الإثنين 2 جمادى الأولى / 06 ديسمبر 2021
 / 
07:51 م بتوقيت الدوحة

حكاية وزير تلخص مأساة الصحافة العربية!

شريف عبدالغني
(1)
رغم أننا شارفنا على الانتهاء من العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، لكن يبقى حال الصحافة العربية كما هو: حكومات تحتقر الإعلام المهني الحقيقي، يقابلها صحافيون يشوهون المهنة السامية، ولا يستحقون شرف الانتماء إليها.
لعل حكاية وزير أردني سابق مع الصحافة، تلخص حال صحافتنا العربية، سواء من ناحية نظرة الحكومات إليها، أو من جهة الصحافيين أنفسهم ومستواهم.
قبل سنوات وصف وزير البيئة الأردني الأسبق حازم ملحس أصحاب القلم بـ»الحمير»!!
اللفظ يعكس حالة عربية رسمية تجاه الإعلام، فالوزير أصيب بعدوى احتقار السلطات العربية للإعلام، فدوره -حسب وجهة نظرهم- هو التهليل لأي إنجاز حتى لو كان تافها، ثم تبرير «الهزائم» و»الوكسات» باستخدام ألفاظ خفيفة الدم مثل «النكسات» و»الانكسارات»، وطبعا ليس من مهامهم أن يكونوا العين الكاشفة للحكومات والمجتمع عن السلبيات، بهدف تحسين الأوضاع من مختلف الجوانب، وإحداث حراك إيجابي في الحياة العامة.
(2)
لكن للأمانة اعترف الوزير الأردني حينذاك بخطئه، ليس هذا فقط بل سنّ سنة حميدة أتمنى أن تطال باقي زملائه «المستوزرين» العرب، حيث استقال من منصبه، وهى خطوة لا تحدث إلا في أوروبا والدول المتقدمة، وأكد أنه نادم على وصف صحافيين بـ»الحمير».
وقال: «أعترف أنني أخطأت في اختيار الكلمات، وقد كنت أتحدث عن الإعلاميين الذين لا يعرفون شيئا عن الإعلام البيئي».
ومن المهم هنا -لنا كصحافيين- شرح الوزير الأردني ما حدث معه من صحيفة أردنية بقوله: «قلت للحضور في ورشة للإعلام إن في (الطفيلة) 350 نبعا من الماء، ويجب أن نعيدها 350 نبعا، لأفاجأ بالصحيفة في اليوم التالي تكتب أنني حكيت عن وجود 350 نبعا في (الطويلة)، مما دعا الناس للتساؤل: هل هناك قرية في الأردن أو مدينة تدعى (الطويلة)، مع أني حكيت: (الطفيلة)».
وأشار إلى أن الصحيفة الأردنية التي نقلت تصريحاته نشرتها من دون حتى تدقيق لغوي، وشدد على أنه قال هذا الكلام على «سبيل النقد لوسائل الإعلام المحلية التي مارست مخالفات عدة، وهي تغطي نشاطات القضايا البيئية بشكل عام».
(3)
لقد تعمدت إعادة توضيح ذلك الوزير المستقيل لموقفه، من منطلق النقد الذاتي لأنفسنا، وأعترف أن الخطأ المهني الذي أغاظ ملحس ودفعه للخروج عن شعوره وإطلاق هذا اللفظ، أصبح شائعا في الصحافة العربية، فالدقة صارت موضة قديمة في الصحافة الحالية.
أولى أساسيات المهنة أن يتقن الصحافي اللغة التي تصدر بها صحيفته، لكن علاقة كثير من الصحافيين باللغة العربية -وقد لمست ذلك بحكم عملي- مثل علاقة العرب بإنجاز الصعود للقمر.
والخطأ الذي ذكره الوزير بعدم معرفة اسم قرية، أو تحريف تصريحاته، لا يصح أن يصدر من صحافي ثاني واجباته بعد إتقان اللغة، أن يكون «مثقفا»، خاصة في المصدر أو القطاع الذي يغطيه، ليس فقط على المستوى المحلي في بلده، لكن على المستوى العالمي ككل.
(4)
«الجهل» هو اللفظ المناسب لمثل هذا الخطأ سبب الأزمة، والمفارقة أن هناك جهلاء كثر يستغلون أقلامهم في الكذب على الناس، ونفاق المسؤولين، يغيرون مواقفهم مثلما تغير الحيّة جلدها، ويتلونون حسب المصلحة، ويمكنك أن تشتريهم بـ»وجبة عشاء»، ثم بعد ذلك يدعون النزاهة، ويرفعون شعار توفيق الدقن الشهير: «أحلى من الشرف مفيش»!