الأربعاء 9 رمضان / 21 أبريل 2021
 / 
11:07 م بتوقيت الدوحة

هل إسرائيل مكان مناسب لإحياء ذكرى «المحرقة»؟!

عبدالوهاب بدرخان
لم يكن هناك اهتمام من الإعلام العربي بالمنتدى الدولي الخامس لـ «الهولوكوست»، هل في ذلك ما يدعو إلى العجب؟ طبعاً لا، لأسباب معروفة أقلّها استغلال إسرائيل للمناسبة في تبييض سمعتها الدولية، لكن من دون جدوى، فالمشاركون من نحو خمسين دولة جاؤوا احتراماً لذكرى ضحايا «المحرقة»، وليس بدافع تحصين سياسات إسرائيل وممارسات سلطة الاحتلال التي يزدرونها، ولا يشذّ عنهم سوى الجانب الأميركي، لكن هل يعني غياب أي ممثل لدولة عربية وعدم الاهتمام الإعلامي أن العرب لا تعنيهم «المحرقة» وذكراها؟ لا ونعم، لا أولاً لأن أي مأساة إنسانية بهذه الفظاعة لا يمكن أن تحظى بالقبول أيّاً تكن الاعتبارات، ثم نعم لأن الحقبة الزمنية لتكشّف حقائق «المحرقة» وانتشار تفاصيلها هي الحقبة نفسها التي أفضت إلى النكبة الفلسطينية بما حملته من ظلم إنساني لا يزال ماثلاً فلسطينياً وعربياً إلى يومنا هذا.
على وقع الحروب والمجازر كان الإسرائيليون عموماً يستخدمون «الهولوكوست» كمرجعية لتبرير ما يفعلون، ولتحصيل شرعية لـ «دولتهم» وقبول لـ «جرائمهم»، وعلى سبيل الدعاية السياسية تعاملوا مع العرب كأنهم متهمون بارتكاب «المحرقة»، فسلّطوا الضوء على اتصالات هامشية جرت آنذاك بين عرب ونازيين، لكنهم صمتوا بل جهدوا لطمس وقائع مثبتة كشفها باحثون يهود عن تعاون بين يهود ونازيين لاقتياد آلاف اليهود إلى معسكرات الاعتقال والقتل، وعندما شرع العرب والإسرائيليون في التفاوض على السلام قبل 28 عاماً، كان بين أهم الذرائع لتعنّت إسرائيل في شروطها العسكرية والأمنية، أنها لا تثق بتخلّي الطرف العربي عن خيار الحرب، بل قال مفاوضون إسرائيليون أمام نظراء عرب، إن ما يعرقل السلام عقبة كأداء تتمثّل بعدم إدراك العرب عمق المخاوف اليهودية من تكرار «المحرقة»، كانت هذه مجرد خدعة تفاوضية لتسويغ عدم التنازل ولتمرير التشدّد في متطلبات الأمن التي يُدفع بها لتغطية الاستمرار في الاحتلال وسرقة مزيد من الأرض الفلسطينية.
على مرّ الأعوام الـ 75، لم يغب يوماً ذكر «الهولوكوست» في عواصم الغرب، لا في الميديا على أنواعها، ولا في السياسة والتشريع، ولا في القضاء تجريماً وحبساً للمراجعين المشكّكين بالوقائع وأعداد الضحايا، وأخيراً تحوّلت «صناعة الهولوكوست» -وفقاً لمصطلح وضعه باحث يهودي- إلى زجّ «معاداة السامية» في كل شيء، ولا سيما في انتقاد إسرائيل والدعوة إلى مقاطعة منتجاتها وجامعاتها، وقد يضاف إليها غداً التعرّض سياسياً لبنيامين نتنياهو، أراد الأخير لاحتفالية ذكرى تحرير السوفييت لمعسكر أوشفيتز، أن تكرّس أي انتقاد لإسرائيل مرادفاً تلقائياً لمعاداة السامية التي تقع في الغرب تحت طائلة القانون، وإذ يوافق دونالد ترمب ونائبه على هذه المبالغة في التحريف، فإن المشاركين الآخرين في الاحتفالية حافظوا على توازن مواقفهم.
رغم أنه يراد لـ «الهولوكوست» أن تكون عبرة للإنسانية، فإن «صناعيها» مصرّون على أن تبقى ملكية توظّفها إسرائيل والولايات المتحدة في سياستهما، كما حصل في توجيه الاحتفالية ضد إيران باسم «معاداة السامية»، لكن الأهم أنهم يحيون الذكرى منفصلين تماماً عن واقع «هولوكوستي» خالص، فعلى مرمى حجر هناك جدار فصل عنصري، ومستوطنات تقام بالقوة على أرض الفلسطينيين، وركام منازل لهم تُهدم، وحواجز تقطع التواصل بين مناطقهم، لا شك أن عقدة الذنب في «المحرقة» لا تزال تلاحق الأوروبيين، لكن الواقع يشهد بأن العبر التي يدّعون أنهم استمدوها من «الهولوكوست» كما القيم التي يدافعون عنها استرشاداً بهذه المأساة، تتناقض تماماً مع كل ما يعانيه الفلسطينيون على أيدي أحفاد «المحرقة»، فهل إسرائيل المكان المناسب لإحياء الذكرى؟