الجمعة 19 ربيع الثاني / 04 ديسمبر 2020
 / 
08:31 م بتوقيت الدوحة

دموع بغدادية!

د. موسى آل هجاد الزهراني
علي بن زريق البغدادي شاعر عباسي (ت 420هـ-1029م)، ليس له إلا قصيدة يتيمة، ولهذه القصيدة المبكية المحزنة قصة مبكية محزنة، وهي أن ابن زريق البغدادي هذا، الفتى الجميل الوسيم، ضاقت به الحال في بغداد، وعزم على السفر إلى الأندلس لكي ينال شيئا من حكامها، ولك أن تتخيل المسافات الرهيبة التي سيقطعها من بغداد إلى الأندلس، وهو بطبيعة الحال فقير سافر للبحث عن المال، وعندما أزف الرحيل وقفت بنت عمه حبيبته الجميلة في وجهه لتثنيه عن سفره وتمسكت به بكل قوة، إلا أنه أصر على الرحيل، وكانت دموعها تكف على خديها حرَّى من الحزن العميق، وهو كذلك، وكم تمنى أنه ودع الحياة ولم يودعها هي، ولهذا يقول:
أستودع الله في بغداد لي قمرا **بالكَرخ من فلك الأزرار مطلعُهُ
ودعته وبودّي لو يودعني
صفو الحياة وأني لا أودعُهُ
وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى
وأدمعي مستهلات وأدمعُهُ
ثم ذكر ضعفه عند الرحيل، لكنه يحاول التصبر:
لا أكذبُ اللهَ ثوبُ الصبر منخرقٌ
عني بفرقته لكن أرقعه
فودعها وتركها في منطقة (الكرخ) في بغداد، ثم انطلق يقطع الأيام والليالي، ووجه حبيبته الجميل لا يفارق خياله، حتى وصل إلى الأندلس، وهناك دخل على الأمير أبي الخير عبدالرحمن الأندلسي، فمدحه بقصيدة، لم أعثر عليها أبدا، فأعطاه هذا الأمير المنحوس مالا قليلا جدا ليختبر تعففه كما يقول المؤرخون، ولا أظنهم صادقين! فاغتم ابن زريق جدا وقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون، سلكت القفار والبحار إلى هذا الرجل فأعطاني هذا العطاء؟». وذهب إلى الخان (الفندق) الذي نزل به، وتذكر حبيبته ودموعها البغدادية ووعده لها بالمال الوفير والزواج والسعادة، فإذا كلها أحلام كسراب بقيعة، فكتب هذه القصيدة التي -والله- ما قرأتها إلا وشعرت بالحزن والأسى والألم، ونام وتركها عند رأسه.
أما المنحوس! فقد سأل عنه ليجزل له العطاء كما (يرقع) المؤرخون مرة أخرى، فذهب الحرس ليبحثوا عنه، فوجدوه لكنهم وجدوه ميتا في الفندق والقصيدة مكتوبة عند رأسه، مات من الغم، لست وحدك يا بن زريق الذي اغتم، فكلنا مغمومون!
هذه بعض أبياتها التي خاطب فيها حبيبته:
لا تعذليه فإن العذل يولعُهُ
قد قلت حقا ولكن ليس يسمعُهُ
جاوزت في نصحه حدا أضر به
من حيث قدّرت أن النصح ينفعه
فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلا
من عذله فهو مضنى القلب موجعه
كأنما هو في حل ومرتحل
موكل بفضاء الله يذرعه
قد وزع الله بين الخلق رزقهم
لم يخلق الله من خلق يضيعه
والحرص في الرزق والأرزاق قد قسمت
بغْيٌ ألا إن بَغْي المرء يصرعه
ثم تحسر على فراق حبيبته:
رزقت ملكا فلم أحسن سياسته
وكل من لا يسوس الملك يخلعه
ولم يفقد الأمل في العودة إليها:
علما بأن اصطباري معقب فرجا
فأضيق الأمر إن فكرت أوسعه
عسى الليالي التي أضنت بفرقتنا
جسمي ستجمعني يوما وتجمعه
وآمن بقضاء الله المحتوم:
وإن تُغِلْ أحدا منا منيتُهُ
فما الذي بقضاء الله يصنعه؟
رحم الله ابن زريق.. ورحم الله بغداد!

اقرأ ايضا

رجولة عظيمة

18 نوفمبر 2015

الشعراء.. والعيد

06 يوليو 2016

مشاعر الشعراء

21 ديسمبر 2016

بين الرجولة والغزل

16 مارس 2016

المتنبي وفلسفة الموت

26 أكتوبر 2016

بكاؤهم!

12 أبريل 2017