الخميس 12 ربيع الأول / 29 أكتوبر 2020
 / 
07:54 ص بتوقيت الدوحة

مستقبل الإسلام ما بعد جائحة «كورونا»: صدام البرابرة

د. سعيد العلام
إن أهم ما يسم العالم ما بعد «كورونا» هو وضوح الصراع الحضاري وانكشاف خلفياته، فضلاً عن تجلّي المبرّرات الأيديولوجية التي تحكم دعاة صدام الحضارات. إذا كانت الخلفية الفلسفية للصدام تؤطرها الفلسفة الهيجيلية التي تدّعي الضرورة الحيوية للآخر لإثبات الوجود، مما يبرّر الحاجة إلى صناعة الأعداء؛ فإن الخلفية الأيديولوجية والدينية لهذه الحتمية تجد امتدادها في أفكار «برنار لويس» مهندس الفوضى الخلّاقة ومبتكر صدام الحضارات.
إن النزعة العدائية للإسلام التي باتت موضة مستحكمة في العديد من المنابر الفكرية والإعلامية الغربية، لا تخرج عن نطاق الأصول الفكرية والأيديولوجية التالية: خطر الإسلام على القيم الحضارية الغربية المسيحية اليهودية، وخطر الغزو الديمغرافي على الغرب (الهجرة)، والخطر على العلمانية وقيم الحرية والديمقراطية، وحقد المسلمين على الغرب الاستعماري، والصراع التاريخي بين الإسلام والمسيحية، والربط ما بين العداء للشيوعية والإسلام. لقد خلقت أصولية «برنار لويس» خلفية معرفية تبريرية لدعاة «الإسلام-فوبيا» في أوروبا، وما زالت ملهمة لأيديولوجيا اليمين المحافظ، من خلال ، كما أنها من أكثر النزعات الأيديولوجية عدوانية على حدّ تعبير «إدوارد سعيد».
إن هذه الأصولية وَسَمَها تزفيتان تودوروف بـ»عودة البرابرة»، تدّعي تفويضاً إلهياً لإقامة الخير في العالم، مُحدَّدة في مسؤولية معنوية أراد التاريخ أن يسندها لأميركا؛ التي تسعى إلى نشر مُثلها العليا في العالم بواسطة القوة. فكانت الحاجة إلى خلق نظراء في التطرف (القاعدة، داعش...)، من أجل تبرير الحرب الحضارية على الإسلام كحضارات مغايرة ومختلفة عن الحضارة الغربية، إنه صدام بين برابرة يؤمنون بالمطلق ولا يعترفون بالاختلاف؛ لذا نجد «هنتنجتون» التلميذ النجيب «لبرنار لويس» يدّعي أن «النزاعات الأكثر خطورة اليوم تأتي من جانبي الحدود الفاصلة بين الحضارات الكبرى»، ويعتبر الهوية الغربية لأميركا هي من يعطي الحيوية مجدداً للحضارة الغربية في وجه التحديات التي تطرحها الحضارات غير الغربية، التي يحدّدها في ثماني مجموعات ثقافية؛ لكن التهديد الحقيقي الذي ينبئ بالتصادم يأتي بالخصوص من تقليدين معينين، يتجسّدان في الصين والإسلام. ورغم المواربة والتعميم الذي يختزله مفهوم الثقافة، فإنه يحدّد بكل وضوح: «إن الدين هو السمة الأساسية للحضارات»؛ لذا فإن الحروب الدينية هي التي تشكّل الخطر الأكبر على الإنسانية، ويحدّد «هنتنجتون» بوضوح موطن هذا التهديد بقوله: «يوجد دم على حدود الإسلام». إن المقصود هنا بالإسلام ليس التطرف، بل الإسلام الحضاري: «المشكلة المهمة بالنسبة للغرب ليست الأصولية الإسلامية، بل الإسلام». ولعلّ العامل الحاسم في فرضية الصراع بين الغرب والإسلام هو الوجه الحضاري المختلف، والذي يعتبره «فوكوياما» بديلاً منافساً للحضارة الغربية.
إن هذا التصور الصدامي الاستعلائي للحضارة الغربية هو ما يصفه «تودوروف» بالبربرية، حينما يعتبر اعتقاد مجموعة بأنها الوحيدة التي تتصف بالإنسانية، وترفض بأن تتعرف إلى شيء لا ينتمي إلى ثقافتها، ولا تقدّم شيئاً للآخرين، فذاك هو البربرية؛ وهذا ما يسمّيه «إيدوي بلينيل» بجهل العالم وعدم تفهّم الآخر، إن المتحضّر هو الذي يعرف كيف يُقرّ بإنسانية الآخر التامة في كل مكان وزمان . إن منظّري صدام الحضارات يدعوننا للنظر إلى جانب آخر من المعادلة، حتى ولو آمنا بحقيقة تاريخية غير مقنعة أخلاقياً: «تاريخ الحضارات هو تاريخ حروب سيطرة بين قوى صاعدة وقوى منهارة»، والتي تؤسّس لأطروحة حتمية الصدام، فإن شكل الصدام ونشوء القوى الصاعدة لا يخضع بالضرورة لحتمية الحرب المسيطرة (الهيمنة) المبنية على القوة العسكرية والاقتصادية، بل قد يتخذ أشكالاً أخرى للصراع . إن هذا الوعي بالصراع الأخلاقي القيمي نجده حاضراً في الفكر الأوروبي بأشكال مختلفة (صراع بين العلمانية والإسلام، قيم الحداثة والتنوير...)، لكنها لا تخرج عن نطاق المبررات نفسها التي سطرها «برنار لويس» وإن بشكل مختلف. وهو ما يطرح سؤالاً مُلحّاً: هل من مبرّر لاستمرار صدام البرابرة؟
إن المستقبل الذي نزعمه للإسلام الحضاري هو المساهمة الفعلية في البناء الحضاري الجديد، أي ما أسميناه في سياق آخر «الكتلة الحضارية للإنسانية»، أمام التراجع المرتقب لهيمنة الغرب الحضارية بأحاديتها المتعالية، وبداية تعدّد حضاري منفتح على تنافس وتدافع حضاري مجهول المعالم، لكنه مشمول بحقيقة قد تكون حتمية، هو الخروج من النمط الأحادي أو الاستحواذ الحضاري إلى التعدد والتنوع. كما قد يكون هذا المستقبل مفتوحا على الصراع والصدام، ليس مؤكداً أن يتجه نحو التعايش والتساكن؛ لكن من المؤكد أنه لم يعد مركزياً، ووثوقياً، واستيعابياً لمختلف التمظهرات الثقافية المغايرة للحضارة الغربية.