الثلاثاء 25 رجب / 09 مارس 2021
 / 
03:40 ص بتوقيت الدوحة

سؤال محرج لصحافي هارب

إسماعيل ياشا
هرب رئيس التحرير السابق لصحيفة «جمهوريت» التركية، جان دوندار، إلى ألمانيا قبيل محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة، التي قام بها ضباط موالون للكيان الموازي، التنظيم السري لجماعة كولن، في 15 يوليو 2016، وكان يحاكَم بتهمة نشر أسرار الدولة في القضية التي تعرف بـ «قضية شاحنات المخابرات التركية».
عملية وقف الشاحنات التي كانت تحمل أسلحة ومساعدات عسكرية إلى بعض فصائل الجيش السوري الحر، قامت بها خلية تابعة لتنظيم الكيان الموازي، وتمت العملية أمام الكاميرات بشكل استعراضي، ووضعت القيود على أيدي رجال المخابرات الذين كانوا يرافقون الشاحنات المتجهة إلى سوريا، وكان الهدف منها إظهار تركيا أمام الرأي العام العالمي كأنها تدعم تنظيم داعش الإرهابي، وتزوِّده بالأسلحة والذخائر.
فشلت تلك العملية، كما فشلت محاولة الانقلاب العسكري، وهرب دوندار إلى خارج البلاد، كما هرب كثير من قادة الكيان الموازي، وتم استقبال الصحافي الهارب في ألمانيا وفرنسا على أعلى المستويات، كما تمت استضافته في القنوات الأوروبية، ليهاجم تركيا ورئيسها .
جان دوندار كان قبل أيام ضيف برنامج «هردتوك» على قناة «بي بي سي نيوز» البريطانية، وقال إن الحكومة التركية كانت تقوم بعمل غير قانوني، وتسمي ذاك العمل الذي تخفيه «أسرار الدولة»، إلا أن مقدم البرنامج، الإعلامي البريطاني ستيفن ساكور، وجَّه إليه صفعة قوية، حين لفت إلى أن العملية كانت سرية، وكانت من أسرار الدولة التي يجب ألا يعرفها أحد، ثم أضاف ساكور قائلاً: «ضع نفسك مكان صحافي يعيش في دولة أخرى، وإن كنا سنتحدث بصدق، فإن أي صحافي بريطاني لو حاول أن يصل إلى أعماق علاقات استخبارات الجيش البريطاني لواجه متاعب كبيرة، وكذلك الأمر في الولايات المتحدة، نحن لدينا قانون أسرار الدولة»، وحينئذ لم يجد الصحافي الهارب ما يقول.
نعم، هناك أسرار لكل دولة، ولا تسمح للصحافة بنشرها، مهما كان النظام فيها ديمقراطياً يحترم الحريات، كما أن أجهزة الاستخبارات في أنحاء العالم تكون أنشطتها سرية، ولو كان جان دوندار صحافياً في بريطانيا أو الولايات المتحدة أو حتى في ألمانيا التي تحتضنه، لما تجرأ أبداً على كشف شيء من أسرار تلك الدول، هذه حقيقة أراد الإعلامي البريطاني أن يجعل الصحافي الهارب يفهمها جيداً.
الدول الغربية تعتبر أسرار أجهزتها الاستخباراتية خطاً أحمر، لا يجوز للصحافة أن تتجاوزه، وعلى سبيل المثال، كانت صحيفة «الجارديان» البريطانية تنوي نشر الوثائق التي قام إدوارد سنودن بتسريبها، إلا أن السلطات البريطانية أجبرت الصحيفة على التراجع، واقتحم عملاء المخابرات البريطانية مقر الصحيفة، ليقوموا بتدمير الأجهزة التي تحتوي على الوثائق السرية، وإتلاف جميع الملفات المتعلقة بقضية سنودن.
كان جان دوندار يحاكَم في تركيا وهو معتقل، إلا أن المحكمة الدستورية طلبت إطلاق سراحه، وبعد خروجه من السجن، هرب إلى الخارج، وسأله مقدم البرنامج كيف نجح في الخروج من السجن والهروب من البلاد، إن كانت المحاكم في تركيا تحت سيطرة أردوغان كما يدعي.
الصحافة مهنة شريفة، إلا أن هناك فرقاً بين ممارستها لصالح الرأي العام، واستغلالها في أعمال التجسس والدعاية السوداء، وهذا الفرق يفضح الشخص الذي يتستر وراء الصحافة، لإخفاء تلك الأعمال، عاجلاً أم آجلاً.