامهم تبعا لها وهي صحيحة الى حد ما لاعتبارات عدة .
القاعدة هي أن ما (كان) هو الصحيح ، وأن ما هو كائن الآن هو الخطأ .

أن الماضي جميل وأن الحاضر بشع ..

أن ما (كان) هو الأفضل والأقوى والأنسب (أفعل التفضيل هي العليا والطاغية هنا) في تقييم ماسبق ، وأن ماهو قائم الآن هو الأسوأ والأدنى والأقل والأمرّ (أفعل التقليل هي الطاغية) وتنسحب هذه الأحكام على معظم جوانب ومجالات الحياة ..

كيف ؟!
*في الحديث عن التعليم مثلا التعليم (كان) أفضل من الآن ..

*وعن العلاقات الاجتماعية.. (كانت) أقوى وأوثق وأبسط من الآن ..

*العادات والتقاليد (كانوا) متمسكين بها ومطبقين لها أكثر في السابق ..

*المظاهر (كانوا) متكلفين فيها أقل من الآن ..

*السعادة والقناعة والرضى (كانت) متحققة بشكل أعمق وأبسط في السابق ..

*الضبط والانضباط الأسري الذي يبنى عليه الانضباط المجتمعي ( كانت) متطلباته أبسط وأعمق من الآن ..

*وكذلك (كان) التطبيع مع العدو الصيهوني مرفوضا رفضا تاما ولا يوجد زحف نحو التطبيع كالآن ..
أو عدم مقاومة كالآن ..

او شذوذ وانتكاس فطرة علني كالآن ..

برعاية أممية كالآن ..

كل ما (كان) مهما بلغ خطؤه وقصوره لا يضاهى بخطر وقصور  ماهو كائن ( الآن )!!
الأزمات تتفاقم ولا صلاح دين أو مصلح لها!

وقد كان فيما كان أن وجدت رموز وطنية يُسمع بها  ويعتز ويتغنى بها ماعاد لها مثيل الآن .
وكانت مقاومة ،وكان رفض للعدو وللتطبيع، وكان زمان غير الزمان .

وكانت هناك أشعار وطنية مؤججة ذات رنين ووهج ماعاد لمثلها وجود الآن، وأناشيد مقاومة وإشعال حماس انطفأت جذوة قديمها ولم ينتج منها جديد فالخلق اليوم منشغلون بعرض أنفسهم ومقتنياتهم وحياتهم في السنابات التافهة سواء في عروض حقيقية أو مفتعلة ، والناس اليوم جل هدفهم كسب أعداد متزايدة من المتابعين عبر منصات التواصل المختلفة العديدة !

كسب أعداد أكبر عبر تغذيتهم التفاهة والضحالة والتهميش والتغييب عن الجوهريات ، والاستدراج نحو المحرمات عبر سياسة التعويد والجرعات الصغيرة المتواصلة كما في برنامجي السناب والانستغرام ، أو عبر تربيتهم على السباب والشتم والقذف والتراشق اللفظي كما في توتير ، او عبر المسخرة التافهة والمقالب المصغِّرة للعقول المغيبة لها عما يجب ان تنشغل به كما في برامج أخرى !!

والناتج عقول مغيبة منشغلة بالتافه عن المهم ، وشخصيات رخوة تقودها الموجات المسيِّرة دون  وعي أو تساؤل عن مقصودها ووجهاتها ، وأحلام أقصى مبلغها المال والشهرة وأعداد المتابعين أيا كان الثمن وأيا ماكان سيسقط في الطريق لنيلها!!

أين سقط الدين ؟ أين سقطت قضية الأقصى وفلسطين ؟ أين سقطت الأخلاق والقيم ؟ أين سقط الضمير والعقل والفكر ؟؟! .. في حفرة أو فجوة بين تلك البرامج المتناثرة هنا وهناك ؟!! 

بين حلم بالثراء وحلم بالشهرة وحلم بزيادة اعداد المتابعين ؟!!

أغرب مافي مشهد اليوم التكنولوجي أنه في حين أنه يجب أن تخدمنا التكنولوجيا أكثر في النهوض بقضية القدس وفلسطين ، فإن التكنولوجيا اليوم تؤدي دورا معاكسا وتغيبنا عن قضية المسلمين الأولى وعن الأولويات جميعها!!

وماذلك الا لأنهم في الجانب الآخر أحسنوا الاستخدام وعملوا بوعي، وفي جانب المسلمين أساؤوا الاستخدام وغابوا عن الوعي.

ليس كل ماكان جيدا ، وليس كل ماهو كائن قبيح ، ولكن السمة العامة هي كذلك فعلا مالم تنهض الأمة من جديد وتخلع عنها أسمال بيع الذات على منصات التواصل مقابل سفاسف الأمور، ومالم تنفض عنها غبار سبات التغييب وتعرك عينيها جيدا لترى المشهد بوضوح وتقيّمه بوضوح وتعمل على تصحيحه بجد فتنهض من جديد .