الجمعة 13 ربيع الأول / 30 أكتوبر 2020
 / 
02:09 ص بتوقيت الدوحة

صورة تداعت سيطرتها على وسيلة!

بثينة الجناحي
حتى أقرّب لكم الصورة أكثر لغرض هذا المقال، سوف أبدأ بمثال بسيط حول الصورة التقديرية لمرآة السيارة؛ فعلى الرغم من كونها توهمك بأنها غير دقيقة إلى حدّ ما، فإنها في نظرك تبدو حقيقية؛ حيث تستطيع أن تتحكم بالمسافات والتجاوز ما بين السيارات الأخرى، دون إدراك نقطة عمياء تعمل على حجب الصورة الكاملة، ويتفاوت التقدير من شخص لآخر في النهاية.
العبرة من هذا المثال البسيط بأننا في واقع الأمر -وقريباً من أمثلة أكثر تعقيداً في حياتنا- لا نشكّك دائماً حول الصورة التقديرية، إنما نضع أنفسنا تحت تأثير النسق الثقافي الذي يجعلنا بين خطابَي التصديق أو التكذيب، من خلال وسيلة واحدة تخلق صوراً عدّة. فكيف لو طبّقنا هذا المثال الصغير -ولربما الوهمي- على الوسائل المعاصرة والمؤثّرة الأخرى؟ إذ إن سرعة وصول المعلومة بين يديك دليل كافٍ على أن جميعنا لربما نستخدم الوسيلة نفسها، ولكن نستقبل الصورة بأنساق ثقافية مختلفة، وذلك بحسب الهيمنة الفكرية التي تسيطر على انطباعك للصورة المقدّمة عبر الوسيلة؛ إذ إن التوجّه ليس بالضروري أن يكون بالانطباع ذاته، حيث تقع الصورة تحت عاتق التحليل والنقد الذي سيتراكم عليه نقد آخر، ولربما تصحيح لما سبق، حينما يتم تأهيل مستقبلي الصورة بالانطباعات الخاطئة، ولربما حرق دمائهم بكثير من الغضب والاستنكار أو الدفاع حول الصورة ومن وراء تلك الصورة، بينما يأتي خطاب آخر ينفي واقعية الصورة ويستذكر نواقصها أو حتى سرقتها لهيمنة أخرى!
ومن تلك الدوامة المستمرة للنسق الثقافي، يتبيّن لنا أن الإنسان يكون على محكّ الشكّ والتشكيك، بين التصديق والتكذيب للصورة، وفقدان المنطقية أو بنائها طبقاً لما يأتي من خطاب مهيمن، بغضّ النظر على مصداقيته من عدمها. من هنا تُصنع الوسيلة الحديثة العشوائية ولا تُصنع الحيادية، بل تخلق أحزاباً على باطل حتى. وهذه نقطة أجدها مهمة جداً عند تفسير تأثير الوسائل المعاصرة على القدرة التحليلية والنقدية لواقع الأمور وما يترتب عليها من عقبات؛ حيث تخلق في نهاية الأمر العشوائية في انتقاء المعلومات وتفسيرها بناءً على تحليل تراكمي وتصحيحي لما سبق (إن كان تقبّل الإصلاح أمراً يُرضي المهيمن).
ولا أشكّ إطلاقاً في الحقيقة في أهمية المثقّف المتخصّص، كما تحدّث عنها ميشيل فوكو؛ لأنه من المفترض أن يظل واعياً في ميدانه ومواكباً من خلال مجاله لتغييرات تطرأ على المجتمع أو نقلات له دور في نهضتها أو دمارها حتى؛ إذ يكون دور المثقّف مستمراً، على الرغم من هيمنة العشوائية بين المنصات المعاصرة في تداول وتأويل المواضيع. إلا أن المثقّف المتخصص لا يزال يضع بصمته من خلال النقد، والمطالبة القانونية والعادلة حتى، والتي تكون ثابتة من حيث المعايير التحليلية ومتصدّرة من حيث الإثباتات والدلائل.
فلو ظهرت لك تلك الصورة بتداعيات وهمية في مرآة السيارة، تظل هناك معايير مهيمنة وهمية، تصنع تقديراً افتراضياً غير واقعي للصورة، فينتهي بك الأمر ما بين التصديق والتكذيب لتداعيات الوسيلة.
وكل ما سبق هو -ببساطة- شرحٌ لهيمنة قناة «بي آوت كيو»؛ إذ ثبت أنها صورة وهمية تداعت سيطرتها على الوسيلة!

اقرأ ايضا

عرسنا الثقافي

29 نوفمبر 2018

حارس الثقافة الجديدة!

25 يونيو 2020

نشرة أخبار جوية

04 أكتوبر 2018

طلقة!

01 يونيو 2017

وظائف شاغرة للقطريين فقط

01 ديسمبر 2011

قصة معوّجة!

03 أكتوبر 2019