الخميس 11 ربيع الثاني / 26 نوفمبر 2020
 / 
04:16 ص بتوقيت الدوحة

عودة أجواء السبعينيات الاقتصادية (1-2)

كينيث روجوف
من المبكر جداً أن نتنبأ بالمنحنى طويل الأجل لتفشي فيروس كورونا، لكن ليس من السابق لأوانه أن نعترف باحتمالية اقتراب الركود العالمي التالي، وأنه قد يبدو مختلفاً كثيراً عن أزمتي الركود اللتين بدأتا عامي 2001 و2008.
بداية، يرجح أن ينشأ الركود التالي من الصين، بل ربما كان في الطريق فعلاً، فمن المعروف أن اقتصاد الصين تعتمد استثماراته على الاقتراض المكثف، وبالتالي لا يستطيع اليوم تحمل توقف طويل على النحو الذي تحمله اقتصاد اليابان سريع النمو في ثمانينيات القرن الماضي؛ إذ يحتاج الأشخاص والشركات والبلديات إلى سداد ديونهم الهائلة، كما أن عوامل مثل حدوث تطورات ديموغرافية شديدة السلبية، وضيق المجال للحاق بركب التكنولوجيا، وظهور تخمة سكانية ضخمة ناتجة عن برامج التحفيز المتكررة، ناهيك عن تزايد مركزية عملية صنع القرار، تنذر بالفعل بتباطؤ كبير في نمو الصين في العقد التالي.
فضلاً عن ذلك، تنذر السلالة الجديدة من فيروس كورونا (كوفيد-19) بصدمة في جانب العرض، إضافة إلى صدمة في جانب الطلب، وذلك على عكس الركودين العالميين السابقين اللذين شهدهما هذا القرن. حقاً لن يجد المرء صدمة كبرى في جانب العرض إلا لو عاد إلى منتصف السبعينيات وما شهدته تلك الفترة من صدمات في عرض النفط. نعم سيتسبب الخوف من العدوى في الإضرار بالطلب على الخطوط الجوية والسياحة العالمية، كما سترتفع المدخرات التحوطية. لكن عندما لا يستطيع عشرات الملايين من الناس الذهاب للعمل (سواء لداعي العزلة الإجبارية أو الخوف)، وتنهار سلاسل القيمة العالمية، وتُغلق الحدود، وتنكمش التجارة العالمية بسبب تشكك كل دولة في إحصاءات الأخرى وبياناتها الصحية، سيعاني جانب الطلب بنفس القدر على الأقل.
ستنهمك البلدان المتضررة، ولا بديل لها عن ذلك، في إنفاق ضخم بالعجز لتقوية نظمها الصحية وتدعيم اقتصاداتها. والحق أن الهدف من التوفير للأوقات العصيبة هو الإنفاق عند قدوم تلك الأوقات، أما الاستعداد للأوبئة والحروب وأزمات المناخ وغيرها من الأحداث الطارئة وغير المتوقعة فيمثل تحديداً سبب خطورة الإنفاق بالعجز بلا حدود خلال فترات الازدهار.
غير أن واضعي السياسات ومعهم عدد كبير للغاية من المعلقين الاقتصاديين أخفقوا في إدراك كيفية أن يكون الركود العالمي القادم مغايراً لآخر ركودين بسبب عنصر العرض. فعلى عكس أزمات الركود الناشئة بشكل رئيس عن انخفاض الطلب، تكمن خطورة التحدي المتمثل في حدوث انكماش ناجم عن انخفاض في جانب العرض في إمكانية حدوث انخفاضات حادة في الإنتاج وانتشار الأزمات الخانقة. في تلك الحالة، قد تفضي أوجه النقص العامة والمنتشرة -وهو أمر لم تشهده بعض البلاد منذ طوابير الغاز في سبعينيات القرن الماضي- إلى رفع التضخم في نهاية الأمر، وليس خفضه.
لا بد أن أعترف بأن الظروف الأولية لاحتواء أي تضخم عام هذه الأيام إيجابية ومواتية بشكل غير عادي. غير أننا لو أخذنا في الاعتبار حقيقة أن أربعة عقود من العولمة كانت تقريباً العامل الرئيس الكامن وراء انخفاض التضخم، فإن أي تقهقر مستدام خلف الحدود القومية بسبب وباء كورونا (أو حتى الخوف الدائم من الوباء) في ظل تنامي النزاعات التجارية يعد بمثابة وصفة للعودة إلى ضغوط الأسعار التصاعدية. في تلك الحالة، قد يؤدي ارتفاع التضخم إلى رفع أسعار الفائدة، وخلق تحدٍّ أمام واضعي السياسات النقدية والمالية العامة.