الخميس 15 جمادى الآخرة / 28 يناير 2021
 / 
05:58 ص بتوقيت الدوحة

السلام.. حجر الزاوية في الحوار السوداني

عادل إبراهيم حمد
بعد أيام -تحديداً في السابع والعشرين من يناير الجاري- تحل الذكرى الأولى لخطاب الوثبة. أي مرور عام على خطاب الرئيس البشير الذي دعا فيه القوى السياسية إلى حوار وطني شامل. وعادة ما يكون إكمال عام على حدث ما مناسبة للتقييم.
عند إخضاع أي عملية سياسية للتقييم لا بد من استرجاع الأهداف التي كانت ترجى منها، ثم تحديد ما تحقق لمعرفة مدى النجاح والتقدم الذي حققته هذه العملية. وبإخضاع الحوار الوطني لهذا المعيار بعد سنة كاملة من إطلاق نداء الرئيس، يلاحظ بوضوح أن التوافق على رؤى مشتركة بين القوى السياسية لم يتحقق، وأن الحوار قد تراجع كثيراً حتى لم يبق منه غير إعلان باهت لاجتماعات تضم أحزاباً غير ذات أثر في السياسة السودانية؛ بل إن مستوى التقارب بين الحزب الحاكم وبعض قوى المعارضة الفاعلة كان أفضل قبل خطاب الوثبة. وأشير في هذا الجانب ــبصفة خاصةــ إلى تدهور العلاقة مع حزب الأمة الذي يتعرض هذه الأيام لخطر التجميد. ومع الصادق المهدي الذي تلاحقه بلاغات جهاز الأمن، ولم يحقق حزب المؤتمر الشعبي برئاسة الترابي اختراقاً يذكر رغم ابتعاد رموز من الحزب الحاكم كانوا يشكلون عقبة كأداء في طريق التقارب بين المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي أبرزهم نائب رئيس الجمهورية السابق علي عثمان. يتحمل المؤتمر الوطني ــحسب رأي المعارضةــ مسؤولية إفشال الحوار لعدم إبدائه مرونة مطلوبة في مثل هذه الأحوال. بل أبدى تشدداً غير مبرر تجاه الصادق المهدي المعارض الأبرز الذي استجاب للحوار متجاوزاً اعتراضات أبداها حلفاء له في المعارضة؛ لكن أنصار الحزب الحاكم يرون أن تحميل المؤتمر الوطني مسؤولية إفشال الحوار تبسيط مخل، لأن الداعي للحوار -وإن كان يتحمل المسؤولية الأكبر- إلا أنه لا يتحمل كل المسؤولية. وأن التقييم الموضوعي لا بد أن يشمل الجزئية الخاصة بأطراف الحوار الأخرى، التي تكمل دور ومسؤولية المؤتمر الوطني. ويذهب أنصار المؤتمر الوطني إلى أبعد من ذلك، فيحملون الصادق المهدي مسؤولية تراجع الحوار لأنه تصرف بانتهازية واضحة حين قبل الحوار وأراد في ذات الوقت الاستفادة من مكاسب يحققها الرافضون له؛ يقصدون بذلك جلوس المهدي مع المؤتمر الوطني في القاعة ثم تسلله منها ليهاجم قوات الدعم السريع التي تحارب حاملي السلاح الذين يمثلون أعلى درجات رفض الحوار السلمي. ويرى هؤلاء أن حجر الزاوية في الحوار هو الرفض المبدئي الصريح للخروج المسلح على السلطة المركزية، واعتماد الحوار وسيلة وحيدة لإدارة الصراع السياسي.. يشدد مؤيدو المؤتمر الوطني على ضرورة مبدئية هذا الأساس عند كل القوى السياسية -بغض النظر عن الجهة الحاكمة في السودان- حتى لا يكون السلام مهدداً بتذبذب المواقف. ويرسخ هذا المبدأ باعتبار الجيش السوداني هو المؤسسة العسكرية الوحيدة حتى لا تتعدد الجهات الحاملة للسلاح الشيء الذي ينذر بفوضى عارمة. ومهما قيل عن عدم قومية الجيش، فهو يحمل نسبياً من مقومات القومية ما لا يتوافر لقوات التمرد في دارفور أو جنوب كردفان أو في النيل الأزرق.
قد يقول قائل إن قوى الإجماع الوطني تعلن في كل مناسبة رفضها العمل العسكري. لكن الحكومة تشكك في صدق نوايا المعارضين، خاصة وأنهم لا يدينون هجوم حاملي السلاح على مدن وقرى. وكأن الخيار العسكري غير مستبعد تماماً من خيارات أحزاب العمل (السلمي). وإذا صح هذا الاتهام فإنه يتعدى الانتهازية إلى الغباء السياسي الذي يعيد إنتاج أخطائه. فقد درجت الأحزاب المعارضة على الاستقواء بحركات مسلحة بدون أن تكون جماهير هذه الأحزاب جزءاً أصيلاً من المقاومة المسلحة. وظلت هذه الأحزاب تختبئ خلف حركات مسلحة مثل الحركة الشعبية وتتوهم أنها تستغفل حاملي السلاح الذين يتحملون أهوال ومشاق الحرب، ثم تقطف جل ثمار النصر؛ لكن التجربة مع الحركة الشعبية أثبتت أن حاملي السلاح أذكى من الجالسين في ظلال التفاوض. فبدلاً من أن تكون الحركات المسلحة جناحاً عسكرياً للسياسيين المعارضين. شكّل السياسيون من حيث لا يدرون غطاء سياسياً للحركات المسلحة.
قد تتحجج الأحزاب المسالمة بأن القطيعة مع حاملي السلاح تضعفها وتفقدها أداة ضغط فاعلة في مواجهة المؤتمر الوطني الذي لا يؤتمن على البرنامج الديمقراطي.. هي حجة تدعمها تجارب سابقة مع الحزب الذي لا يفي بالعهود. لكنها ليست حجة تبرر استمرار الحرب التي عادت على مواطنين بسطاء بأضرار مضاعفة من تلك الناتجة عن سياسات حزب المؤتمر الوطني الحاكم.

• aim.hamad@yahoo.com