الأحد 14 ربيع الثاني / 29 نوفمبر 2020
 / 
08:26 م بتوقيت الدوحة

وُلد الهدى ﷺ فالكائنات ضياء

الدكتورة أمينة الجابر

الحمد لله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين، وعلى جميع إخوانه من النبيين، وعلى آله وصحبه وأتباعه أجمعين،، وبعد..

مولد خير الأنام أهم حدث في تاريخ البشرية لن يتكرر حتى قيام الساعة  وقد ساق الله على يديه الخير للبشرية بأسرها

فالكتابة عن خاتم النبيين من أصعب الأمور لتفرُّده صلى الله عليه وسلم بذاته النبوية عن سائر الأنبياء والمرسلين؛ لأنه كان قرآناً يمشي على الأرض، ولكن أحببنا بيان أن الرسول محمد بن عبدالله بن عبد المطلب إلى عدنان، لم يختلف أحد من الناس في نسبه الطاهر الشريف، وكذلك أمهاته العظام، وهذا شرف لا يحظى به إلا من اصطفاه الله على العالمين، يقول النبي عن نفسه: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»، فهو صلى الله عليه وسلم خيار من خيار من خيار، فهل في الدنيا من يحظى بهذا الوضوح في النسب، وهو المثل الكامل للبشرية جمعاء، وأعظم العظماء منذ خلق آدم -عليه السلام- إلى أن يرث الأرض ومن عليها. 
وُلد الهدى.. في شهر ربيع الأول، في الثاني عشر منه، على الأرجح، يوم الاثنين لعام 571م المسمّى بعام الفيل، وُلد سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- وبُعث فيه نبياً على رأس الأربعين من عمره الشريف لثمانٍ مضت منه، وجاءه جبريل -عليه السلام- يأمره بالهجرة في الثاني منه إلى المدينة.
وكان دخوله مهاجراً إليها يوم الجمعة لاثني عشر منه، وتوفي عليه الصلاة والسلام لاثنتي عشرة مضت منه سنة إحدى عشرة من الهجرة، كل هذا في ربيع الأول، وكانت ولادته أهم حدث في تاريخ البشرية لن يتكرر حتى قيام الساعة، وقد ساق الله على يديه الخير للبشرية بأسرها، قال الماوردي: «ولما دنا مولد ولادته صلى الله عليه وسلم تعاطرت آيات نبوته، وظهرت آيات بركته، فكان من أعظمها شأناً، وأشهرها عياناً وبياناً أصحاب الفيل».

وُلد الهدى.. فعن لقمان بن عامر قال سمعت أبا أمامة يقول: «قلت يا نبي الله ما كان أول بدء أمرك؟ قال: نعم أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام»، يقول ابن رجب الحنبلي: خروج هذا النور عند وضعه إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض، وأزال به ظلمة الشرك، منها كما قال تعالى: « قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ « [المائدة: 15 – 16].

وُلد الهدى.. وقد هاجر اليهود إلى مكة والمدينة، ينتظرون ولادة النبي الخاتم أحمد -صلى الله عليه وسلم- الموجودة أوصافه في التوراة، قال تعالى: «وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ  فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ» [الصف: 6].
وقد عرف اليهود أن أحمد خاتم الأنبياء قد وُلد لعلم سابق لديهم، قال حسان بن ثابت: «والله إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل كامل ما سمعت؛ إذ سمعت يهودياً يصرخ بأعلى صوته على أطمة (حصن) بيثرب: يا معشر يهود حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له: ويلك مالك؟ قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي وُلد به». 
وعن أسامة بن زيد، قال: قال زيد بن عمرو بن نفيل، قال لي حبر من أحبار الشام: «قد خرج في بلدك نبي أو هو خارج، قد خرج نجمه، فارجع فصدقه واتبعه».

وُلد الهدى.. فكان مولده ميلاد أمة سعدت بميلادها الأمم، فهو المصطفى الذي ختم الله به أنبياءه وأرسله رحمة للعالمين، كما قال تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ» [الأنبياء: 107]، واختصه بفضائل وخصائص ومعجزات الأنبياء جميعاً تشريفاً وتكريماً له، مما يدل على جليل قدره، وعلوّ منزلته عند ربه، فهو أعظم الناس خلقاً وأصدقهم حديثاً، وأحسنهم عفواً، خير من وطئ الثرى، سيد ولد آدم، وأول من تنشق عنه الأرض، وتفتح له الجنة، مدحه ربه بقوله: «وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ» [القلم: 4]، «وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ» [الشرح: ]، ودافع عنه في كتابه: «إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ» [الحجر: 95] و»إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» [الكوثر :3]، قال عنه أبوهريرة: «ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كأنّ الشمس تجري في وجهه».

وُلد الهدى.. وقد أخذ الله الميثاق على الأنبياء قبله بتبليغ قومهم بوجوب الإيمان به واتباعه صلى الله عليه وسلم، قال سبحانه: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ  قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي  قَالُوا أَقْرَرْنَا  قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ» [آل عمران: 81].
 يقول القاضي محمد سليمان المنصور فوري في كتابه «رحمة للعالمين»: ورد ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- في زبور «إني أذكر الأجيال كلها باسمك فيثنون عليك أبد الآبدين» (72/11)، ويقول: وأنه هو الذي ورد في شأنه: «يبقى ذكره للأبد، ويشيع اسمه ما دامت الشمس مشرقة، والناس يهنئون به، ويُدعى له دائماً، ويهنأ كل يوم» (72/15).
وُلد الهدى.. وهو ليس بحاجة إلينا للدفاع عنه، ولكنّا بحاجة إلى هديه وشفاعته ومحبته، ولن نحظى بمحبته، حتى يكون أحبّ إلينا من النفس والمال والولد، وكما ندافع عن أنفسنا وأموالنا وأولادنا، لا نسمح لمن لا يساوي شسع نعل طفل مسلم من البشر بالإساءة إلى سيرته، فنبينا أعظم وأحبّ إلينا من هؤلاء جميعاً، فمحبته مقرونة بصدق الإيمان، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»، ومحبته تقتضي طاعته، وامتثال أوامره، ونصر سنته وسيرته، وتعليمها للأجيال جيلاً بعد جيل، حتى لا يجهل مسلم الاقتداء به، يقول أحد الصحابة: -رضى الله عنهم أجمعين-: «كنا نُعلّمهم سيرة رسول الله، كما نُعلّمهم الآية من القرآن، ونكون كما وصفهم الله -عز وجل- في كتابه «مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ  تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا» [الفتح: 29]، والحمد لله رب العالمين.