الخميس 11 ربيع الثاني / 26 نوفمبر 2020
 / 
03:55 م بتوقيت الدوحة

أميركا - إيران: كارثة طُويت.. في انتظار التالية!

عبدالوهاب بدرخان
تفادى العالم لتوّه كارثة حبست الأنفاس لأيام عدة غداة الاغتيال الأميركي لقائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني على وقع صيحات الانتقام في طهران، إلى أن اختارت إيران رداً عسكرياً صاروخياً، وأتبعته بتأكيد أن «كل شيء انتهى، ولا مزيد من التصعيد» على لسان وزير الخارجية محمد جواد ظريف، وأرجع الرئيس الأميركي الصدى بـ «لا خسائر أميركية في الأرواح ولن يكون لنا ردّ»، فوراً راح التوتّر ينخفض، رغم أن المرشد علي خامنئي قال إن إطلاق الصواريخ كان مجرد «صفعة» للأميركيين، معتبراً الانتقام لسليماني «أمراً آخر»، أي أن الانزلاق إلى سخونة التصعيد شيء، أما الانتقام فيمكن أن يكون «طبقاً يؤكل بارداً» بحسب القول المأثور، كان المرشد هو من أعطى الموافقة على تلك الضربة، وعلى الاكتفاء بها «مؤقتاً»، بمعنى إلى أجل غير مسمّى، هذا يعني أنه لم يأخذ بتقدير الصقور ورجّح رأي البراجماتيين.
لم يتلقَّ دونالد ترمب «النعوش» التي هدّده بها عدد من المسؤولين الإيرانيين ووكلائهم في المنطقة، بل جاءه إنذار مسبق بوقت كافٍ يسمح بحماية جنوده، فاستنتج أن طهران لا تريد تفجير مواجهة يعرف الطرفان متى تبدأ ولا يعرفان متى تنتهي، مع ذلك، أعلن أنه سيفرض عقوبات جديدة، لماذا؟ لأن إيران سجّلت أنها شنّت غارة صاروخية على قاعدة عراقية يوجد فيها أميركيون، وهذا غير مسموح بالنسبة له، سبب آخر لاستئناف العقوبات هو إعادة الأزمة مع إيران إلى مسارها الاعتيادي. معلوم لديه أن العقوبات لم تعُد تقدّم أو تؤخّر، بل باتت شبه رمزية، وأن استهداف «الحرس» بها ليس مؤثّراً ولا يعدو أن يكون فعلاً تشهيرياً، لكن الطرفين في حال حرب، ولا يُحدث الفارق فيها سوى سفك الدماء، غير أن إيران أدركت هذه المرة أنها إزاء رئيس أميركي لا يأبه بالخطوط الحمراء، كما فعل سلفاه جورج بوش الابن وباراك أوباما، وإلا لما أقدم على قتل سليماني.
قد يكون أركان الإدارة الأميركية ضخّموا الأسباب التي أدّت الى ذلك الاغتيال، لكن بعيداً عن مبرراتهم كانت هناك وقائع ومؤشّرات ومعلومات أشعرت ترمب بل أنذرته بأنه مستهدف بأشكال شتّى، سواء بقتل متعمّد لجنود أو بهجوم على السفارة أو سفارات، وربما أخذ من فيها رهائن في تكرار للتجربة التي مرّ بها سلفه جيمي كارتر، وخسر إعادة انتخابه لولاية ثانية، وهكذا اعتبر «الكاوبوي» أن خصمه منحه ترخيصاً للقتل، للمرّة الأولى لم يفطن سليماني إلى أن عدوّه قد يكون كشف مخططه، وأن ولاءات الوكلاء قد تنطوي على اختراقات في كل المحطات التي قصدها من العراق إلى سوريا ولبنان فالعراق أيضاً وأخيراً، والسؤال الآن: هل تخلّت طهران -بعد غياب سليماني- عن مخططه لمشاغلة واشنطن طوال سنتها الانتخابية؟ وهل يمكنها السكوت والانتظار فيما تتضاعف الصعوبات التي فرضتها العقوبات؟
ثمة حديث متجدّد عن مفاوضات دعت واشنطن إليها دائماً من دون شروط مسبقة، ولم ترفضها طهران لكن بشرط رفع العقوبات، اعتقد ترمب أن سياسة «الضغوط القصوى» ستجلب الإيرانيين إلى التفاوض، وهو ما لم يحصل، ما جعل خصومه في «الكونجرس» وفي الخارج يقولون، إن سياسته فشلت، لكنه مصرّ عليها، ما حصل أخيراً بعد التصعيد الخطير، دفع الأوروبيين إلى طرح صيغة تنازلات الحد الأدنى من الجانبين، بغية إنقاذ الاتفاق النووي والتمهيد للتفاوض، تجنّباً لتصعيد آخر. ويبقى هذا مجرّد رهان.