الأربعاء 11 ربيع الأول / 28 أكتوبر 2020
 / 
07:57 ص بتوقيت الدوحة

بين قمّة الرياض وحصار الدوحة

د. محمد عياش الكبيسي
لم تمض إلا أيام قليلة على قمة الرياض حتى تفجّرت أزمة داخل البيت الخليجي لم تكن بالحسبان.
كثرت التحليلات كالعادة، والتي لا تستند في الغالب إلى معلومات بل إلى أمزجة وانطباعات وتصورات مسبقة، فهناك من يراها مؤامرة كونية تقودها أميركا لتدمير التجربة الإسلامية في غزّة، باعتبار أن قطر هي الداعم العربي الوحيد لحماس، بينما يراها آخرون متعلقة بموقف قطر ممّا عرف بثورات الربيع العربي وإيقادها لجذوة التحرر، في حين تصر أصوات معادية لقطر وتؤكّد أن الحصار جاء بسبب دعمها للإرهاب وعلاقاتها الوطيدة بإيران، وهما الموضوعان المحوريان اللذان دارت حولهما قمّة الرياض.
شخصياً لم أستطع أن أقتنع بكل هذه التحليلات، فعلى فرض وجود أهداف تآمرية ضد قطر أو غزة، فهذا لا يستوجب كل هذا التحشيد، وفي العادة يتم التعامل مع مثل هذه الأهداف -لو صحّت- بأساليب أخرى دون الحاجة إلى مثل هذه التظاهرة الدوليّة الاحتفالية، أما اتهام قطر بدعم الإرهاب والوقوف مع إيران فيكفي لدحضه مشاركة أمير قطر في قمة الرياض، وثناء ترمب على الدور القطري في مكافحة الإرهاب، إضافة إلى وجود قاعدة العديد الأميركية في قطر، فلا يعقل أن محور المقاطعة أو ترمب نفسه قد عثر فجأة على وثائق جديدة تنسف كل ذلك.
غاية ما يمكن قوله بهذا الصدد أن بعض المشاركين ربما أراد أن يستغل وجود ترمب ليمرّر رسائل أشبه بالنميمة السياسية لتصفية حسابات سابقة، وقد بدا هذا واضحاً في كلمة السيسي، وليس معنى هذا أن الإدارة الأميركية قد غيّرت موقفها بناء على هذه الوشايات.
إن قطر ما زالت متمسكة بعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية، كما إنها حريصة على حل الأزمة الطارئة وإعادة اللحمة الخليجية بأقصى ما يمكن، ولم يصدر من قطر ما يخالف هذا رغم صدمتها الكبيرة بالإجراءات القاسية والمفاجئة، وهذا هو الموقف الطبيعي والمنطقي، أما الخطابات التعبوية والعاطفية والتي تتبناها منابر وأقلام دينية وفكرية فلا تذكرني إلا بموقف هؤلاء من صدّام، حيث دفع العراق والأمة كلها ثمن معارك غير متكافئة ولا متوازنة، ولكن قطر بما تتمتع به من حكمة وواقعية وبعد نظر لن تكون مثل العراق بكل الأحوال.
الأسوأ هو ذلك الخطاب الذي يبرر قطيعة الرحم بين الأهل، وفصل العائلة الواحدة، ومعاقبة شعب كامل بحصار لا يمسّ إلا المواطن البسيط، وهو نفس الخطاب الذي برر حصار العراق لثلاث عشرة سنة، والذي قتل أكثر من نصف مليون طفل، ثم أضعف العراق كليّاً، حتى تم تسليمه لإيران.
يا علماء الأمة ويا عقلاءها إن السياسة متقلبة ومتغيّرة، لكن ديننا لا يتغيّر، ودمنا لا يتغيّر، وتاريخنا لا يتغيّر، وأرضنا لا تتغيّر، فحاصروا الفتنة في زاويتها السياسيّة الضيقة، ولا توسّعوها.
أما أنتم يا قادة الخليج، فكم كنا نغبطكم على حلمكم وحكمتكم، وما زلنا ننتظر منكم الموقف الذي يزيح عن قلوب أهلكم وأبنائكم هذه الغمّة، فإن شعوبكم -والله- لا تشعر اليوم بالسعادة، لا في السعودية ولا في قطر ولا في كل الخليج، وإن عيون الأمة عليكم فلا تخيّبوا آمالها.