الخميس 12 ربيع الأول / 29 أكتوبر 2020
 / 
02:25 ص بتوقيت الدوحة

العلمانية بنكهة عربية

عبد الله العبد الرحمن
قولاً واحداً لا مرية فيه، العلمانية في العالم الإسلامي والعربي لا مبرّر لوجودها أو استقدامها أو استيرادها، وهذا بالفعل ما توصّل له القائمون على استغلال دول العالم الثالث؛ حيث أيقنوا أن فكرة تصدير مفهوم العلمانية وفصل الدولة عن الدين للعالم الإسلامي والعربي لن تُجدي نفعاً، ولن تستمر طويلاً، وسيكشف ما وراء هذا التصدير من الفكر المعادي لقواعد الدين والشريعة الإسلامية؛ فكان المُخطَّط البديل هو استحداث علمانية جديدة ولكن بنكهة عربية إسلامية.
إن آثار الدعوة إلى العلمانية بلسان عربي، والدعوة لها فيما سبق، أو بعد أن أخذت العلمانية طريقها إلى العالم الإسلامي والعربي في ركاب الاستعمار السياسي والعسكري أولاً، ثُمّ في ظلّ الحكومات العربية والإسلامية التي بقيت «أمينة» على التراث الاستعماري في معظم الأحيان؛ أدّت إلى ما نحن عليه اليوم من آثار يندى لها الجبين ويشيب معها الجنين، في مختلف حقول الحياة الفكرية والتربوية والاجتماعية والإعلامية والسياسية والقانونية وسواها، والأمر يبدو واضحاً لتلك الآثار للقاصي والداني ولكل راصد.
كل أصول الثقافة الدينية ومنطلقاتها تستمدّ قوتها من القرآن والسُّنّة النبوية المطهّرة؛ فإذا اقتصرنا في فهم الإسلام على أنه صلة روحية أو أن دائرته كدين لا تتعدّى البعُد الفردي للإنسان أو حياة الإنسان الشخصية والمتمثّلة في علاقته مع ربه سبحانه كما يريد الغرب أو (العلمانية المسيحية)، فمعنى ذلك ومؤدّاه هو تفريغ الشخصية الإسلامية من محتواها الثقافي والتربوي والسلوكي، وهذا ما يتحقّق بالفعل في القرن الحادي والعشرين، وما أصبحت عليه الأمور في العالمين العربي والإسلامي، وهو نهوض الفكر العلماني بلسان عربي وإسلامي، حتى أصبح الغربيون يتندّرون على الإسلام والمسلمين ويتشدّقون بمقولة «من فمك أدينك».
في هذا الحال يُطرح علينا سؤال، وهو: ما النتائج التي سوف تكون عليها الشخصية العربية والإسلامية في ظلّ الدعوة إلى العلمانية بالنكهة العربية؟ طبعاً الإجابة هي استنساخ للثقافة الأوروبية بفروعها المختلفة، من اقتصاد وإعلام وتربية وقانون... إلخ، حتى وإن سلّمنا بعالمية الحضارة الغربية، بمعنى سيادتها على مسرح التاريخ المعاصر، فإنه لا يعني تسلمينا بعالمية هذه الثقافة أو بعبارة أدق «بإنسانية» هذه الثقافة.
لقد فُرضت علينا العلمانية الغربية في زمن الاستعمار، ورغم المحاولات على مرّ العصور في التخلّص من هذه العلمانية الخبيثة، فإن من ترعرعوا تحت عباءة الاستعمار السابق وتمّ زرعهم بيننا يعيدونها اليوم وبشكل سافر وبطريقة أقل ما يُقال عنها أنها أسلوب سافل، ولا زلنا ونحن في عصر الاستقلال من الاستعمار نعيش هذا المناخ، الذي يتم فيه الإصرار على النموذج الثقافي الغربي، بل يتم الإصرار على طلب هذا النموذج المسخ، الأمر الذي يمثّل أشد صور الخيانة للأمة والدين والثقافة الإسلامية العريقة، ولا أجد وصفاً آخر مناسباً لمن «يجاهد» لتطبيق العلمانية الغربية في شتى مناحي الحياة.
إذا كانت العلمانية في المجتمع الأوروبي تمثّل موقف حياد أو موقف «تحييد» لرجال الكنيسة وإقصاء نظري لهم عن شؤون المجتمع والدولة، بزعم أنهم تجاوزا، فإنها في المجتمع الإسلامي لن تكون إلا موقف عدوان على الإسلام والمسلمين؛ فردُّ التجاوز والعدوان في مجتمع يقابله التجاوز والعدوان في مجتمع آخر.
أهم عناصر قوة الأمة جودة تعليمها، ونزاهة قضائها، وحسن اختيار قادتها، ومحاربة فساد الأخلاق على كل مستوى.
والسلام ختام... يا كرام

اقرأ ايضا

المواجهة لا بدّ منها

11 يونيو 2020

قطع رأس الأفعى

18 يونيو 2020

بين التحذير والتحرير

02 يوليو 2020