الأحد 14 ربيع الثاني / 29 نوفمبر 2020
 / 
07:21 م بتوقيت الدوحة

اعمل نفسك ميّت

عزة العلي
على متن أحد القطارات المتجهة لمدينة شنغهاي الصينية جلست في المقعد الخلفي للقطار ولفتت نظري ملامح ذلك الرجل العجوز الجالس وحيداً في المقدمة.
والابتسامة هي التي ميزته عن غيره من الركاب، يرتدي الرجل النحيف المتميز بالحيوية، رغم تقدمه في العمر، قميصاً فضفاضاً قصير الأكمام زاهي اللون وحذاءً رياضياً أبيض، وكادت ابتسامته الجميلة أن تخفي كل تجاعيد وجهه.
أثارت فضولي ابتسامته وملامحه؛ وفي أقرب محطة سيتوقف عندها القطار سأنتقل فوراً للجلوس بجواره (هكذا حدّثتُ نفسي) قبل فعلي.
وها أنا الآن أجلس بجواره وأبحث عن حجّة للحديث معه ولمعرفة سر نضارته وقوته ودار بيننا حديث:
أنا: كيف حالك، رأيتُ ابتسامتك طوال الوقت وكأن لا شيء لديك سواها؟
الرجل العجوز: مبتسماً أبلغ من العمر مائة وعشر سنوات، ولحياتي بقية فيجب أن أظلّ مبتسماً!
أنا: لو لم تخبرني عن عمرك لظننتك في السبعين يا سيدي.
الرجل العجوز: هذا لطف منك، وليت الشباب يعود يوماً.
أنا: لا بد وأنها الرياضة التي كنت تمارسها يومياً؟
الرجل العجوز: ضاحكاً مرة أخرى، لم أمارس الرياضة يوماً باستثناء العمل الشاق في الحقل.
أنا: إذن، لا بد وأنه الأكل الصحي!؟
الرجل العجوز: ليس كذلك، فنظام غذائنا متوازن ونحرص على تناول وجبات خفيفة خالية من الدسم.
وكانت سرعة القطار هائلة بيد أنها لم تكن أسرع من ذكريات ذلك العجوز الذي استكملتُ حديثي معه ليخبرني عن حياته الكثير، فعرفتُ منه أن الناس في الصين تبلغ أعمارهم (العمر الذهبي)؛ وهو تقريباً العمر الذي وصل إليه.
ولكن كيف استطاع هذا العجوز المحافظة على صحته ليصل به العمر إلى هذا المطاف؟ وأتوقع الكثير منكم كان يعتقد أن الأكل الصحي والرياضة هما من ساعداه على أن يكون هكذا كما ظننت أنا.
وما سمعته منه كان صادماً بالنسبة لي: إذ يؤكد لي «أن الحياة الاجتماعية «السليمة» تساهم في إطالة عمر الإنسان، والتحلّي بهدوء الأعصاب وعدم التوتر مما يخفف من الضغوطات النفسية والأمراض الجسدية.
والحرص على الرضا والتسامح وتقبّل الآخر بخيره وشرّه، وعدم الاكتراث للقيل والقال وإعطاء الأشياء أكبر من حجمها وتهويل صغائر الأمور (الدنيا ما تسوى).
وتعامل مع كل المشكلات بقوة وصلابة وتفكير حكيم، وعدم إشغال تفكيرك في أمور لا تَعنيك، إذ ستواجه في حياتك شخصاً غاضباً، حاسداً ساخطاً، ومن الصعب عليك أن تُرضي الجميع مهما حاولت وفعلت، وسوف تتعرض للكثير من الإساءات في حياتك بسبب أو ربما بدون سبب، فلا تجعل هذه الطبيعة البشرية تفسد عليك يومك الجميل، فقط تعلّم أن تتجاهل (اعمل نفسك ميّتاً)!!
فليس من الضروري أن يحبك الجميع، المهم أن يحترمك الجميع.
وفي آخر محطة وقف عندها القطار، والتي أنهت حديثي مع الرجل العجوز، لأطرح عليه سؤالي الأخير: تحمل بين يديك تلك العلبة التي طالما أمسكت بها جيداً طوال الرحلة خوفاً من أن تفقدها! فماذا بها؟!
أدار وجهه ناحية النافذة وعينيه تحمل دموعاً هذه المرة: «فقدت زوجتي منذ خمسة وثلاثين عاماً وفي ذكرى وفاتها كل عام أزور قبرها حاملاً التوت البريّ الذي «كانت تحبّه»، فهذا الأمر الذي لم أستطع تجاهله أبداً».

انعكاس
تجاهل صغائر الأمور... فهناك أمور أعظم تستحق منا الاهتمام

اقرأ ايضا

أونلاين

25 سبتمبر 2018

الزوجة الثالثة

07 مارس 2017

ما خفي أعظم!

17 ديسمبر 2019

الإرث اللابيولوجي

05 مارس 2018

خطوات تكسر العادات

07 أغسطس 2017

ديتوكس

20 نوفمبر 2018