الخميس 20 رجب / 04 مارس 2021
 / 
06:53 ص بتوقيت الدوحة

مستقبل إيطاليا (1-2)

هارولد جيمس
إن إيطاليا كمهد للإمبراطورية الرومانية والنهضة، كانت تعتبر منذ فترة طويلة في طليعة التطورات الثقافية في أوروبا وأوراسيا الغربية، ولكنها كانت تعتبر ولفترة طويلة مثالاً على الانحدار السياسي. إن كتاب إدوارد جيبون الكلاسيكي تاريخ انحدار وسقوط الإمبراطورية الرومانية، كان يهدف في واقع الأمر إلى تحذير معاصري الكاتب الذين كانوا يريدون بناء الإمبراطوريات.
إن الانكماش الاقتصادي الإيطالي بعد فترة أوائل القرن السابع عشر، كان يعتبر كذلك قصة تحذيرية لقد ناشد الناقد الإنجليزي من القرن التاسع عشر جون راسكن أعضاء مجتمع التجار البريطاني أن يفكروا ملياً في مآسي مدينتي صور والبندقية. لقد وصف البندقية «في الفترة الأخيرة من انحدارها»، حيث كتب «شبح على رمال البحر، ضعيفة جداً، هادئة جداً، حيث فقدت كامل روعتها تقريباً، ولدرجة أنه بينما نشاهد انعكاسها الخافت في سراب البحيرة، يصعب علينا التفريق بين المدينة والظل».
وبعد ذلك جاءت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك عندما كانت إيطاليا الطفل المدلل للاندماج الأوروبي المخلص. لقد طورت البلاد طرازاً ثقافياً لا يزال مؤثراً بشكل فريد حتى يومنا هذا، وخاصة في مجال الأزياء حيث أصبحت إيطاليا تحدد التوجهات في هذا الخصوص على المستوى العالمي، علماً أن المجمعات التجارية الراقية والشوارع التجارية والمطارات أصبحت مليئة بمحلات الألبسة، والتي تبيع التصاميم الإيطالية (وحتى لو لم تكن منتجات إيطالية).
لكن إيطاليا أصبحت قصة تحذيرية مرة أخرى، فمنذ الانتخابات العامة في مارس الماضي، أذهل المشهد السياسي للبلاد المراقبين في العالم وأرعبهم، فتشكيل حكومة شعبوية من اليسار واليمين جعل العديد يتساءلون عن ما إذا كان هذا الائتلاف ضربة حظ، أو عارض للإفلاس السياسي والفكري للعولمة الليبرالية الجديدة.
لقد كان يقال دائماً إن انحراف إيطاليا عن بقية أوروبا (فيما يتعلق بنصيب الفرد من الدخل) بدأ، إما بالتصديق على معاهدة ماسترخت سنة 1993، أو تبني اليورو سنة 1999، ولكن هذا التسلسل الزمني يخفي تحولاً أكثر عمقاً في إيطاليا الحديثة. إن فترة أوائل التسعينات هي الفترة التي شهدت تفكك نظام الحزبين القديم في إيطاليا، حيث تضرر الحزب المسيحي الديمقراطي الذي ينتمي ليمين الوسط، والحزب الاشتراكي الذي ينتمي ليسار الوسط من فضيحة الفساد التي تعرف باسم مدينة الرشوة.
لقد ظهرت من خلف عناوين الأخبار الرئيسية المتعلقة بالفساد حقيقة أن الأفكار القديمة عن المسؤولية المشتركة لم تعد مطبقة، وهكذا فإن حل الحزبين الرئيسين في إيطاليا قاد إلى المزيد والمزيد من الفساد المؤسساتي، والذي مثله رئيس الوزراء السابق سيلفيو بيرلسكوني. لقد جمع بيرلسكوني، والذي كان مطور عقارات، ويملك شبكة تسلية وإعلام ضخمة بين مشهد الخيانة الزوجية المتكررة والشابات الفاتنات والسياسات الشعبوية القائمة على أساس التخفيض الضريبي، والتعاطف مع الدول السلطوية النفطية، مثل روسيا. إن الأسلوب السياسي لبيرلسكوني -خليط من النرجسية التهريجية والفساد بدون حدود- يتطابق مع أسلوب ترمب.

اقرأ ايضا